
صبحي حديدي *
لم يكن المشهد سوريالياً تماماً، لأنه أوّلاً سيخون ركيزة كبرى في المذهب السوريالي تحضّ على الذهاب إلى ما وراء الواقع، أو حتى فوقه وأعلى منه إذا شاء المرء التبسيط؛ لكنّ المشهد لم يخلُ تماماً، في جانب آخر هامّ، من درجة انتهاك، معنويّ ثمّ بصري، تشدّ كثيراً نحو تلك الصيغة السوداء من سوريالية العبث بالواقع: رئيس وزراء اليابان، كيشيدا فوميو، ابن مدينة هيروشيما؛ يستقبل رئيس الولايات المتحدة، القائد الأعلى للجيش ذاته الذي ألقى أوّل قنبلة ذرية على المدينة يوم 6 آب (أغسطس) 1945، وألحق الأذى البليغ بمدينة ناغازاكي المجاورة، ولا يعثر التاريخ حتى اليوم على الرقم الفعلي للضحايا وما إذا كان 140.000 ضحية، أم أكثر.
وحتى تتسع دائرة الانتهاك، بما يصفع الضمير الإنساني ويضيف الإهانة إلى الجرح، وقف كيشيدا مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، صحبة أقطاب مجموعة السبع قادة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وكندا، لالتقاط صورة تذكارية أمام نصب السلام في هيروشيما. وكان باراك أوباما أوّل رئيس أمريكي يزور هيروشيما ويتفقد «حديقة السلام» هذه، أواخر أيار (مايو) 2016، وقد أبلغ بعض الناجين من القصف النووي بأنّ زيارته «دليل على أن أكثر الانقسامات إيلاماً يمكن تجاوزها». غير أنّ صورة الـG-7 الأخيرة ضمّت أيضاً بريطانيا وفرنسا، اللتَين لم تعتذرا قطّ، بل لم تعترفا أصلاً، بالعواقب النووية الكارثية لسلسلة التجارب النووية التي أجرتها باريس ولندن هنا وهناك في المستعمرات.
ألسنة قادة الـG ـ 7، التي ابتُلعت في الأفواه إزاء الجريمة النووية الأمريكية، وليس في أيّ مكان آخر سوى هيروشيما ذاتها؛ انطلقت، بل وصالت وجالت ضدّ الصين، لأنّ تعزيز ترسانة بكين النووية يشكّل «مصدر قلق للاستقرار العالمي والإقليمي». وإلى جانب هذه الصفاقة الفاضحة في الكيل بأكثر من مكيال واحد كلما اتصل الأمر بالتسلّح النووي، أضاف القادة ما أسموه «رؤيا هيروشيما حول نزع السلاح النووي» حيث لم تعد صفة النفاق كافية لتوصيف مقادير جسارته في الخداع والكذب؛ وكلّ هذا مع استمرار الفرسان السبعة في رفض إقرار «اتفاقية حظر الأسلحة النووية».
ليس النفاق النووي لمجموعة الفرسان السبعة جديداً، بالطبع، ولكنه صار يتخذ وجهة منهجية متسارعة في تأصيل حال مستدامة، مكشوفة تماماً؛ تعيد التذكير بما كان الصحافي الأمريكي شارلز ريز قد صاغه على هيئة أحجية متكاملة، تكون مفردة دولة الاحتلال الإسرائيلي هي الإجابة الوحيدة عليها:
ـ من هي الدولة التي تنفرد عن جميع دول الشرق الأوسط في امتلاك الأسلحة النووية؟
ـ من هي الدولة التي ترفض التوقيع على الاتفاقيات الدولية لحظر انتاج الأسلحة النووية، بل وتحظر على المنظمات الدولية القيام بأي تفتيش على منشآتها النووية؟
ـ من هي الدولة التي احتلت عسكرياً أراضي الدول المجاورة، وتواصل ذلك الاحتلال متحدية بذلك جميع قرارات مجلس الأمن الدولي المطالبة بإزالة آثار ذلك العدوان؟
ـ من هي الدولة التي استخدمت الجاسوس جوناثان بولارد لسرقة وثائق سرّية أمريكية؟ وهل هي الدولة ذاتها التي أنكرت الواقعة في البدء، ثم اعترفت بها ومنحت بولارد الجنسية الفخرية، بل ونظمت حملات ضغط واسعة لإجبار البيت الأبيض على إطلاق سراح الجاسوس، لأنه في نظرها بطل وطني؟
ـ من هي الدولة التي ترفض تنفيذ عشرات وعشرات من قرارات مجلس الأمن الدولي، بل وتستخفّ بهذه القرارات وتلك الهيئة الدولية؟
ولعلّ ريز يضيف سؤالاً، بديهي الإجابة، حول اسم الدولة التي قصفت مفاعل تموز قيد الإنشاء في العراق، سنة 1981؛ ومشروع مفاعل الكبر قيد الإنشاء في سوريا، سنة 2007؛ ولم يحرّك النوويون في الـG ـ 7 ساكناً لتبيان أنها اعتداءات تنتهك القانون الدولي وانطوت على مخاطر بيئية جدية؛ بل الأرجح أنهم فركوا الأكفّ ابتهاجاً، بافتراض أنّ البعض منهم لم ينسّق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولم يزوّدها بمعلومات استخباراتية ولوجستية تجعلها شريكاً مباشراً.
واحدة من ذرى النفاق النووي، وربما إحدى عتبات الطور المستدام منه، كانت قبول دولة الاحتلال (على مضض، وبشروط صارمة) زيارة محمد البرادعي، الذي كان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تموز (يوليو) 2004؛ بعد نداء أطلقته جمهرة من الدول الأعضاء في الوكالة الدولية، ألحّ على ضرورة أن تفتح جميع الدول في الشرق الأوسط منشآتها النووية لتقوم الوكالة بتفتيشها والعمل من أجل منطقة خالية من الأسلحة النووية. الزيارة استغرقت 3 أيام، اجتمع خلالها البرادعي مع أرييل شارون رئيس حكومة الاحتلال يومذاك، لكنه لم يطأ بقدمية سنتمتراً من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي، واكتفى من الغنيمة بالتحليق في سماء النقب على متن حوّامة عسكرية؛ وبتصريح من شارون (عَدّه البرادعي مكسباً، أغلب الظنّ!) جاء فيه أنّ «سياسة إسرائيل هي إقامة سلام في الشرق الأوسط» وعند «إقرار السلام فإنّ إسرائيل ستنظر في إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية».
يًذكر، أيضاً، أنّ اليابان احتضنت قمة للسبعة الكبار، في أيار (مايو) 2016، وكانت حصّة هيروشيما زيارة تنظير وسفسطة حول الذاكرة انخرط فيها الرئيس الأسبق أوباما؛ الذي حرص أيضاً على زراعة شجرة سيدر في إيسي ــ شيما. يومها لم تكن «الرؤيا» نووية تماماً، رغم أنّ كابوس النووي الكوري الشمالي كان مخيماً على الأجواء؛ بل تبنى القادة ما أطلقوا عليه تسمية «تقرير التقدّم» الذي لم يكن البتة أقلّ نفاقاً ومخادعة وتكاذباً. وفي الملخص جاء أنّ «التنمية وتمكين جميع الشعوب» أولوية متطابقة لقمم المجموعة، و«الحساب والشفافية يظلان مبدأين جوهريين للقمة كي تحافظ على مصداقية قراراتها وفعاليتها»؛ وكان اللغو لا يرشح من كلّ حرف في هذه العبارات فحسب، بل لاح أنّ الهراء يتبارى في النصّ مع الاستغفال العلني للعقول.
وفي عداد النفاق المستدام ذاته جاءت سلسلة اجتماعات وزراء مجموعة السبع، الخارجية والمالية والعلوم والتكنولوجيا والبيئة والتربية والطاقة والزراعة… أشدّ الأجندات مخادعةً كانت تلك التي تسعى إلى «نموّ شامل دائم وقوي» عماده إصلاح النظام الاقتصادي العالمي عن طريق التوازن بين السياسات النقدية والضريبية، والإصلاحات الهيكلية؛ وأمّا أوضحها نفاقا فقد كانت تلك التي تطالب بـ«الحفاظ على الإرث الثقافي إزاء الاعتداءات الإرهابية» خاصة آثار تمبكتو في مالي والموصل في العراق وتدمر في سوريا؛ ومع بقاء أكثرها حرجاً، وإلحاحاً، في آن: «الإقرار بوجود أزمة عالمية» تخصّ الهجرة عموماً، وأعباءها المالية على أوروبا بصفة محددة.
أجندات أخرى حضرت، كما كانت تحضر على الدوام في قمم الـG ـ 7 خلال العقود الأخيرة، وسيّان أن تظهر فوق الطاولة أو تحتها؛ حول اقتصاد الصين (المصنّعة الثانية عالمياً، ولكن الغائبة عن القمة) وروسيا فلاديمير بوتين (في أوكرانيا أولاً، ولكن ليس في سوريا بالضرورة) ومفاعيل لا تبدو للعيان خلف الكليشيهات المعتادة بصدد اقتصاد النفط مثلاً، وتبدّل التوازنات مع مجموعة الـ«بريكس» التي أخذت تتوسع أبعد من روسيا والبرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا…
وثمة، بالطبع ودائماً، ذلك المسكوت عنه/ المفضوح الذي يشير إلى أنّ الاقتصاد الدولي معتلّ من الرأس حتى أخمص القدمين، في دول مجموعة السبع قبل الصومال والإكوادور والأرجنتين ومصر؛ وأنّ الكبار، هنا تحديداً، يريدون من ضحايا كهذه أن تمرّ في قاطرات التاريخ لأداء وظيفة كبرى، حصرية أو تكاد، هي تزويد الكبار بمزيد من… القرابين!
* كاتب وباحث سوري يقيم
المصدر: القدس العربي