
سمير العيطة *
كانت رحى الحرب العالمية الثانية قد أنهكت القوى الاستعماريّة الكبرى، بريطانيا واليابان وفرنسا. وظهر من ثناياها قطبان أعظمان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. لقد فرضا هيمنتهما على العالم، خاصة عبر امتلاكهما للسلاح النووي.
شهد الاستعمار الياباني نهايته حيث كان بين المهزومين. بينما لم نشهد زوال الاستعمار المباشر لبريطانيا وفرنسا إلا بعد عقود، رغم إنشاء الأمم المتحدة عشية نهاية الحرب. بل ولم يتخليا عن صيغة الاستعمار المباشر إلا عبر تقاسم النفوذ والمصالح مع الولايات المتحدة (كما حدث عند الإطاحة بمصدّق في إيران)، التي أفهمتهما كما الاتحاد السوفييتي «صراحة» بأن هيمنة القطبين الجديدين تقوم بطرق أخرى (كما عندما هددهما الاتحاد السوفيتي بقصفٍ نووي لوضع حدّ للعدوان الثلاثي على مصر في 1956 ووقفت أمريكا «على الحياد»). وهكذا بدأت مرحلة نهاية الاستعمار، حيث حصلت بلدان كثيرة في آسيا وأفريقيا على استقلالها في الخمسينيات والستينيات. وتحول الاستعمار المباشر إلى نوع من فرض النفوذ عبر «القوة الناعمة» واستخدامها الشبكات الاقتصادية والتلاعب بـ«النخب المحلية» والمساعدات «الإنسانية».
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990، أصبح القطب الأمريكي وهيمنته «وحيدين». لكن سرعان ما صعدت الصين كقوّة منافسة، وبرز الاتحاد الأوروبي ودول متوسطة القوة كلاعبين على المسرح الدولي، من الهند وباكستان إلى البرازيل وتركيا ودول الخليج، كي يلوح مع الألفية الجديدة عالم متعدد الأقطاب، أقل استقراراً وأصعب توازناً بما كان لدى وجود قطبين، خاصّة مع محاولة روسيا استعادة دورها على خلفيّة إرث الاتحاد السوفييتي وجهود أقطاب أخرى بغية بسط نفوذ إقليمي.
- • •
في مثل هذا المناخ، تشهد الدول التي لم تستطع في الفترات السابقة تحقيق تنمية فعليّة ومنعة لمؤسسات دولها، بما في ذلك ترسيخ قبول هذه المؤسسات شعبياً اضطرابات حادة. هذه هي حال بلدان عربية أخذتها موجة «الربيع العربي» إلى الدمار والتفكك، وهذا ما تبدو ذاهبة إليه كثير من دول أفريقيا، حيث المجال المفتوح لطموحات الأقطاب المتعددة.
صعوبات هذه الدول الأفريقية تُشابه الدول العربية، وربما بصورة أكثر حدّة. فمجتمعاتها شديدة التنوع ما زالت تسعى لتماسك وحدتها على مبدأ المواطنة. وتوالت عليها الانقلابات والاضطرابات خلال عقود مع نخر لمؤسسة الدولة من قبل السلطات القائمة، مهما كان لبوسها، ديكتاتوريّاً أم «ديموقراطياً».
وضمن هذا السياق، تأتي تطورات النيجر (20 مليون نسمة) الأخيرة، بعد تلك في مالي (18 مليوناً) وبوركينا فاسو (18 مليوناً). فهذه الدول الثلاث، ذات الأغلبية المُسلمة والمُطلة على الصحراء الأفريقية انتظمت بعد استقلالها كدول مؤسسة «للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» التي نشأت كبديل لـ«فيدرالية المستعمرات الأفريقية» القديمة، على أسس حرية التبادل التجاري بينها والتي تشكّل نيجيريا اليوم ضمنها الثقل الأكبر سكانياً (182 مليوناً) واقتصادياً. وهذه الدول الثلاث تتعامل جميعها، على خلاف نيجيريا، بما يُدعى «فرنك غرب أفريقيا» (والذي كان يسمى «فرنك المستعمرات الفرنسية في أفريقيا») المرتبط اليوم باليورو، والتي تضمن فرنسا ثبات قيمته، ما يفرِض عليها وضع نصف احتياطاتها بالقطع الأجنبي في خزينة المالية الفرنسيّة (ما يُذكِّر بتاريخ الليرة السورية- اللبنانية في منتصف القرن الماضي). ولطالما شكلت هذه التبعية النقدية قضية خلافية بينها وبين فرنسا، لما تأخذ إليه من تشجيع لاستيراد الرفاهيات من فرنسا وأوروبا (للطبقات العليا والوسطى) و«تبخيس» لقيمة الصادرات التي تشكل المواد الأولية أغلبيتها. هذا مع الفشل المستمر لمحاولات «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» في خلق عملتها الموحّدة.
- • •
لكن، بمعزل عن الحساسية تجاه الإرث الاستعماري الفرنسي، ما الذي يجعل النيجر و«رفيقاتها»، وهي بين الأكثر فقراً في العالم والتي تعاني من تقدم التصحر وموجات الجراد، مجالاً للتنافس بين فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة، من ناحية، والصين وروسيا وأيضاً تركيا وغيرها، من ناحية أخرى؟ ولماذا أثار الانقلاب الأخير في النيجر غضباً فرنسياً لافتاً عبّر عنه الدفع إلى تدخل عسكري لدول الجوار يوحي بعودة إلى السياسات الاستعمارية القديمة؟ أهي مواردها الطبيعية؟
بالتأكيد، تحتوي النيجر على أحد أكبر احتياطات اليورانيوم العالمية. ولكن فرنسا لديها مصادر متنوعة لليورانيوم ولا يمكن للنيجر الاستفادة منه سوى عبر بيعه في الأسواق. وهناك أيضاً النفط والذهب والفحم. وبالتأكيد أيضاً، لا يشكّل حجم المعونات التي تتلقّاها النيجر من أوروبا والولايات المتحدة، وهي بضعة عشرات ملايين الدولارات احتاجت إليها مع أزمات ديونها المتواترة، سوى جزء مما يُمكن أن تحصل عليه من استثمار مواردها.
ولعل هناك أمور أخرى تخص بالتحديد الصحراء؟ إن هذه الصحراء ممرّ لتدفق المهاجرين والممنوعات (بما فيها المخدرات المنتَجة في المغرب) نحو ليبيا وتونس والسودان ومصر (حسب تقارير للأمم المتحدة). هذا دون أن ننسى التنقيب «العشوائي» عن الذهب خاصّة في مثلث الحدود الليبيّة- الجزائريّة- النيجريّة- التشادية. وهذه التجارات غير الشرعيّة هي السبيل الأساسي التي تتموّل منه التنظيمات الإرهابية المتعددة («الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى»، «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد» أو «بوكو حرام»، و«الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا»، و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، إلخ) التي تنشط في منطقة الصحراء، والتي لطالما شكلت هاجساً للدول المجاورة لها، من الجزائر إلى نيجيريا. واللافت أن سنين من التعاون الأمني بين الدول المعنية وفرنسا وغيرها وانتشار القواعد العسكرية الخارجية لم تُفضِ إلى كبح نشاطات الجماعات الإرهابية كما التجارات غير الشرعية. واللافت أيضاً أن قاعدة عسكرية فرنسية تقع بالتحديد على الطريق الصحراوي في النيجر بالقرب من الحدود الليبية، وأن بعض الجماعات الإرهابية المتطرفة لها نفوذ حقيقي في جنوب ليبيا، حيث يقع مخزون النفط والمياه العذبة (مع ضربات للمسيرات الأمريكية عليها من حين إلى آخر). النيجر ومالي وبوركينا فاسو التي تمرّدت في السنوات الأخيرة هي بالتحديد جوهر هذه «الفوضى» الصحراوية.
- • •
بعد الانقلاب العسكري الأخير، الذي يُقال أنّه بتحريض روسي، تمّ فرض عقوبات على النيجر وأوقفت المساعدات «الغربية» ويتم الدفع نحو تدخل عسكري من قبل دول في «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» لإعادة الحكم الديمقراطي، في ظل إعلان مالي وبوركينا فاسو من أن ذلك سيشكّل عدوانا عليها، وتحذيرات من السلطة الجزائريّة وبرلمان نيجيريا بأنّ ذلك سيأخذ المنطقة برمّتها إلى مزيد من عدم الاستقرار.
ومن الواضح أن الصراع الدامي في السودان وغيرها في شرق أفريقيا والصراع الجديد الذى يتطوّر في غربها لهما دلالات مقروءة مفادها أنّ أفريقيا باتت مجالاً لتنافس العالم المتعدّد الأقطاب… وما يعني مزيداً من الخراب بدل التنمية. وتبقى المسؤولية الأساسية هي مسؤولية نخب البلدان الأفريقية وسلطاتها الحاكمة في غياب منعةٍ تخدم وتحمي مواطنيها ومواطناتها.
* كاتب اقتصادي سوري ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
المصدر: الشروق