الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حياد صيني مؤيد للغزو الروسي

محمد المنشاوي *

منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا قبل عام، حاولت الصين تحقيق توازن صعب وحساس بين مصلحتين لا يمكن التوفيق بينهما بصورة سهلة. فمن ناحية، مثلت الحرب فرصة لها لتعزيز الشراكة المتزايدة مع روسيا عسكريا، واقتصاديا، وسياسيا، بما يمكنها من موازنة القوة الأمريكية وتخفيف الضغط الاستراتيجي المتزايد من واشنطن. ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من الشراكة مع موسكو، عملت بكين على تجنب العقوبات الأحادية والمنسقة التي تستهدف الحكومة والشركات والمؤسسات المالية في الصين.

ومع إطالة أمد الصراع، ترى الصين أن الحرب في الأراضي الأوروبية تصرف انتباه واشنطن والعواصم الغربية عن مسرح المحيطين الهندي والهادئ، وسوف تُترك روسيا ضعيفة بحيث لا تشكل أي تهديد لنفوذ الصين المتنامي في فضاء الجمهوريات السوفيتية السابقة. وفي الوقت نفسه، تستطيع الصين أن تملأ الفراغ الاقتصادي داخل روسيا، والذي خلفه انسحاب الاستثمارات والتكنولوجيا الغربية.

ترفض الصين بشكل عام بيع أسلحة لروسيا، والتزمت لحد كبير ببعض العقوبات الغربية على روسيا كون الحفاظ على الوصول إلى الأسواق العالمية أكثر أهمية لبكين من أي رابط اقتصادي مع روسيا.

استغلت بكين الحرب وكررت مبررات روسيا لخوضها، وضاعفت التنسيق الدبلوماسي مع موسكو، في الوقت الذي امتنعت فيه بحذر عن التصويت في الأمم المتحدة في القرارات ذات الصلة. واستفادت بكين بشدة من سعر النفط الروسي المخفض، كما عززت الروابط الاقتصادية مع روسيا التي لا تنتهك العقوبات الغربية. ودفع ذلك لزيادة حجم التجارة بين الصين وروسيا بنسبة ضخمة بلغت 35% خلال 2022 لتصل لمستوى قياسي يقترب من 200 مليار دولار. وهكذا لم تتأثر علاقات بكين بموسكو، بل على النقيض تطورت علاقات الدولتين العسكرية والاقتصادية والسياسية. ونجحت الصين في التأسيس لشراكة استراتيجية مهمة دون أن تصبح هي نفسها منبوذة دوليا أو غربيا بسبب هذا الموقف.

  • • •

شهدت الأيام القليلة الماضية تلاسنا أمريكيا صينيا بسبب الحرب الأوكرانية خاصة مع تحذير واشنطن لبكين من مغبة تصدير أي أسلحة لروسيا. قد يضاعف من هذه التوترات ما تناولته تقارير من عزم الرئيس الصيني شي جين بينج القيام بزيارة قريبا إلى العاصمة الروسية موسكو وعقد قمة مع الرئيس فلاديمير بوتين.

بالتأكيد سيتم النظر بطرق مختلفة لمثل هذه الزيارة، والتي ستعتبرها الصين وروسيا كجزء من محاولة الدعوة لبدء محادثات سلام تلعب فيها بكين دورا أكثر فعالية يهدف إلى إنهاء الصراع في أوكرانيا، في حين ستنظر واشنطن إلى مثل هذه القمة كدليل على الدعم الصيني للموقف الروسي على الرغم مما تدعيه الصين من حيادها تجاه الحرب في أوكرانيا.

رسميا لم تُدن بكين الغزو الروسي، لكنها أيضا لم تدعم الحرب بشكل مباشر، ويكرر الإعلام الصيني الرواية الروسية للحرب، وأن السلوك الروسي ما هو إلا رد فعل على موقف حلف الناتو المستفز لروسيا، والمتجاهل لضماناتها الأمنية المنطقية، خاصة تجاه التمدد شرقا بمحاذاة الحدود الروسية. لكن لم تكن كل نتائج الحرب الأوكرانية جيدة لبكين، فبعد عام من القتال، أرست الحرب أسسا جديدة عززت ووسعت ورسخت حلف الناتو. وتعتبر بكين الحلف بمثابة أداة بيد أمريكا يخدم أهدافها الجيوسياسية، والتي على رأسها مواجهة الصعود الصيني.

  • • •

خلال العام الماضي، كانت الصين بمثابة شريان الحياة الاقتصادي لروسيا، وذلك على الرغم من حياد بكين الرسمي، وتحذيرها من استخدام الأسلحة النووية في الصراع. وإن كانت هناك توترات أمنية سياسية بين الصين وشركائها الغربيين بمن فيهم الولايات المتحدة، إلا أن العلاقات التجارية بين هذه الأطراف لم تتأثر.

وبعد فرض عقوبات غربية قاسية على روسيا وهو ما دفع لخروج آلاف الشركات الغربية والأمريكية من روسيا، بدأت الشركات الصينية في ملء الفراغ الذى خلفه خروج الشركات الغربية.

كما افتتحت روسيا خط أنابيب الغاز الجديد (قوة سيبيريا)، والذي سيوجه الغاز إلى الصين. ومن المتوقع أن يساعد خط الأنابيب الجديد روسيا على تعويض بعض خسائرها من الحظر الغربي على استيراد الطاقة الروسية، فضلا عن مساعدة الصين على تلبية احتياجاتها الهائلة من الطاقة.

  • • •

يعد تغيير وجهة الاهتمام الأمريكي العسكري بعيدا بعض الشيء عن جنوب شرق آسيا ومنطقة المحيطين الهادئ والهندي إلى أوروبا وأوكرانيا، بمثابة استفادة صينية مباشرة من الحرب في أوكرانيا.

تدرس الصين بدقة دروس الحرب الجارية في أوكرانيا خاصة الجزء المتعلق بالحرب الاقتصادية والعقوبات الغربية. وتاريخيا، تنتقد الصين العقوبات التي تشنها الولايات المتحدة بصورة فردية أحادية. وترى بكين أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث يمكن للصين أن تمارس حق النقض (الفيتو)، بالتنسيق مع روسيا في بعض الأحيان، هو الجهة الوحيدة التي تتمتع بالشرعية لفرض عقوبات على دولة عضو في الأمم المتحدة. وتخشى الصين من وقوعها عرضة لعقوبات أمريكية وغربية حال اتخاذها خطوات تجاه ضم تايوان في المستقبل.

تكرر الصين أنه لا يجب مقارنة الأوضاع في أوكرانيا بتايوان، وذلك لأن أوكرانيا بلد ذو سيادة تعرض لهجوم من بلد آخر، في حين أن تايوان جزء من الصين ويعترف بها العالم على هذا النحو. إلا أن استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا قد يؤثر على مكانة الصين على الساحة العالمية بالسلب، خاصة مع ارتباط الصين بروسيا، وهو أمر سيئ لصورة بكين الدولية خاصة عند كبار شركائها التجاريين في الغرب.

* كاتب صحفي متخصص في الشؤون الأمريكية

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.