الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

استئناف التطور الحضاري

محمد عبدالشفيع عيسى *

التنمية في حقيقتها عملية شاملة وعميقة وذات بعد تاريخي: تمتد من الماضي البعيد إلى المستقبل المنظور وغير المنظور. فإما أنها شاملة فذلك لأنها ليست في جوهرها تنمية اقتصادية (برغم الأهمية القصوى للبعد الاقتصادي)، وإنما هي تنمية مجتمعية بحق، تعانقُ الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة جميعاً. وإما أنها عميقة فلأنها تمتد متغلغلة إلى أعماق الأعماق، وفي الاقتصاد بالذات ترنو إلى إحداث تحول هيكلي جذري في بنية الناتج المحلي الإجمالي، سعياً إلى تغيير طرائق الإنتاج وطرق العيش، ونظم الإنتاج وأساليبه التقنية في الإطار التكاملي.

وتؤدي عملية التصنيع في ارتباطها بالهيكل الاقتصادي والاجتماعي، دوراً محورياً في كل ذلك، بحيث يصير القطاع الصناعي المرتبط بالاحتياجات المحددة للبلاد، المولد الرئيسي لفرص العمل المنتجة، والمشغل الرئيسي، والخادم الأمين، وفي نفس الوقت لتنشيط القطاعين الزراعي والخدمي.

هذا في الاقتصاد، أما في الاجتماع فإن التنمية تؤدي دور المهماز النشط لإحداث تحويل إيجابي في منظومة القيم، منظومة مشرئبة إلى المستقبل، ومرتبطة تشعيبياً بالماضي حتى الماضي السحيق، سعياً إلى بناء منظومة حضارية لا يشوبها نقص ولا يعتريها انقطاع.

التنمية بهذا المعنى تعيد وشائج الربط من الماضي إلى المستقبل، وعلى المستوى العربي مثلاً تسهم بجدية في معالجة آثار «الانقطاع الحضاري».

ذلك الانقطاع الذي اعترى وطننا، أو أوطاننا، منذ الغزوة التتارية وإسقاط بغداد عام 1258م، كعاصمة مركزية للعالم الإسلامي العتيد، ثم منذ تحول الوجود التركي في الدول العربية وما حولها منذ القرن السادس عشر إلى مجرد وجود عسكري بدون مضمون اقتصادي- اجتماعي تطويري حقيقي لمسابقة الزمن مع أوروبا بالذات.

وأما في المجال الثقافي فإن التنمية الشاملة العميقة، ينتظر منها أن تُسهم في بناء نسيج فكري متكامل، يجعل التجدد والتجديد الحضاري أس الأساس في الثقافة، تربط الماضي البعيد (في بعده العربي القومي والإسلامي بالمعنى المعانق للمسيحية الشرقية العتيدة) بالحاضر والمستقبل القائم على الازدهار العمراني والفكري، بُعديْن لا ينفصمان في «الحضارة» كمفهوم فلسفي شامل.

وأما في المجال السياسي، الداخلي والخارجي، فالتنمية والتطور المنظومي للحياة السياسية/ صنوان لا يفترقان. فالتنمية مرتبطة ببناء نظام سياسي قائم على مشاركة الجميع في بناء حياة المجتمع (ما يسمى بالديموقراطية) وبناء حياة سياسية نشطة تجعل الإنسان في مجتمعه، نواة حركة دائبة في توجهها صعوداً وإلى الأمام.

هذه إذن هي التنمية بمعناها التطوري Development عملية Process تعانق كلاً من الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، في بوتقة منصهرة، ليس من أجل مجرد «التقدم» بمعناه الخطي البسيط، ولكن بفحوى التطور الرابط بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان الفرد وجماعته الوثيقة، سعياً إلى التكوين القومي- الوطني ذي البعد التنموي الشامل والعميق ثم ذي البعد التاريخي الأصيل. وهنا نأتي إلى الوشيجة القوية لعملية التنمية، في امتدادها الأصيل.

فالتنمية بالمعنى الذي نروم، ليست مجرد التقدم الخطى البسيط، كما ذكرنا، وليست مجرد تحقيق الغاية الاقتصادية ممثلة في التحول الهيكلي المرتبط بالصناعة والتصنيع، ولا مجرد تحقيق الغاية الاجتماعية ممثلة في تغيير ما للقيم باتجاه الحداثة والتحديث، وخاصة على النسق الأوروبي- الغربي.

لا وليست التنمية مجرد تحقيق الغاية السياسية ممثلة في بناء نظام، حزبي مثلاً، ولكن ربط الإنسان بالسلطة، سلطته بالذات، السلطة الشعبية بحق وحقيق. كما أنها ليست مجرد توليد ثقافة (أخرى) مستعارة على الأغلب من الخارج، كأن يقولوا إنها (تنمية بشرية) ترفع مستوى الدخول والقدرات دون امتداد إلى الأبعاد التي ذكرنا في ترابطها الجمْلي الأكيد.

أو كأن يقولوا إن التنمية هي الحركة الموجهة إلى الحد من مستوى الفقر Poverty Reduction دون فهم واعٍ للمعنى التاريخي للفقر ولعملية استئصاله من الجذور، لبناء مجتمع جديد مستجيب لحاجات الوطن والشعب والجمهور العريض.

لا ليست هذه هي التنمية، وإنما التنمية وهي تتكون كعملية شاملة، عميقة، تاريخية، تربط ماضي البلد بمستقبله. وهي في بلداننا العربية تصل ما انقطع من نسيج تطورنا الحضاري الذي قطعه التدخل الأجنبي قبل الأوروبي، ثم قطعه أو قل قطعه الاستعمار الأوروبي الحديث. وهي- التنمية- ليست مجرد «تنمية» ولكنها بالحق عملية موجهة لاستئناف التطور الحضاري لأمة أو أمم غلبت على أمرها زماناً، ثم آن لها أن تنهض نهضة حقيقية، تصل التراث العريق، بالتطور العميق. ولذلك لم نقلْ بمجرد التنمية، ولكن نتطلع إلى «وصْل ما انقطع» في تاريخنا الحضاري التليد، لاستئناف تطورنا المتصل بالذات.

* كاتب وباحث مصري في اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.