
أحمد مظهر سعدو
تُنتج حالة الحرب المستعرة في سورية من قبل النظام السوري وداعميه الكثير من الحالات الدراماتيكية الملفتة، التي تضع المتابع أمام تساؤلات جمة، من أجل الإمساك بناصية الحقيقة، ومنعرجات الكينونة، التي تؤدي بالضرورة إلى مثل هذه المخرجات الدموية، والتي تميز بها نظام الأسد عبر عشر سنوات خلت من عمر خياره العسكري الأمني، دون الركون إلى أية معطيات إنسانية يمكن أن تثنيه عن هذه الأفعال التي تحفر في القاع المجتمعي عميقًا، وتحيل المسألة برمتها إلى الكثير من تراكم القيح والصديد النازف حيث تصعب معالجته، في القريب والمنظور المستقبلي.
من هذه الحالات ما جرى ويجري لبعض الوطن السوري ومنه مدينة أريحا، في محافظة إدلب، التي تقع جنوب خط M4 وبالقرب من بؤرة الثورة جبل الزاوية، حيث تستريح (هذه المدينة منهكة على سفوح جبل الأربعين، وهو نهايات جبل الزاوية الكبير والممتد،) من جهة الشمال الشرقي، ويقطن فيها هذه الأيام ما ينوف عن 100 ألف من السكان المدنيين، منهم من أهالي المدينة الأصليين، وآخرين جاؤوها نتيجة جريمة العصر، موجات التهجير القسري المتتابعة والمتوالية، التي اشتغل عليها النظام السوري ومن معه، وكان آخرها ما جرى من تهجير قسري لكل من أهالي مدينة معرة النعمان وخان شيخون وأيضًا سراقب وكل الريف الحموي، نتاج موجة العنف والقتل الممنهج التي حصلت بين الاتفاقين المُوقعين في سوتشي الأول بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر 2018) والثاني في 5 آذار/ مارس 2020.
وكانت مدينة أريحا من أوائل المدن والبلدات السورية التي انتفضت في وجه الطاغية، بثورتها السلمية الجميلة، منذ أواسط آذار/ مارس 2011، والتي أحالها النظام إلى دماء ومجازر أنتجت ما أنتجت من مآلات في العسكرة لم تكن خيار الناس هناك بالأصل، بل جاءت كردات فعل مباشرة على مجزرة (المسطومة) عام 2011 حيث كان قد توجه ما ينوف عن 80 ألف سوري من أريحا وجبل الزاوية ليشاركوا في المظاهرة السلمية الكبرى في مدينة إدلب، فلاقاهم النظام في وسط الطريق بين أريحا وإدلب أمام معسكر طلائع المسطومة وقتل من الناس السلميين أكثر من 54 مدنيًا، وخلف مئات الجرحى، مما خلق ردات شعبية لهذا الفعل الشنيع، وحول ثورتهم السلمية إلى التسليح.
في أريحا التي يستهدفها النظام السوري كما استهدف سواها، كانت آخر المجازر السورية التي قام بها النظام بتاريخ 20 تشرين أول/ أكتوبر 2021 وراح نتيجتها 14 شهيدًا و40 مصابًا أكثرهم من أطفال المدارس الذين كانوا صبيحة ذالك اليوم يتوجهون إلى صفوف العلم.
أريحا التي نالها من المجازر الكثير الكثير تجاوزت في عديدها العشرة مجازر، قدمت آلاف الضحايا على مذبح الحرية، وكانت مصممة على مواجهة البغي وعدم الاستسلام، وهي من كانت بموقع أوسط العقد إن صح التعبير، تتلقى اليوم المزيد من القتل والعسف والتهجير والهدم للبنية التحتية، ضمن استهداف النظام اليومي لها، وهو الذي مازال مع روسيا وإيران في موقع المتابع لحالات القضم المتواصل فيما لو أتيحت له الظروف بذلك، لأن السيطرة على أريحا تعني قطع الطريق ومحاصرة كل جبل الزاوية وقراه الكثيرة والمنتفضة، وهي تعني السيطرة على القسم الأكبر من الخط الاستراتيجي المسمى M4 وهي أيضًا تأتي ضمن أتون الاتفاق تاريخ 5 آذار/ مارس 2020 حيث توجب حسب بعض بنوده (إنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولية حلب – اللاذقية “إم 4″، بعمق 6 كيلومترات شمال الطريق ومثلها جنوبه، وبدء تسيير دوريات مشتركة روسية – تركية على الطريق الدولية من بلدة الترنبة (الواقعة غرب سراقب) وصولًا إلى بلدة عين حور (الواقعة في ريف اللاذقية) بحلول 15 آذار/ مارس) ويعني ذلك إفراغ كل ما هو جنوب الخط المذكور من الفصائل المسلحة بكل تلاوينها، وهو مالم يحصل حتى الآن، وتسيير دوريات روسية تركية مشتركة على طول خط M4 من قرية الترنبة بالقرب من سراقب وحتى حدود محافظة اللاذقية، وقد تحركت بعض هذه الدوريات منذ البداية ثم توقفت نتيجة اعتراض الناس على تواجد الشرطة الروسية التي يعتبرونها عدوة لهم، وهي التي أي العسكريتاريا الروسية من جاءت أواخر أيلول/ سبتمبر 2015 وأعادت قيامة النظام السوري من جديد، وهي من تستمر بالقصف عبر طيرانها المنطلق من مطار حميميم.
تُستهدف أريحا اليوم وتُرتكب بحق أهلها المزيد من المجازر، لأهميتها الإستراتيجية وهي التي تبعد عن إدلب 14 كيلو متر فقط، وتحمي ما وراءها من جبل الزاوية ويحميها هو أيضًا، وهي التي يحمل النظام جوانيته كمًا كبيرًا من الحقد المتضخم تجاهها، من حيث أنها تاريخيًا تعتبر من البلدات والمدن الثائرة ضده، منذ أيام الأب حافظ الأسد، ثم مع ثورة الحرية والكرامة، وحتى الآن. وهي التي مايزال الآلاف من أبنائها في سجون النظام، يلاقون ما يلاقي كل أبناء سورية في أقبية النظام القامعة لأي رأي حر.
وإذا كان لا يمكن التنبؤ في سورية بأمرين: «أحوال الطقس والسياسة» كما يقال، فإن أوضاع أريحا بل وكل ما هو جنوب الخط M4 مازال، وقد تكون معه جل محافظة ادلب، في حالة ضبابية في مستقبله ومآلاته، لأن (المؤقت) الذي تحدثت عنه روسيا العديد من المرات، من الصعب أن يصبح دائمًا، إلا إذا حدثت متغيرات كبرى، لا يبدو أنها حاصلة في قادم الأيام أو في المنظور القريب، حيث يرتهن مستقبل الوضع في إدلب بمدى حصول التوافقات الإقليمية والدولية بين كل من روسيا وتركيا، وكذلك روسيا والولايات المتحدة الأميركية، التي مازالت منسحبة إلى حد كبير عن تناول المسألة السورية بشكل فاعل وجدي.
لماذا أريحا؟ سؤال طرح ويُطرح باستمرار، وتبقى الإجابة عليه متمفصلة مع واقع انتفاض وموقف أهالي أريحا وجبل الزاوية، وكذلك موقع أريحا من الخط الاستراتيجي المشار إليه، ومستقبل كل المنطقة جنوب الخط M4 ومنها بالضرورة مدينة أريحا، وكل جبل الزاوية، علاوة على الكم الديمغرافي الكبير الذي يتجمع اليوم في أريحا وينتج ديمغرافيًا ثورية منتفضة ضد النظام الأسدي، وهو الذي يرى فيه خطرًا على وجوده القمعي النافي للحرية والمتعارض مع أي موقف شعبي سوري ينشد الكرامة والحرية.

المصدر: نداء بوست
التعليقات مغلقة.