الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ليبراليون وتطبيعهم المبكر في عشرينيات القرن الماضي

محمد عبد الحكم دياب *

لم تكن الحلول المنفردة وحدها الجالبة للتطبيع والصهينة، فهناك من سبق وشارك «الوافدين» اليهود من بداية هجرتهم للأرض الفلسطينية، وكانت واقعة تحت الانتداب البريطاني، بنصوص اتفاقيات وقعتها الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العظمى (1914 – 1918) ولعب «الانتداب» الدور الأخطر في رعاية وتنظيم عمليات استجلاب اليهود ومنحهم تسهيلات لشراء الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات عليها، وطرد الفلسطينيين من أراضيهم وديارهم، ومعها بدأ التطبيع مبكرا قبل أربعة وخمسين عاما من توقيع «اتفاق السلام» بين السادات ومناحم بيغن عام 1979، وكان لبعض الليبراليين العرب باع طويل في التطبيع المبكر، وكان ذلك مع قبول شخصيات عربية الدعوة لحضور حفل افتتاح الجامعة العبرية عام 1925.

وبعد عقود من قيام الجامعة العبرية على جبل المشارف، الواقع شرق مدينة القدس، ما تزال الجامعة العبرية تثير الجدل بين الأوساط الفلسطينية والعربية في الداخل وفي الخارج. والسبب هو مشاركة اللورد بلفور (صاحب الوعد المشؤوم) الذي «أعطى به من لا يملك وعدا لمن لايستحق»، وشارك اللورد بلفور في افتتاح الجامعة العبرية عام 1925، وفور الإعلان عن ذلك قررت الحركة الوطنية الفلسطينية مقاطعة الاحتفال، واعتبرت حضور بلفور استفزازا وتحديا للمشاعر الفلسطينية والعربية والإسلامية.

أصدرت الحركة الوطنية الفلسطينية بيانا قررت فيه: عدم مشاركة الفلسطينيين في الاحتفالات التي بدت وكأنها إحتفاءً باللورد بلفور، وأعلن الإضراب يوم وصوله، ورَفْض مقابلته والامتناع عن لقائه بأي شكل؛ خاص أو عام، والحيلولة بينه وبين دخول الأماكن المقدسة، وصدرت الصحف العربية وهي مجللة بالسواد، مع كلمات وتعليقات باللغة الإنكليزية تشرح وعد بلفور. واستجاب الفلسطينيون آنذاك لقرارات الحركة الوطنية، وعمت فلسطين الإضرابات ونددت هتافاتهم بصاحب الوعد المشئوم.

وشجب المتحدثون في المهرجان الخطابي الذي أقيم؛ شجبوا الزيارة من على منبر الحرم المقدسي الشريف؛ ألقى المفكر الفلسطيني خليل السكاكيني، كلمته من على منبر الحرم شاجبا الزيارة، ومطالبا بلفور بالمغادرة لوجوده خلافا لرغبة أهل البلاد اللسطينيين.

وجاء في مقال لأسامة العيسة (01/ 06/ 2005) إن الشاعر اسكندر الخوري البيتجالي، بأنه من الشعراء الذين ليسوا من أصحاب المواقف الوطنية الواضحة، وكان قد نظم قبل ذلك بسنوات قليلة أبياتا رحبت بالانتداب البريطاني، قائلا: بني التايمز قد فزتم وبالإنقاذ قد جئتُم.. بلاد القدس شرفتم فأهلا أينما بِتُّم

وأن يتحول الشاعر إسكندر الخوري البيتجالي لدليل على حجم الغضب المستفحل في الصدور ضد الجامعة العبرية، ووجه اللوم فيها إلى أحمد لطفي السيد على حضوره؛ جاء فيها:

الله أكبر كل هذا في سبيل الجامعة!.. ما تلك جامعة العلوم بل المطامح جامعة!

إن السياسة أوجدتها والسياسة خادعة.. من لندن هرولت تضرم نار هذي الواقعة

يا لورد ما لومي عليك فأنت أصل الفاجعة.. لومي على مصر تمد لنا كفا صافعة

يا (سيد) قد جئتنا وقلوب قومك هالعة.. وشهدت جامعة المطامع لأ العلوم النافعة

أرأيت كيف تحيط بالعرب الذئاب الجائعة.. لو جاء هذي الأرض (أحمد) قبل يوم الجامعة

لرأى فلسطينا تقيم له المحافل ساطعة.. ولهرولت من كل حدب للقاء مسارعة

نشكو لكم منكم بني مصر ظروف الواقعة.. أوهمتم الأعداء إنا أمة متقاطعة

لا تشمتوا أمما غدت فينا وفيكم طامعة

وجاء ذِكر اسم «سيد» و«احمد» إشارة لشخصية احمد لطفي السيد؛ الملقب بـ «استاذ الجيل». ولمشاركته الحفل، الذي قاطعته الحركة الوطنية الفلسطينية.

وتغير موقف الشاعر اسكندر الخوري البيتجالي شيئاً فشيئاً مع انكشاف مخططات الاحتلال البريطاني، الذي حشد كل قواه وراء هدف انشاء الجامعة العبرية. وصب الشعراء الفلسطينيون جام غضبهم على من حضر افتتاح الجامعة؛ كالمطران الإنكليزي (مكنس) ومفتي القدس آنذاك كامل الحسيني، وسال الشاعر وديع البستاني المفتي، شعراً عن ملابسات هذه المشاركة:

أفتني بالله بالكعبة بالحجر الأسود بالركن الأغر

إن علت في عزها شامخة فوق راس الطور تلهو بالعبر

وغدت جامعة عبرية ونهى الحاخام فيها وأمر

أيقول الشيخ والقس آنئذٍ إن للمطران والمفتي حضر

ويراهن الليبراليون العرب، بما فيهم الليبراليين المصريين؛ ممن يراهنون دائماً على القوى الخارجية؛ حتى لو كانوا غزاة ومحتلين، ويتقدمون صفوف المطبعين، وزينوا لأباطرة النفط وشيوخ الخليج الانسلاخ عن مواطنيهم؛ نكاية في إيران؛ وهم بذلك مثل المستجير من الرمضاء بالنار، وهذا أهم ما دفعني لتجنب المواقف العملية والتاريخية، التي ليست بنت اللحظة، بل ما سبق اللحظة الراهنة، وغرست الخنجر الصهيوني في ظهر العرب قبل حلول التطبيع الجاري بعقود، ووصل الجنوح حد الانسلاخ عن الأرض والعرض، وهذا ما دفعني إلى تجنب الجدل الإيديولوجي والسياسي، لإيماني بعقمه وعدم جدواه، وابتعاد طائفة من الليبراليين العرب عن كل ما يربطهم بأرضهم وأهلهم وهويتهم وثقافتهم ومستقبلهم، ولديهم إصرار غريب على العيش كغرباء في كل شيء.

وقد جاء على لسان الليبرالي عبد المنعم سعيد؛ رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية الأسبق بصحيفة «الأهرام»، ورئيس مجلس إدارة صحيفة «المصري اليوم»؛ جاء على لسانه في مقابلة مع برنامج «نظرة» على قناة «صدى البلد» (13/ 08/ 2020) وصف التطبيع الإماراتي مع الدولة الصهيونية بالعمل الشجاع واعتبره إنجازا تاريخيا: «من شأن هذا الإنجاز الدبلوماسي التاريخي أن يعزز من السلام في منطقة الشرق الأوسط، وهو شهادة على الدبلوماسية الجريئة والرؤية التي تحلى بها القادة الثلاثة، وعلى شجاعة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل لرسم مسار جديد يفتح المجال أمام إمكانيات كبيرة في المنطقة. وتواجه الدول الثلاث العديد من التحديات المشتركة في الوقت الراهن، وستستفيد بشكل متبادل من الإنجاز التاريخي الذي تحقق اليوم»، وذلك على حد قوله.

هذا غير ما جاء على موقع «الشرق العربي» الإخباري، ويؤلب «على العرب، شعوباً وأنظمة على حد سواء، وذلك بالتحرر من إيمانهم بالوحدة العربية كحكم خيالي يوحد الشرق الأوسط. ويتوجب عليهم أن يركزوا على الإصلاح السياسي، والاقتصادي والمدني في شعوبهم ودولهم. إضافة إلى ذلك، فإن الجدال الدائر حول السلام والديمقراطية الليبرالية غير ذي صلة. فليس الدين هو الذي لا يتوافق مع الحداثة، بل هم ممارسوه بالأحرى الذين يعادون التغيير. لا ينبغي أن تحاول الديمقراطية والليبرالية تقديم نفسيهما على أنهما تتوافقان مع الإسلام. بدلاً من ذلك، ينبغي أن يُوجِد العرب مجتمعات متسامحة وليبرالية منفتحة على التعبير الديني الحر»(!!).

ويدعو لبيبراليون عرب إلى اللقاء مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وحلفائهما في تشجيع بناء الوطن؛ إضافة إلى «الوطنية الدستورية» لا المفرطة في التعصب (الشوفينية)، ويرى شادي حميد نائب الزميل السابق في معهد «بروكنز» ونائب الرئيس لـ «مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط» (12/ 08/ 2013) إنه ليس سهلاً أن تكون ليبرالياً في العالم العربي، فيعني هذا أنه محكوم عليك بمواجهة الإحباط عند الذهاب إلى صناديق الاقتراع. في بلدٍ محافظٍ دينياً كمصر، يصعب على الأحزاب الليبرالية ـ التي غالباً ما تفتقر إلى الشبكات المحلية العميقة والدعم الشعبي ـ

الفوز في انتخابات حرة، وفي الفرصة التي، حظي الليبراليون فيها بالعمل بعد ثورة 25 يناير 2011 ضمن نظام الحكم؛ أحجم معظمهم عن قبول هذا التحدي، على حد قوله «دعموا في يونيو 2012 حلّ البرلمان المنتخب ديمقراطياً. وأيدوا خطوة الإطاحة بمرسي في 3 يوليو»، وعلق محمد البرادعي، المحسوب على الليبراليين في مصر، وقال بصفته نائبا لرئيس الجمهورية: لقد كان قراراً مؤلماً، وكان خارج الإطار القانوني، «إلا أننا لم نملك أي خيار آخر»(!!).

* كاتب من مصر

المصدر: القدس العربي