
محمد عمر كرداس
انعقدت أولى جلسات المؤتمر القومي العربي في تونس ربيع عام 1990، وفي بيان تأسيسه يعتبر نفسه امتداداً واستكمالاً للمؤتمر العربي الأول عام 1918 الذي أجهضته قوى الاستعمار الغربي؛ تشكل المؤتمر من ثلة من القوميين والوحدويين العرب أصحاب الأقلام الهامة الفكرية والسياسية والاقتصادية وفي كافة مناحي الحياة وهدفه بالأساس تنويري ثقافي يجمع هذه النخبة من المتميزين من كل أقطار الوطن العربي، ليُحدد البوصلة التي يجب أن تتجه إليها كافة الفعاليات لتجسيد أهداف الأمة في مشروع حضاري يقيلها من عثرتها التي كانت في ذلك العام في ذروةٍ من التفكك والتقاتل وخذلان أنظمة الأمن القومي العربي لشعوبها بحيث كانت مجندة لصانعيها وداعميها، وكان من أهم مبادئه أن لا يضم لعضويته أي مسؤول أو عضو في حزب حاكم بالوطن العربي، سار المؤتمر بشكل متوازن لفترة طويلة حتى عام 1998 لنُفاجأ بالدورة الثامنة بانضمام بعض البعثيين السورين المحسوبين على النظام كفيصل كلثوم- محافظ درعا عند انطلاق الثورة السورية عام 2022 بصفته رئيس مركز الدراسات والبحوث في جامعة دمشق، وهو مع عاطف نجيب المجرم قاتليّ أطفال درعا- وبضغطٍ من حزب الله الذي كان ممثَلاً في المؤتمر ومن النظام السوري الذي كان مازال مهيمناً على الوضع اللبناني، جاء أعضاء القيادة المركزية للجبهة المتحالفة مع النظام السوري، كأعضاء دون ترشيح من الدكتور “جمال الأتاسي” الذي كان عضو الأمانة العامة عن الساحة سورية وهو المُخول بالترشيحات منها، مما دعاه لإرسال كتاب استقالته معي، حيث كانت الدورة ستنعقد في القاهرة لأول مرة بعد سنوات من انعقاده في بيروت ورفضْ أمانته الانعقاد في دمشق رغم تكرار محاولات النظام ودعواته العديدة، وقد اعتَبَر في كتاب استقالته التي وجهها للأمين العام آنذاك الأستاذ عبد الحميد مهري أمين عام جبهة التحرير الجزائرية المُعارضة وهو المناضل الثوري المعروف أن ما يجري هو انحراف عن أهداف المؤتمر سيجرهُ إلى أحضان النظام السوري بحكم وجود مكاتب أمانته في بيروت المهيمَن عليها، وكان تعليق الأستاذ المهري برسالته الجوابية لصديقه “الدكتور جمال” أن اللهَ غالبْ وسأتركْ هذا المنصب في أول فرصة وهكذا كان، وبعد احتلال العراق غاب الصوت الوطني عن هذا المؤتمر، فهجره الكبار وبقي لأمثال معن بشور وحمدين صباحي وحزب الله وحماس ووو….
أذكر عندما انعقد المؤتمر في بغداد للتضامن مع العراق ضد الغزو الدولي الذي كان يلوحُ في الأفق، خاض “خير الدين حسيب” العراقي الوحدوي الناصري مباحثات الند للند مع الجانب العراقي ولم يقبل أن يكون أياً من المسؤولين العراقيين من الحزب أو الحكومة عضواً في المؤتمر، بينما ضم المؤتمر الكثير من الناصريين والقوميين العراقيين وحتى المعارضين كالدكتور المرحوم “وميض عمر نظمي” الذي ذاق الويلات على يد الحزب الحاكم، كما أن “خير الدين حسيب” نفسه كان خارج العراق منذ 1972 وهو الاقتصادي العربي الكبير ومحافظ البنك المركزي العراقي ومسؤول المؤسسة الاقتصادية العراقية التي نهضت بالعراق بكافة مجالاته.
انبثق المؤتمر القومي عن وقفية اسمها “وقفية جمال عبد الناصر” أُسست من متبرعين ناصريين من كافة أقطار الوطن العربي وبلغت ثلاثة ملايين دولار ولها مجلس أمناء يدير نشاطاتها ومؤسساتها، ونتج عنها العديد من المؤسسات والمنظمات التي كان المجال الثقافي والسياسي والاجتماعي العربي بحاجة إليها، وعلى سبيل المثال لا الحصر أسس المؤتمر “المنظمة العربية لحقوق الإنسان” ومقرها لندن حيث لم تستطع أن تجد لها موطئ قدم في أي قطر من أقطار الوطن العربي، و“مؤسسة الترجمة” أيضاً مقرها لندن و“مركز دراسات الوحدة العربية” ومجلته “المستقبل العربي” الذي كان له الفضل في نشر الفكر القومي التنويري بمئات الكتب والدراسات والدوريات لكبار الكتاب العرب وكان مقره بيروت، كما شكلت الوقفية المؤتمر القومي- الإسلامي الذي جمع التيارين في عمل جدي للتواصل بينهما ليسود الفكر الوسطي والتنويري وللابتعاد عن التطرف والتخلف.
بعد هَجرْ الكثيرين من الأعضاء واستبدالهم بأناس ممن يأتمرون بأوامر نظام الأسد والملالي الإيراني أصبح الطافي على السطح من يقبض ومن يُشبح، حتى “حمدين صباحي” الذي كان في بداية الثورة يَعّتبرْ النظام السوري مجرماً جاء ليجتمع مع رأسه بضحكته العالية والواسعة خيرُ دليلٍ على ضخامة المبلغ والمَكرُمة التي نالها من قاتل أطفال سورية ونسائها وشبابها، وحتى عندما أراد تغطية جزء من عورته باجتماعه مع معارضة الداخل (هيئة التنسيق) قطع النظام هذا الاجتماع بدعوة ‘حمدين’ وشبيحته لغداء مستعجل.
لا يُعوِلْ الشعب السوري على مثل هؤلاء لإنفاذه من محنته، فلا بد أن يعتمد على نفسه من أجل إقامة نظام وطني ديمقراطي لكل السوريين بعد إزاحة هذا النظام المجرم وكل محازبيه إلى مزبلة التاريخ وهي مليئة بالجيف أمثال هذه الأشكال.
