
جواد بولس *
كان أيلول/سبتمبر قبل /51/ عامًا شهر البكاء والندم، ففيه دفع الفلسطينيون ثمن دخولهم في إغواءات المغامرة الأولى، وفيه بكت الأمة رحيل من أشعل حلم الوحدة المستحيلة. /51/ عامًا مرّت على وفاة جمال عبد الناصر، والعرب ما زالوا يعيشون على أنوف رماحهم، التي ورثوها من عصور الرمل، وفي فيء عباءاتهم الرثة؛ فما يرضي زيدهم يغضب عمّرَهم، تماماً كما نشهد ونقرأ في هذه الأيام، وكلما كانت تستحضر ذكرى وفاة جمال «حبيب الملايين».
كنا طلابًا في السنة الأولى في مدرسة «يني الثانوية» عندما شاع نبأ موت جمال عبد الناصر. معظم تفاصيل تلك الأيام صارت نثاراً في عالم النسيان؛ لكنني مازلت أتذكر كيف تحوّل لون السماء فوق قريتي إلى كحلي، أو أقرب إلى دكنة وجه من مات خنقًا. في الجو ساد صمتٌ رهيب، مازلت أسمع صداه حتى هذه اللحظات. وقفتُ مع أترابي وأذكر كيف أحسست، ولم أعرف وقتها لماذا، بدهشة مَن انشقت الأرض تحت قدميه فصارت هاويته كالقدر المحتوم.
لم أكن مسيّساً ولا من بيت ناشطين حزبيين؛ فوالداي كانا معلمين ينتميان لجيل آمن بمهنة التعليم، واعتبروها رسالة مقدسة، فمارسوها لينشئوا أجيالًا حصينة ونقية، ولكي ينقذوا الناجين من لعنة النكبة والتهجير، ويُخلِصوهم من مشاعر الذل والهزيمة؛ زرعوا فينا، بحنكة الحكماء والصبورين، بذور الكرامة والشغف الكبير للمعرفة وكنز القناعة والاكتفاء، إلا من كل ما يسلب حرياتنا ويجوّف أرواحنا ويعطل عقولنا. علّمونا كيف نكره الظلم والظالمين، وكيف نحب الخير والغير والصالحين؛ ففي ذلك الزمن ذي اللونين عشنا في عالمين وحسب: واحد أسود، يلفه ظلام لعين ويحكمه الأشرار والعابثون، وآخر أبيض من نور مبين ويديره الطيبون والخيرون. لم أكن منظمًا في أي حزب، لكنني كنت ابن والديّ، وفرخًا لجيل احتضنته قرية كانت تزودنا بأشرعة من طيب وريح؛ فكبرنا في حضنها وعلّمتنا، “كفر ياسيف” الجليلية، كما علّمت من قبلنا مَن جاوروا النسور والقمر، نعمة التمرد على السائد الآسن وعلى طقوس الخنوع؛ ودرّبتنا كما تدرّب الأم صغارها على فنون العيش والبقاء، وعلى الفوارق بين علم البيان وفنون الخطابة، وبين تشييد البنيان وأصول الزرع والحصاد والحَطابة. انطلقنا من صفوفنا الخشبية نحو ساحة القرية القريبة، وسرنا، طلابًا وكادحين وفلاحين، وراء «كبارنا» في جنازة لم نكن نعرف وقتها، أن المشيّع فيها ليس «أناناتنا» الفردية والجمعية الثاكلة وحسب، بل، هكذا تبين بعد انجلاء الغيم والغبار، أننا دفنّا، ومعنا معظم العرب «عنقاءنا»، رغم اقتناع البعض بأن ليس كل الأساطير محض خيال!
مازالت الذكرى تثير في نفسي ونفوس الكثيرين حنينًا وطربًا دفينين، فبدونهما تصبح الخيبات قواقع لليأس، ويفقد الإنسان «نونه»، ولا يبقى منه إلّا «الأسى» لعنة. ولكن بين تنفس الذكرى كنسمة في حرير الحنين، ومحاولات البعض إقناعنا بأن الناصرية مشروع حي ونابض ومتقدم على خطى ذلك المارد العربي، الذي نمنا على حفاف جفونه الثائرة، يوجد فرق كبير وخلاف يتوجب علينا التوقف عنده، إذا ما أردنا أن نبقى أبناء الحياة، ونُعبّد من أجلها السبيلا مهما كان عسيراً. قرأت ما كتبه «الناصريون» وشعرت بجمراتهم المتقدة في صدورهم، وقرأت أيضاً لمن يمضغون الناصرية كالقات، إدعاءً ووهماً ومزايدات، وأثارني بعض من يهاجمون الرجل وزمانه، وكأنهم على ميعاد ثأر معه. لجميع من كتب وسيكتب الحق بإبداء رأيه حرًا، ولكن «لم يؤثر بمشاعري أحد مثل جمال عبد الناصر حتى هذا اليوم، فبعد /51/ عامًا على وفاته وما زال الأكثر حياةً». وأن ما بقي عالقًا في العقول من موروثٍ ناصري، تختزله مقولته المجلجلة «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».
نحن بحاجة إلى وضوح في رؤى القيادات السياسية، خاصة وفضاءاتنا العامة وشاشات حواسيبنا وهواتفنا، تعج بما يغرق الناس في متاهات وترهات ومزايدات وترددات من كل الجهات والمنابر؛ فمن يقرأ ما كُتب عن جمال عبدالناصر، معه وضده، يستنتج أن هنالك بلبلة كبيرة بين المعلقين والمعقبين، وهنالك أيضاً قطيعة واضحة بين هذه الأجيال وزمن الناصرية الذهبي؛ ويستنتج أيضًا أن معظم من عبّروا عن مواقفهم، كانوا قد لقنوها أو هندسوها بتأثير تنظيماتهم الحزبية وحركاتهم الدينية والسياسية، ومن دون محاولة ربط مواقفهم بواقعنا الحالي، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، أو إجابتهم على السؤال الأهم: ما دور «الناصرية» اليوم وعلاقتها ببرامجنا السياسية وبوسائل نضالنا؟ وكيف يمكن تجنيدها في مواجهة المخططات التي ترسمها حكومة إسرائيل وتنوي تنفيذها بحقنا؟ جميع هذه الأسئلة بالنسبة لي هي أسئلة استنكارية، أما من يحسبها غير ذلك، فعليه رسم الإجابة.
مازلت أذكر كيف بكيت في أول زيارة لي إلى مصر؛ فعندما بدأت مباني القاهرة تضحك أمامنا كلما اقترب التاكسي من مشارفها، شعرت بأنني أدخل الجنة.. أضعت قلبي، كما أضاعه «عزيزها»، وكدت مثله «من بهجة اللقيا ونشوتها، أرى الدُنا أيكةً والدهر بستانا». وأذكر أيضًا أننا طلبنا، قبل الوصول إلى الفندق، أن نزور ضريح الزعيم جمال عبد الناصر. تسمّرت في حضن الهيية المدفونة. حضرتني مشاهد الجنازة التي أقمناها في “كفر ياسيف”، والأغاني التي حفظناها في «صاحب الصورة» ورددناها في شبابنا، أسوة باغاني العشاق وتباريحهم من حب وجوى؛ وسمعنا صوت نزار قباني يتمتم: «قتلناك يا آخر الانبياء قتلناك».
أكلتنا الحسرة ونحن أمام القبر، الذي يشهد على جهل أمة وعلى ضياع أحلامها، ويبكي على رجل كاد بإيمانه وبعزيمته أن يقبض على شرايين القدر، ويقدم دماءه أزاهير لشعوب أحبها حرة، لكنها نَخت تحت أوزار جهلها وعطلها الخنوع، حتى باتت لا تفرق بين أطواق تدمي رقابها ومعاصمها، وأطواق النجاة والنرجس.
أحببنا ناصرنا بعيدًا عن التفاصيل الخاصة في سنوات حكمه، التي بسببها اختلف ويختلف الفرقاء عليه ومعه؛ وسنبقى نحبه كعطرٍ لوردة خالدة، فهو القائد الشجاع الذي أراد أن يصهر المعجزات كي يقهر الأعداء، ويزرع في بلده المستقبل الآمن؛ ولأنه ابن الحتة، المؤنس الأسمر، الذي جاء مؤمنًا بالإنسان العربي وبعزيمته، ومصممًا على بناء دولة عصرية يحكمها القانون وبأدواته، أو كما قال فيه أحمد فؤاد نجم «فلاح قليل الحيا، إذا الكلاب سابت، ولا يطاطيش للعدا، إذا السهام صابت، عمل حاجات معجزة، وحاجات كتير خابت، وعاش ومات وسطنا، على طبعنا ثابت».
زرت بعدها مصر عدة مرات، ولم أعد لزيارة ضريح عبد الناصر؛ فمصر التي زرناها بعد المرة الأولى لم تعد «تلك التي في خاطري»، والضريح صار معلمًا سياحيًا وشهادة على قساوة القدر الذي أراد ناصر أن يقدمه لأبناء شعبه ضمانة لحريتهم ولكرامتهم، فرفضوه وبقوا كما كانوا من أيام «مينا لأيام عمرو» ومن أيام عمرو إلى أيام سلطان.. وتبقى الناصرية غصة وبرقة وسرابًا..
* كاتب فلسطيني
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.