الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

العراق: عن الدولة الطائفية

يحيى الكبيسي *

في 22 آب 2014 هاجم عناصر ينتمون الى إحدى الميليشيات، مسجد مصعب بن عمير في قرية إمام ويس، ناحية السعدية التابعة لمحافظة ديالى، وقتلوا 34 مصليا كانوا يقيمون صلاة الجمعة. وقد أصدرت محكمة جنايات الرصافة بتاريخ 13 نيسان/ أبريل 2015 الحكم بالإعدام شنقا ضد كل من المجرمين صدام مزهر ومنير مزهر (حسب مقتبس الحكم)، وان اوراقهما «سترسل تلقائيا إلى محكمة التمييز الاتحادية خلال عشرة أيام للنظر فيها تمييزا ولهما ان يطعنا بقرار المحكمة الصادر ضدهما أمام نفس المحكمة خلال ثلاثين يوما». وقررت المحكمة أنه لعدم كفاية الأدلة سيتم الغاء التهم الموجهة إلى 4 متهمين آخرين في الجريمة نفسها! وكان هناك عشرات من شهود العيان من الناجين قد شهدوا ضدهم!

يوم أمس الأول، وبعد خمس سنوات من المجزرة، يصدر قرار تمييزي بالإفراج عن القاتلين، ويتم استقبالهم بالهتافات واطلاقات النار!

هكذا لم يعد القانون نفسه في العراق «قاعدة عامة مجردة» كما يفترض التعريف، بل أصبح مجرد أداة سياسية! ولم تعد الجريمة السياسية في العراق، تجرم الناس على أساس الفعل، بل على أساس هوية الفاعل، وأصبحت الإرادة السياسية المهيمنة تمنع انتهاك هذه القاعدة.

وبهذه الممارسات، استخدم مصطلح «الإرهاب» استخداما سياسيا، حين حرص قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، على عدم تعريف «الإرهاب»، وانما اكتفى بتوصيف «الأفعال الإرهابية» أو «جرائم أمن الدولة»، بعبارات مثل: «مشروع إرهابي» (المادة ثانيا/1)، أو «قيادة عصابة مسلحة ارهابية» (المادة ثانيا/3)، أو «بدافع ارهابي» (المادة ثانيا/6)، أو «دوافع ارهابية» (المادة ثانيا/7)، أو «التشجيع على الإرهاب» (المادة ثانيا/ 8). وفقدت المادة التي تعرف الإرهاب بأنه «العنف والتهديد الذي يهدف إلى القاء الرعب بين الناس أو تعريض حياتهم وحرياتهم وأمنهم للخطر وتعريض أموالهم وممتلكاتهم للتلف أيا كانت بواعثه وأعراضه يقع تنفيذا لمشروع إرهابي منظم أو فردي»، معاني الضبط وتركت لتأويل القائمين على السلطة!

ونتج عن ميوعة المادة القانونية هذه، تحيُّز واضح للخطاب الرسمي في تعامله مع بعض «الفاعلين» الذين يقومون بجرائم تقع ضمن ما جاء في هذا القانون، على أنهم «خارجون عن القانون» وليسوا «إرهابيين»، قالبين بذلك القاعدة الفقهية القانونية من الركون إلى الفعل الاجرامي إلى الركون إلى القائم بهذا الفعل، مع ما يستتبع ذلك من تمييز قائم على أسس طائفية!

لم يعاقب أحد من قادة المقاومة الإسلامية «الشيعية»، عن ممارسات هذه «المقاومة» التي راح ضحيتها مدنيون، بل إن الدولة نفسها تحتفي بهم علنا! حين يشرف رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي مثلا بنفسه على صفقة تبادل لإطلاق سراح قيس الخزعلي ومجموعة من قيادات عصائب أهل الحق، المسؤولين عن اختطاف خبير تقنية المعلومات البريطاني بيتر مور، من وزارة المالية العراقية في العام 2007، مقابل الافراج عنه (العملية أدت إلى قتل الخاطفين أربعة من حمايته البريطانيين بعد خطفهم). ويتحول الخاطفون والقتلة الى سياسيين وأصحاب سلطة (يمتلكون 15 مقعدا في مجلس النواب)! وفي مقابل ذلك يستمر سجن «المقاومين السنة لنفس الاحتلال»، عن أفعال «المقاومة» نفسها ضد الاحتلال، بدعوى انتمائهم إلى «تنظيمات إرهابية» بموجب القانون الذي أشرنا اليه سابقا!

في 21 كانون الثاني/ يناير 2007، ينشر الصحافي البريطاني جون سوين مقالا في صحيفة التايمز بعنوان: «هل هذا هو أغزر قاتل جماعي في العراق؟» مع صورة لأبو درع، القاتل الذي يعرف العراقيون جميعا، ومن دون استثناء، بجرائمه البشعة في الحرب الأهلية في الأعوام 2006 ـ 2007، ويصفه الصحافي بأنه: «عربيد القتل الطائفي»! ويوثق الصحافي كلامه بفيديو شهير مصور من هاتف محمول يوثق مقتل المحامي خميس العبيدي (كان محاميا عن الرئيس الأسبق صدام حسين حينها) في بغداد: «تم ربط يديه خلف ظهره ووضع في مؤخرة شاحنة تويوتا، وتم استعراضه بهذه الوضعية في مدينة الصدر الواسعة، حيث كانت الحشود تقذفه بالحجارة، وتهينه، وتتهكم عليه… وفي لحظة يتم ضربه على مؤخرة عنقه… تتوقف الشاحنة، ويتم انزال العبيدي منها بقسوة، ثم يتقدم أبو درع ويضع ثلاث طلقات في رأسه، كل هذا معروض في شريط الفيديو»! وهي جريمة واحدة ضمن سلسلة من القتل وقطع الرؤوس التي مارسها أبو درع علنا على مدنيين عزل، وأبو درع هذا لم يختبئ ولم يهرب من العراق خوفا من المحاسبة، بل لا يزال يتجول في بغداد بسلاحه وحماياته، ويلتقيه وزير الداخلية دون أن تنزعج سلطات الدولة العراقية أو تشعر بالحرج!

في يوم 13 شباط 2015 قامت ميليشيا مسلحة بخطف شيخ عشيرة الجنابيين وابنه وابن أخيه (الذي كان نائبا في البرلمان العراقي حينها) مع ستة من حمايته في منطقة الدورة في جنوب غرب بغداد، وأطلق سراح ابن الأخ بعد معرفة هويته، ليعثر لاحقا على جثث الشيخ وابنه والرجال الستة في منطقة الشعب شمال شرق بغداد! ليس مهما هنا السؤال كيف استطاع الخاطفون عبور عشرات نقاط التفتيش بين جنوبي بغداد وشمالها، فثمة تواطؤ جماعي يجعل مثل هكذا سؤال محض عبث! المهم أنه عند تشييع جنازة القتلى، بعد ما يقرب من أسبوعين، تفاخر أحد المشيعين من أبناء العشيرة بدوره في عمليات الاستهداف الطائفي التي جرت في حي العامل في بغداد، ليسمع العراقيون لأول مرة عن شيء اسمه «المدعي العام» الذي أمر مباشرة بإلقاء القبض عليه، وتعلن وزارة الداخلية في اليوم التالي في بيان رسمي اعتقالها للرجل! وفي 10 آذار 2016 تعلن محكمة التحقيق المركزية عن «إقرار» الرجل بتورطه في جرائم قتل وتهجير، ويعلن رئيس المحكمة أن «المتهم قد اعترف بتورطه في ست جرائم بين قتل وتفجير»، وان المتهم» أٌقر بانتمائه إلى أحدى الجماعات الإرهابية».

في أيار/ مايو 2017، وفي لقاء تلفزيوني بزعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر (لديه أكبر كتلة حزبية في البرلمان الحالي)، والتسجيل موجود على يوتيوب، وفي معرض توصيفه لما يسميه بالميليشيا الوقحة، يتهم أحد قادة هذه الميليشيات، من دون أن يسميه، بأنه قد قتل 1500 شخص انتقاما لمقتل أخيه في العام 2006! وان التيار الصدري متهم في تلك المذبحة التي ارتكبتها مجموعة انشقت عنه! وكان من الواضح أن السيد مقتدى الصدر كان يقصد بذلك قيس الخزعلي الذي قتل أخوه في العام 2006. ولكن المدعي العام هذه المرة لم يظهر! ولم تصدر وزارة الداخلية بيانا! ولم نر محكمة أو قاضيا او اتهاما!

بالعودة إلى مهزلة الافراج عن قتلة المصلين في مسجد مصعب بن عمير، لا يسعنا تخيل مشاعر آباء وأمهات وأرامل وأيتام ضحايا مسجد مصعب بن عمير، وهو يرون قاتلي ذويهم وهم يحتفلون بانتصارهم على ضحاياهم! وهل من قوة او منطق، على الأرض يمكنها أن يمنع أيتام هؤلاء من الانضمام لداعش أو غيره ليقينهم أن لا دولة لهم تنصفهم، وان الانتقام وحده هو الذي يحقق العدالة في غياب عدالة القانون؟

ألم نقل دائما أن الدولة الطائفية، والداعين لها، وحماتها، والمتواطئين معها، والساكتين عنها، والمدلسين عليها، لا يمكنهم في النهاية إلا أن يقودونا إلى الخراب.

* كاتب عراقي

المصدر: القدس العربي