الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

قراءة على أُطروحة «نقد العقل الديني»

الشيخ عدنان عبود العزاوي *

إنَّ هذه الأُطروحة أصبحت مرجعاً للكثير من الاكاديميين والحوزويين والمثقفين والمتابعين لهذا الطرح الاستثنائي.. وقد كُتب عنها الكثير من المقالات النقدية التقييمية، بالإضافة الى تأليف كتاب «المطارحات على المطارحات في نقد العقل الديني» للأستاذ عباس شاهين والذي كتب عنه مقدمة قيمة الدكتور المفكر العربي «عبدالحسين شعبان»، وعما قريب يتحف المكتبة العربية انشاء الله تعالى بَيَّدَ أني أقول على ما أرى أن السيد الفقيه أحمد الحسني البغدادي كأنه أراد تتويج هذه العقود من حياته الكريمة بجمع ما لديه من أفكار وأطروحات حداثوية جديدة، وما لديه- كذلك- من أسرار وقضايا اللامفكر فيها نتيجة معايشته الميدانية مع مجتمعه الدوغمائي المتخلف، ومع أشباه المثقفين والمحللين السياسيين، ومع المتطفلين على موائد التأليف والتحقيق، ومع زملائه في المؤسسة «الدينية» حمالة للظواهر الشاذة في لحظة الكون الحالية!، فضلاً عن تواصله النخبوي في جلسات المؤتمرات والندوات العربية والإسلامية والدولية من خلال تبادل وجهات النظر مع اليمين الرجعي واليسار التقدمي على حدٍ سواء .

إنَّ كتابات «الفقيه المجدد السيد البغدادي» بدءاً من باكورة مؤلفه: «بحوث في الاجتهاد» المطبوع عام 1991م، مروراً الى موسوعته الاسلامية: «تأصيل معرفي بين الثورية واللاثورية»، وصولاً الى تفاسيره المعرفية والثقافية الستة الأخيرة، هي دليل مولوي وإرشادي واعتباري في التدخل القانوني والتنظيمي في علاقته الجدلية بالمراقبة المكثفة خصوصاً يمنح أولوية لأهمية الخطاب الحداثوي الإسلامي المتنور، ويؤكد على مستوى الوعي أم لا بكون متبنياتهم تخريفية دوغمائية هتروذكسية سلبية وما الى ذلك من المبادي العريضة، فإنها تتميز بخطاب مواقف وقضايا محددة بُغية صوغ ابتكارات وأُطروحات بديلة في تغيير التقاليد الشاذة.

ويتحدث السيد البغدادي في هذه الأطروحة عما يسميه فشل العملية السياسية المخابراتية المماهية للمشروع الماسوني الأميركي البريطاني القائم على الأنانية والاستئثار والاستغلال والاستعمار والاستكبار، بل وكافة ظروف عملية التنافس على الثروة والسلطة التي أَسسها الحاكم المدني- العسكري بول بريمر من خلال كتاَبة  دستور منحرف قائم على البقاء للأقوى… وهي متبنيات معادية لطموحات الشعب العراقي بكل أطيافه العرقية والدينية والاثنية . وفي هذه الأطروحة ينتقل بنا الفقيه الحسني البغدادي ويكشف لنا أنَّ ثمة زاوية من تجذير النزعة التنظيرية السلفية  التقليدية من خلال «صحاحات» النصوص الحديثية غير المعتبرة سنداً ودلالةً، حيث ذهب يقول: «وتلك منظومة فقههم لصوص ونصوص من أهمها: أن الضرورة الإسلامية تحتمُ علينا ألا نخضع بشكل مطلق لهذه التوجهات أو تلك المنطلقات، بل يجبُ أن نهتم بمصالح أبناء الأمة، الذين يعيشون الدمار والبوار والعدوان الأميركي على العراق وأفغانستان، والاحتلال الصهيوني في فلسطين، والاحتلال الهندي في كشمير، والروسي في الشيشان.. بل يدخلون في معمعة التشهير والتسقيط، وإرهاب العقائد بين هذا المذهب، أو تلك الطائفة، يُكفرون بعضهم البعض الآخر من خلال التركيز على حديث «الفرقة الناجية» على غرار مقولة «شعب الله المختار» وشغلهم الشاغل هو طرح الترف العقلي «الميتافيزيقي»، الذي لا يمكن السيطرة عليه مثل: رجعة الأئمة الى الدنيا التي اختلقت أطروحة الأخبار التوراتية الكاذبة، التي تحكمت في قسط كبير من قضايانا المعرفية، وكأنما الله تعالى لم يُعدْ للمتقين جناتٍ وعيوناً في الآخرة، وللكافرين والمنافقين نار جهنم في الآخرة.. وطهارة بول النبي محمد، وضرب الرؤوس بالسيوف والقامات الجارحة بمناسبة عاشوراء، ذلك كله في سبيل إرضاء عوام الناس تملقاً لأذواقهم، ودغدغة لمشاعرهم، وإثارةً لأشجانهم وأحزانهم، بل ساهم الوعظ التوراتي في تفعيل ثقافة اللاعنف في سبيل إرضاء «إسرائيل» وأمريكا خلافاً لإطلاقات الأدلة القرآنية، والأحاديث النبوية، وعموماتها التي توجب الجهاد المسلح بأشكاله المتنوعة، ويؤكدون على تطبيق آيات السِّلم التي يمكن تأويلها إلى محامل أُخرى، والأوطان العربية والإسلامية مستباحة، والقدس الشريف لا يزال العدو الصهيوني يحتله، وهو الذي يقتلُ مَنْ يشاء، ويدمرُ ما يُريد، والملايين من أبناء الأمة الذين يموتون جوعاً وعُرياً وهلاكاً في كشمير وبنجلاديش وأرتيريا وتشاد والصومال والسودان والعراق وفلسطين»، نقد العقل الديني، ص:26.

سبحان الله !.. هناك- كذلك- إشكالية في مسألة تسيير قيادة الحكم في العراق بعد انتصار الشعب العراقي في ثورة الثلاثين من حزيران/ يونيو عام 1920م حيث كتب قائلاً: داخلني الأسف الأسيف حين لمست بوضوح عندما أرادَ الانجليزُ أن يجعلوا من العراق «الحديث» دولةً، اختلفَ العراقيّونَ على رئاستها.

كانَ الاختلافُ مُرّاً ومُخجِلاً في تفاصيلهِ الخاصّةِ والعامّةِ، إلى درجة أنّ المِسْ “غيرترود بيل” (مستشارة المندوب السامي البريطاني في العراق، السير “بيرسي كوكس”) كانتْ قد كتبتْ في حينه: لقد تعبتُ من صُنعِ الملوك. ومن شدّة التعب، استوردَ لنا الانجليزُ ملكاً من الحُجاز، اسمهُ فيصل بن الحُسين، وجعلوا منهُ أوّلَ «رئيسٍ» لنا، وأجلسوهُ على عرش المملكةِ الفتيّةِ السعيدة.

بهذه الطريقة تم اخمادُ اختلافنا على من يحكمنا آنذاك. عندها شعر جميع «العراقيين» المتصارعين على السلطةِ في حينه بالراحةِ والرضا، لأنَّ «عراقيّاً» من بينهِم، لم يكن هو الحاكمُ بأمرهِ، وأمْرِنا، في نهاية المطاف.

وبعد 14 تموز/ يوليو 1958 اختلفَ قادةُ العسكَرِ على من يحكمنا من بينهم. وهكذا «تآمرَ» نصفُ «الضبّاط الأحرار» على نصفهم الآخر، وقامَ كلّ نصفٍ منهم، بإعدامِ النصفِ الآخرِ رمياً بالرصاص. وفي عام 1979 اختلفَ «الرفاقُ» على رئاسة السلطة، فقامَ «الرئيسُ» بإعدام نصفِ «الرفاق».

ولولا الطبيعة «الدكتاتوريّةُ» لأنظمة الحكم المُتعاقِبة (على اختلاف درجاتها)، لما تمكنّ «عراقيٌّ» من حُكمِ هذا البلد خلال المدّة 1958- 2003.

وفي عام 2003 قرّر الأميركان إزاحة “صدام حسين” عن السلطة. وهُنا أختلفَ العراقيّونَ مُجدّداً على من يحكمهم من بعده في العراق «الجديد».

كان الخلافُ مُرّاً ومُخجِلاً إلى درجةٍ شعرَ معها “زلماي خليل زاده” (المندوب السامي الأميركي في العراق) بالتعب الشديد من عملية صُنْع الملوك «الجُدُدْ» في العراق.

وهكذا جاء “بول بريمر” (من ولاية كونيتيكت)، وأصبحً «ملِكاً» على العراق.

وفي ظلِّ «جلالة المَلِكِ» ‘بريمر’ هذا، لم نتّفِق على رئيسٍ عراقيّ لنا. فاخترع الأميركان لنا مجلس الحُكم. وجميعكم تتذكّرونَ كيف كان لنا.. في كُلِّ شهرٍ «رئيس».

بعدها، سيّداتي وسادتي، تعرفون ما الذي حصلَ لنا، وبالتفصيلِ المًمّل.

ولكنّ الخلاصة الرئيسية والمُرّةَ، من كلّ هذا، ستبقى كما هي: أنّنا لا نتّفِقُ على «رئيس»، ولا نرضى برئيس، ونتمنى لو تمّ قتلُ هذا الرئيس، و«سحلهِ»، وسلخِهِ، وحرقِهِ، بعد مدّةٍ قصيرةٍ من تولّيه الرئاسة.

نحنُ في حقيقة الأمر لا نُريدُ رئيساً. وإذا أردناه، فإنّنا لا نريدهُ أن يكون رئيساً لدولة.

وعندما يتم إجبارنا على قبول رئيسٍ ما، فإنّنا سرعان ما نبدأ بكيل التُهمِ له، والتشهير به، والحطِّ من شأنهِ بين الناس (في الداخل)، وبين الدول الأخرى (في الخارج).

نحنُ لا نُريدُ رئيساً. نحنُ نريدُ، كلّنا، أن نكون رؤساء وحُكّاماً وملوكَ وقادة، ولو على مزبلة المحلّة.

وجاء الفشل الذريع والمُريعُ والمُشينُ لـ«الحُكّام» و«القادة» و«الزعماء» في إدارة الحكومات المتعاقبة لـ«عراق» ما بعد 2003، ليُكرِّسَ هذا النمط «الشخصي» من التفكير السُلطوي، ويُعزّزهُ، ويجعلهُ مُستداماً، ونابتاً في العَظم.

ولو سألْتَ أيّ مواطنٍ «عراقيٍّ» بسيطٍ تصادفهُ في الشارع: هل تعتقدُ أنّكَ تصلحُ لأن تكونَ رئيساً لهذا البلد، لأجابكَ على الفور ودون تردّد: نعم. إنّ بإمكاني ذلك. وليس هذا فقط، بل أنّ بإمكاني أن أجِدَ حلاًّ لكلّ مشاكلِ العراق خلال اسبوعٍ واحدٍ فقط، بدلاً من هؤلاء «الذين لا نعرفُ من أين جاءوا»!.

لقد جاؤوا من العراق يا عزيزي «العراقيّ». جاؤوا من العراق.. من العراق.. فهل تريدُ استيرادَ «طبقةٍ حاكمةٍ» لهذا العراق من بلدان اخرى.. مرّةً أخرى؟.

حسنٌ.. ها أنتَ قد استوردتهًم.. فماذا تريدُ الآن؟.

انّ كلّ وزيرٍ يتم ترشيحهُ من قبلِ «الرئيس» (ضمن «الحُزمة»، أو «الكابينة»، ويتمُّ وضعهُ في «الظَرْفِ المُغلقِ» أو المظروف المفتوح، أو من خلال بوّابة ألكترونية عبر الإنترنت) هو بالنسبةِ لكَ وزيرٌ «عراقيٌّ» سيّءٌ سَلَفاً، وفاشلٌ مُقدّماً، وطائفيٌّ بالفطرة، وفاسدٌ بالضرورة.. وأنتَ (طبعاً) أفضلُ منهُ، وأدرى، وأقدَر..  فمن أين سيأتي لكَ رئيس الوزراء، بعد كلّ هذا، بوزيرٍ.. سيرضى اللهُ عنهُ، ويُرضيهُ، ويُرضيكَ أنتَ أيضاً؟..

ماذا سنفعلُ يا سيدي، وجميعُ الذينَ تناوَبوا على حُكمِنا، والتَحَكّمِ فينا، يقولون لنا نحنُ «الضروراتُ» الدائماتُ، وليس لكم غيرنا، ولا «بدائلَ» إلاّ من بيننا، وخلافَ ذلكَ اذهَبوا .. وأحصُدوا «الفوضى» والخراب؟..

سنستوردهُم يا سيّدي.. سنستوردُهُم.. ونرتاح.

فما نحنُ إلاّ عراقيّونَ «أقحاح»، سبقَ لنصفنا وإنْ قام باستيرادِ النصف الآخر من الهند.. ومن آسيا الوسطى.. ومن جزيرة العرب..

تُرى كيف يُتاحُ لكَ أن تنسى ذلك؟ كيف يُتاحُ لك أن تنسى أنّكَ لم تكن عراقيّاً في يومٍ ما.. ولن تكون؟..

سنستوردهُم يا سيّدي. سنستوردُهُم.

لأنّنا كـ«عراقيّين» غيرُ قادرين أبداً على أنْ نصدّرَ إلى الخارجِ شيئاً غير خيباتنا المستدامة.

سنستوردُ يا سيدي «العراقيّ»، ومرّةً بعد أخرى، «أولي الأمْرِ» فينا من الخارج.. وسينتهي الأمرُ بنا الى ما انتهى إليهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ..» المصدر نفسه،161.

* كاتب وباحث اكاديمي

المصدر: موقع الفقيه أحمد الحسني البغدادي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.