الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

إسلاميات سويدية

د- عبد الناصر سكرية

قبل حوالي ربع قرن أنشأ بعض أبناء منطقتي- بعلبك- الفقراء تجمعاً من بضعة منازل بسيطة جداً في الطريق بين بلدتي الفاكهة في البقاع الشمالي وبين مدينة بعلبك، وذلك في محاذاة بلدة يونين في سلسلة جبال لبنان الشرقية؛ اللافت أنهم أطلقوا عليها اسم: “السويد”، هذا في لبنان المنكوب والمغلوب.  

                                      * * *

فماذا في السويد؟؟!!!

إمعاناً في السطحية المفرطة، تجيشت وسائل إعلام كثيرة على امتداد العالمين العربي والإسلامي وحيث يوجد مسلمون رداً على قيام أحد البشر بحرق نسخة من كتاب القرآن الكريم في السويد الأوروبية، وثارت نفوسُ كثيرين من المسلمين ولم تهدأ حتى اليوم استنكاراً لهذا العمل “الحاقد المجرم”.

ويلفت النظر في هذا المضمار جملة حقائق واعتبارات تجعل المناسبة وردود الفعل عليها ليست أكثر من طائرات ورقية كتلك التي يتسلى بها الأطفال الفقراء ممن لا يملكون وسائل تسلية حديثة كتلك الألعاب المخربة لشخصية الأطفال والمسماة “بلاي ستيشن” وغيرها من ألعاب الأطفال المصممة بعناية فائقة لتسخيف عقولهم وتجريد نفوسهم من قيم الجمال والخير والعدل والتعاون وعزة النفس:

١- كل ردود الأفعال على حرق كتاب القرآن الكريم لم تكن إلا ردودا انفعالية آنية عابرة لم ولا ترقى إلى مستوى العمل المفيد والناجع في معالجة تصرف أحمق غبي من هذا النوع.

وكما حصل في مرات سابقة مشابهة سواء في مواجهة سلمان رشدي وآياته الشيطانية أو مع مجلة شارلي إيبدو الفرنسية وغيرها من الحوادث، لم تكن ردود أفعال المسلمين أكثر من كلام وتصريح وحركات انفعالية فقط للتباهي أو لتصريف شحنات غضب حقيقي أو تأثر نفسي بالغ في مواجهة الحدث ذاته، وعند آخرين لم تكن إلا للاستهلاك المحلي واكتساب مصداقية مزيفة لدى قطاعات المسلمين البسطاء أو الخاضعين لتأثير الدعايات الإعلامية والتسويق الإلكتروني، أو أولئك المنساقين في مواكب التجييش الطائفي والمذهبي التي تبرع في استخدامه والتفنن فيه جهات كثيرة محلية وإقليمية ودولية ليست على صلة بالدين والإيمان الديني إلا بما يخدم مشاريعها في السيطرة على البشر واغتصاب عقولهم وتوجيه وعيهم وسلوكهم إلى حيث تريد؛ وهكذا فليست هذه السلوكيات تحمل أية فائدة للإسلام أو للمؤمنين الحقيقيين وحياتهم القويمة.

٢- ما قام به ذلك الحاقد الأحمق كان عبارة عن حرق كتاب القرآن الكريم، والمقصود منه الإساءة الرمزية النفسية للمسلمين، وهو كأي عمل رمزي لا يغير شيئاً من وقائع الحياة المادية للمسلمين أو لغيرهم من الناس سواءٌ أولئك الذين يكرهونهم أو يحبونهم أو اللامبالين حيالهم في أي مكان من العالم وصلت أو قد تصل إليه أصداء الفعل ذاته أو ردود الفعل عليه، اللهم إلا ذلك الأثر التعبوي الانفعالي الذي تحتاجه وتستخدمه جهات كثيرة ليست لها مصلحة في استقرار المجتمعات أو في تعاون المؤمنين أو انتشار قيم الإيمان الدينية الأخلاقية.

٣- في حياة المسلمين ومجتمعاتهم، وبسبب ما هم فيه من ضعف وقهر وهوان وتشتت وتغلغل أدوات النفوذ الأجنبي الكثيرة والمتنوعة في كل ميادين حياتهم ووعيهم ونظمهم ونخبهم، يُحرق القرآن كل يوم مئات المرات؛ فالقرآن لا يكتسب أهميته وقدسيته من كونه كتاباً تضمه بعض المكتبات الشخصية أو العامة، ولا من تلاوته في المناسبات والإذاعات أو حفظه من الأطفال والشباب والصغار، إنما يكتسبها من كونه كتاباً ربانياً أنزل على نبي الإسلام ليكون دستوراً عاماً لترشيد وضبط حياتهم وسلوكهم ومعاملاتهم وفق قيم وقواعد القرآن الأخلاقية، على صعيد الأفراد والمجتمع والبشر فيما بينهم، وفي كل سلوك لا أخلاقي من أي نوع كان هدر للقرآن وحرق لقيمه الإنسانية في كل ظلم يمارسه حاكم بحق شعب أو تمارسه سلطة بحق مواطن أو يمارسه إنسان أياً كان بحق إنسان آخر، إهدار للقرآن وحرق له ولمعانيه وقيمه الأخلاقية، وهكذا مع كل سلوك فاسد أو شاذ مخالف للفطرة الإنسانية، ومع كل  انحراف عن قيم القرآن الإيمانية الجامعة هدرٌ للقرآن وحرقٌ لمعانيه وقيمه ومضمونه الأخلاقي؛ فلماذا لا تحدث ردود أفعال على هدر القرآن وحرق مضمونه وقيمه وأخلاقه وقواعده السلوكية الحياتية كتلك التي تحدث عند أفعال رمزية لا قيمة حياتية عملية لها؟؟

٤- الأغرب بين ردود الأفعال الكثيرة تلك الدعوة الجاهلة لمقاطعة السويد كبلد ودولة ومنتجات وكأن الشعب السويدي هو الذي قام بذلك العمل الجبان، أو أن دولة السويد هي التي أعطت الأمر لذلك الأحمق بحرق القرآن؟؟

للمعلومات المُغيبة عنا وعن كل التجييش الإعلامي المتعمد، فإن في السويد نظاماً للرعاية الاجتماعية راقياً ومتحضراً وإنسانياً إلى أبعد الحدود، ويشمل جميع المواطنين والمقيمين من المسلمين ولو كانوا غير سويديين، وهو نظام للرعاية الاجتماعية يمثل جوهر القيم الإسلامية في هذا المجال، ويجعلها قانونا ترعاه الدولة وتخصص له الإمكانيات اللازمة، ولولا أزمة السلوكيات الفردية وما فيها من تحلل وفوضى وفساد منسوب إلى الحريات الفردية المطلقة التي أنشأها ويحميها ويرعاها دون ضوابط أو تدخل فكر الليبرالية الفردية الرأسمالية المفرطة في ماديتها وفرديتها ونفعيتها والسائدة في كل بلاد الغرب الأوروبي والأمريكي، لكان نظام الحكم السياسي والاجتماعي السائد في السويد وباقي الدول الإسكندنافية هو النظام الأفضل والأصلح كبديل عن النظام الرأسمالي العالمي الفاسد المنهار لكنه الأوحد إلى الآن دون بدائل واقعية قائمة أو قابلة للاحتذاء بها عالميا.

فضلاً عن أن السويد تتعامل كبلد وكشعب بإيجابية تضامنية كبيرة مع قضية فلسطين العربية ومع شعب فلسطين المعتدى عليه من الصهيونية العالمية وقاعدتها المحلية، وهي كانت تتقدم صفوف البلدان الداعمة لحق شعب فلسطين في الحياة الحرة الكريمة والمناهضة للممارسات الصهيونية منذ أيام الزعيم السويدي الحر العلم “أولف بالمه” المغدور الذي اغتالته أجهزة الصهيونية يوم أن كان رئيساً لوزراء السويد بسبب مواقفه المؤيدة للعرب.

إن حرق القرآن في السويد ليس مسؤولاً عنه شعبها ولا دولتها.

٥- سيقول قائل إن قانوناً في السويد يسمح بمثل هذا العمل؛ وهذا صحيح ولكنه القانون الذي يسمح بكل سلوك فردي أياً كان حتى لو كان انتحاراً، والمعروف أن في السويد أعلى نسبة انتحار في العالم وهو مسموح في القانون، فمثل هذا القانون ليس موجهاً ضد الإسلام ولا ضد المسلمين ولكنه نسق من القوانين الليبرالية الفردية التي تبيح كل سلوك انحلالي منحط وصولاً إلى الشذوذ بأنواعه، فأصبحت المثلية مقبولة بعد أن كان شذوذاً مرفوضاً!

٦- إن قوانينا جائرة كثيرة تخالف قواعد القرآن وقيمه ومضمونه، موجودة في كل بلدان العالم وفي مقدمتها دول عربية أو مسلمة كثيرة، فمن يغتاظ من حرق الكتاب عليه ألا يسكت على انتهاك قيمه ومضمونه؛ فالقرآن إن لم تطبق قواعده في السلوك والمعاملات، يصبح كتاباً للمناسبات وللعبادات المفرغة من مضمونها الحياتي الأخلاقي، وهذا خطر أكبر ألف ألف مرة من حرق كتاب القرآن.

٧- أما التجييش الإعلامي فهو يخدم مصلحة من يملك وسائل الإعلام والدعاية والتحريض، والمعروف أن وسائل الإعلام المحلية والعالمية تملكها وتوجهها وتستخدمها قوى عالمية رأسمالية أو قوى محلية رأسمالية متحالفة معها أو خاضعة لها، ولا تستخدم التجييش والتحريض إلا لمصالح لها لم تعد خافية على أحد من أصحاب العقول الواعية.

لقد باتَ معروفاً أن قوى النظام الرأسمالي العالمية تلجأ إلى التجييش الغريزي للعصبيات الدينية والطائفية والمذهبية بما يخدم استراتيجياتها الحاضرة لتفكيك الدول والمجتمعات الإنسانية والسيطرة عليها وعلى مواردها وإراداتها، ففي ذلك مصلحة حيوية استراتيجية لها لا تكف عن استخدامها في كل مناسبة، لا بل تخترع المناسبات اللاهبة لتستخدمها في الفتنة والتحريض الغرائزي البعيد تماماً عن الإيمان الديني الحقيقي.

٨- إن قوى السيطرة الإعلامية العالمية وكل مصالحها الرأسمالية الهائلة والمتشعبة جداً، تحتاج تلك العصبيات الغرائزية “الدينية” لتفجير صراعات وهمية بين أتباع الديانات وهم موجودون في كل بلد من العالم لأن ذلك يحقق لها هدفاً مركزياً استراتيجياً وهو: “إلهاء الناس والمجتمع عن مشكلاتهم الحقيقية بما فيها من فقر وضعف واستغلال وفساد ونهب موارد وتسلط استعماري وظلم وقهر وعدوان واحتلال، وإغراقهم في صراعات دينية تستنزف الجميع ولا ينتصر فيها أحد ولا تنتهي، فتبقى هي الحاكمة والمتسلطة والمستفيدة فوق الجميع ومن الجميع”.

٩- إن جميع وسائل الإعلام ووسائل الدعاية والتسويق قائمة على إعطاء الأولوية والاهتمام والصدارة : “للشكل دون المضمون وعلى حساب المضمون..”، ففي صلب استراتيجيتها المعاصرة لفرض وتعميم مفاهيم العولمة الرأسمالية الفاسدة، فإنها تسعى لإفراغ كل القيم الإنسانية والاجتماعية- والدينية أيضاً- من أي مضمون حقيقي وتحويلها إلى مجرد شكليات مظهرية لا تغير في واقع الأمور شيئاً، فتبقى هي الأقوى والمسيطرة على مقدرات البشر ومواردهم وإراداتهم تسخرها وتتلاعب بها كيفما تشاء، وهو ما أطلق عليه بعض علماء الاجتماع: “نظام التفاهة”؛ لهذه الأسباب وبهذه الخلفيات تقوم حملات التجييش والتحريض في العصبيات الغرائزية العمياء  والمسيرة كما حال الطائرات المسيرة بدون طيار لتؤدي مهمة محددة وتخدم هدفا معينا.

١٠- وتبقى ردود الأفعال التي يبديها مسلمون في هكذا مناسبات، ردوداً غير فاعلة ولا قيمة لها، فمن كان مسلماً مؤمناً حريصاً على القرآن الكريم فليتنبه من خلفيات الأحداث وغاياتها الخبيثة أولاً، ثم فليقم بمسؤولية ما تقتضيه قيم القرآن من عمل واع جماعي متعاون متفانٍ دفاعاً عن الأخلاق المهدورة في بلاده ومجتمعاته أولاً وردعاً لكل أنواع التفكك الأسري والاجتماعي ولكل أنواع الظلم والقهر وانعدام العدل والمساواة وسيادة القانون، وردا لكل عدوان على بلاده وأوطانه من أيةِ جهةٍ كانت.

إن أي عمل موسمي منقطع حتى لو كان نافعاً في وقته، لا يفيد في تغيير واقع سيء متدهور تعيشه معظم بلاد الإسلام والمسلمين.. فكيف إذا كانت ردة فعل غريزية منفعلة يستخدمها الغير لمزيد من الفتنة والتدهور؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.