معقل زهور عدي
في العودة للتاريخ هناك طريقتان, فإما أن نفهم التاريخ بوقائعه التاريخية, بشروطه الاجتماعية والاقتصادية, بأحداثه السياسية, أو أن نُسقط رؤية لنا مسبقة على التاريخ, رؤية نابعة من الرغبة, أو الإيديولوجيا, أو ما يشبه الإيديولوجيا (أقل من إيديولوجيا) .
في الحالة الأولى نحن أمام رؤية توازن بين الذات الفاعلة والموضوع, بين الشروط التاريخية والفعل الانساني المرتبط بالوعي, هناك حدود تصنع ملامح مستقلة لكل منهما, وهناك الجدل (التفاعل) الذي يحدد ما هو التالي.
في الحالة الثانية نحن نأتي للتاريخ مع حمولتنا المسبقة, لا نلتفت للشروط التاريخية سوى بقدر ما تخدم الفكرة التي نحملها والتي تكون غالبا ايديولوجيا أو ما يشبه الايديولوجيا .
هنا تتقلص الشروط التاريخية الموضوعية أمامنا, كونها لاتتفق في كثير من الأحيان مع فكرتنا المسبقة, وتتضخم الشروط الذاتية, الشروط الذاتية ملعب مناسب لاعادة إنتاج تاريخ يتفق مع رؤيتنا .
اللعبة هنا تتلخص في رد الشروط الموضوعية إلى شروط ذاتية, هكذا يتحول التاريخ إلى فعل محض ذاتي, تاريخ لدني, يمكن أعادة تشكيله فيما لو تغيرت الإرادة الانسانية, والإرادة فقط .
الطريقة الأخيرة ليست غريبة عنا, هي استمرار لطريقتنا القديمة في التفكير, الشيء الغريب فقط هو وضعها في خدمة ( شعار) أو ( لافتة) أو ما يشبه الايديولوجيا الحديثة اللباس .
في مطلع القرن العشرين, بعد انفصالنا عن الدولة العثمانية, لا نريد فهم ماذا تعني الحرب العالمية الأولى ونتائجها العالمية, ولا توازن القوى الدولية الذي نشأ نتيجة لها, ولا مدى الفرق في التقدم الاقتصادي والعلمي والعسكري بيننا وبين الغرب. ففي التصادم الذي حصل بين إرادتين, إرادة الشعب السوري خاصة وشعوب المشرق العربي عموماً في التحرر وبناء دولة مستقلة على أسس حديثة, وبين القوى الغربية العملاقة الخارجة منتصرة من الحرب العالمية الأولى, لم يكن هناك أي فرصة لنا للانتصار .
الفرصة الوحيدة كانت لتنظيم مقاومة يمكن لها أن تتصاعد دون أن يكون عائدها التدميري علينا أكبر من عائدها في التقدم نحو التحرر .
هذا ما أدركه قسم من النخب السورية وقتها, مثل عبد الرحمن الشهبندر في دمشق والدكتور صالح قنباز في حماة, اهتم صالح قنباز بتشكيل النقابات, ببناء مؤسسات اجتماعية قادرة على أن تكون قاعدة لمقاومة مدنية, بنشر التعليم والثقافة, بنشر الوعي السياسي الوطني ضد الاحتلال, عارض الثورة المسلحة في وسط المدينة, انتصر دعاة الثورة المسلحة, لكن الثورة المسلحة لم تنجح, ودفعت حماة ثمناً باهظاً لها, واستشهد صالح قنباز وهو يقوم بواجبه الطبي في إسعاف الجرحى .
لم يكن ممكناً تغيير نتيجة معركة ميسلون سوى بتكبير خسائر الجيش الفرنسي, هل كان ذلك مطلوبا؟ بالتأكيد وهنا فقط يتحدد الخطأ الذاتي للعهد الفيصلي .
لكن التفسير الآخر للتاريخ لا يريد رؤية الشروط الدولية في تلك المرحلة, الشروط الدولية لا شيء, الشروط الذاتية كل شيء, يعني: لو كانت لدينا نخب سياسية تتفق مع معيارنا (لنقل مع الحداثة المتحولة لشبه إيديولوجيا) لما هُزمت المملكة السورية العربية, لما انتهى العهد الفيصلي, لما دُمرت تلك التجربة المبكرة من الحداثة بما حملته من الديمقراطية والعلمانية التي يعترف بها اليوم جميع الدارسين للتاريخ .
لا تريد الحداثة المتحولة لشبه إيديولوجيا الاعتراف أن فصل الشتاء في سيبريا لا يمكن أن يحمل معه زهور الربيع, وأن عالم مطّلع القرن العشرين بما آل إليه بعد الحرب العالمية الأولى لم يكن يسمح لكيان وليد معارض لإرادة الدول الاستعمارية الكبرى في الإحتلال والنهب والهيمنة على المنطقة أن ينتصر وقتها في ميسلون .
العهد الفيصلي يجب أن يكون قد انهار من الداخل لينسجم مع الإيديولوجيا, ولا يجوز أن يكون قد تم تدميره من الخارج…لا يجوز.. لماذا ؟ لأن فكرة الحداثة المتحولة لإيديولوجيا تتطلب ذلك بإلحاح .

