الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

محور المنبوذين

نشر موقع “Project Syndicate” مقالاً للكاتب (“كارل بيلت” Carl Bildt) الوزير ورئيس الوزراء السويدي السابق والديبلوماسي الدولي المشهور، يوضح فيه أسباب استضافة بوتن لزعيم كوريا الشمالية، كيم جونج، إذ يسعى الرئيس الروسي إلى تجديد الود مع كوريا الشمالية استناداً إلى تاريخ العلاقات الجيدة بين البلدين، لتعويض الخسارة في الحلفاء والذخائر نتيجة غزو بوتين الأراضي الأوكرانية. كما أشار الكاتب إلى خطورة هذا التحالف على أمن واستقرار النظام الدولي… نعرض المقال فيما يلي:

كانت لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أسباب واضحة لاستضافة الدكتاتور الكوري الشمالي كيم جونج أون هذا الشهر في فوستوشني، الميناء الفضائي الروسي الجديد في شرق سيبيريا. ونظراً لحربه العدوانية غير القانونية في أوكرانيا، أصبح بوتين يفتقر إلى الأصدقاء والذخيرة.

يتمتع ميناء فوستوشني الفضائي بتاريخ مُضطرب. وكان الغرض من تشييده هو استبدال قاعدة بايكونور في كازاخستان، وكان يُعاني من تأخيرات متكررة وادعاءات بالفساد وسوء الإدارة. أما الآن، فنادرًا ما يتم استخدامه على الرغم من أنه أطلق مهمة المركبة “لونا 25” رفيعة المستوى التي تحطمت على سطح القمر مؤخرًا.

تتمتع العلاقات الروسية الكورية الشمالية بخلفية درامية مماثلة. في الماضي، كانت العلاقة بين الكرملين ونظام كيم قوية ومُحكمة. ففي نهاية المطاف، كانت كوريا الشمالية الشيوعية في الأساس من صنع السوفييت، واعتمدت بشكل كبير على الدعم السوفييتي لعقود من الزمان. ومع ذلك، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، رأى القادة الروس أنه يمكن تحقيق المزيد من المكاسب من خلال تطوير العلاقات مع كوريا الجنوبية المزدهرة. وقد غيَّر الكرملين موقفه فعلياً، وانضم إلى الجهود الدولية (غير الناجحة) لمنع مملكة الناسك من تطوير أسلحة نووية.

الآن تغير الوضع مرة أخرى. وكانت محاولة بوتين لمحو أوكرانيا من خريطة أوروبا سبباً في جعل روسيا منبوذة على المستوى الدولي تماماً مثل كوريا الشمالية. وقد وقّعت معظم الاقتصادات المتقدمة في العالم على فرض عقوبات شاملة ضد روسيا، وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات تدين حرب بوتين العدوانية. تُشكل الدول القليلة التي انحازت إلى جانب روسيا معرضاً دولياً للمؤيدين المُحتالين: إريتريا، وسوريا، ونيكاراغوا، وبيلاروسيا، ومالي، وبطبيعة الحال كوريا الشمالية.

من ناحية أخرى، أعلنت العديد من الدول التي امتنعت عن التصويت في الأمم المتحدة على نحو متزايد اعتراضها على حرب بوتين. وفي قمة مجموعة العشرين الأخيرة في نيودلهي، على سبيل المثال، تضمّن الإعلان المشترك الختامي تأكيدًا واضحًا على مبدأ السلامة الإقليمية ــ في إشارة واضحة إلى العدوان الروسي والأهداف الإستراتيجية المُشينة للكرملين.

لقد توقع بوتين تحقيق نصر سريع عندما شن حربه في فبراير/ شباط عام 2022، لكن القوات الروسية فقدت منذ ذلك الحين ما يقرب من نصف ما استولت عليه خلال الغزو الأولي. وبعد ما يقرب من 600 يوم، أصبح  الروس عاجزين عن إحراز أي تقدم ويحاولون الدفاع عن أنفسهم في مواجهة نظام سياسي أوكراني ديمقراطي مستقل مُصمِم على الدفاع عن حريته.

في ظل هذه الظروف، حيث يحتاج بوتين إلى أي صديق يمكنه الحصول عليه، تعود كوريا الشمالية فجأة إلى جانب الكرملين. وفي ظل مجتمعه العسكري الكامل والمخزونات الوفيرة من ذخائر المدفعية السوفييتية القديمة، يبدو نظام كيم أساسيًا للجهود الحربية الروسية المُتعثرة.

لذلك لم يكن أمام بوتين خيار سوى منح الاحترام الكامل لديكتاتور كوريا الشمالية. وعلى الرغم من أن تفاصيل صفقة فوستوشني ستظل غير مُعلنة، فمن الآمن افتراض أن روسيا ستحصل على الذخيرة في مقابل العديد من الضروريات التي تحتاج إليها كوريا الشمالية بشدة، وخاصة الغذاء والطاقة. علاوة على ذلك، كان هناك أيضاً حديث عن مساعدة روسيا لكوريا الشمالية في تطوير ونشر الأقمار الصناعية، وهو المجال الذي لم تنجح فيه روسيا على الإطلاق.

أيًا كانت التفاصيل، فلا شك أن الاتفاق ينتهك العقوبات التي فرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد كوريا الشمالية، والتي تم فرضها في الأصل بدعم روسي. إن ادعاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بأن نظام العقوبات على كوريا الشمالية من اختصاص الأمم المتحدة، وليس روسيا، غير صادق إلى أقصى الحدود.

نشهد الآن ظهور محور للمنبوذين: فقد توحدت البلدان في استعدادها لانتهاك القانون الدولي من خلال شن الحروب، وتطوير الأسلحة النووية، وانتهاك العقوبات. وتشمل هذه القائمة أيضًا إيران، حيث حصلت روسيا على طائرات كاميكازي بدون طيار لمهاجمة المدن والمدنيين الأوكرانيين.

لكن يتعين علينا إدراك أن التواصل مع دولة مثل كوريا الشمالية يشكل علامة على الضعف الشديد. قد لا تدين الصين والهند العدوان الروسي علناً، لكنهما لم تؤيدا العدوان ولم تبذلا أي جهد لمساعدة جهود بوتين الحربية (باستثناء شراء الهيدروكربونات الروسية). وأياً كان الدعم الذي تستطيع بيلاروسيا، أو إريتريا، أو سوريا، أو مالي تقديمه، فإنه لن يساعد الكرملين على تحقيق أهداف “عمليته العسكرية الخاصة” في أوكرانيا.

مع ذلك، سيعمل هؤلاء المنبوذين اليائسين على تعميق تعاونهم، وهو ما من شأنه أن يفرض مخاطر جديدة على الاستقرار الإقليمي والنظام العالمي. على سبيل المثال، إذا زودت روسيا كوريا الشمالية بالتكنولوجيات التي تحتاج إليها لتطوير برامجها الصاروخية أو النووية، فمن المحتم أن يُخلف ذلك عواقب وخيمة على أمن شمال شرق آسيا.

ربما تفشل روسيا وكوريا الشمالية في جهودهما الفضائية. لكن من المؤكد أن مخالفتهما للعقوبات وانتهاكهما للقوانين هنا على الأرض سيكون له تأثير مزعزع على استقرار النظام الدولي.

………….

النص الأصلي

ـــــــــــــــــ

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.