الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

«جمال حمدان» ونبوءة السد الملعون.. وتظل مصر هي التفرد وهي النيل

سيد الخمّـار *

الحبش يريدون حبس النيل عن مصر مؤامرة واضحة لا تخفي علي أحد، والنيل هو آلهة مصر عاشقها ولن يقبل أن يمنعه كائناً من كان عن السريان حتى يغمر الوادي بالخير والنماء والعطاء، أثيوبيا يسقط عليها 900 مليار متر مكعب من المياه مع ذلك يصفون النيل بالغدار، مصر يذهب لها النيل في 55 مليار متر مكعب فقط، بَنَت بهم حضارة ومجد حير الدنيا، تلك خلاصة القول في رؤى «د. جمال حمدان»، العبقري الذي مرت الذكرى الثامنة والعشرين على رحيله في 17 نيسان/ أبريل الماضي، فارساً حارساً لشخصية مصر، (4 شباط/ فبراير 1928 ـ 17 نيسان/ أبريل 1993م)، وقد حذر ’حمدان‘ في كل كتبة من خيط رفيع لحبل سري صهيوني يريد قطع النيل عن مصر، وقال هناك بلاد إفريقية سوف تستأسد على مصر إلى حين ستبني سداً كبيراً، إن جغرافية وتاريخ وموقع مصر تتلخص في حقيقة واضحة؛ إما أن تكون مصر إمبراطورية دفاعية تخرج خارج حدودها لتأمين موقعها، وإما أن تكون مستعمرة من خلال الكمون الداخلي أو الانكفاء على الداخل، وليس هناك بديل ثالث؛ لأن موقع مصر أشبه بفيلا أنيقة وحيدة على النيل، إذا كان أصحاب الفيلا أقوياء ينتشرون خارجها للدفاع عنها، أما لو كانوا في حالة كمون داخلي فلن يتركهم الآخرون، وتكون مرحلة المستعمرة أو التبعية، وهنا ليس المقصود احتلال عسكري مباشر، ولكنه نفوذ وتأثير في كل ما يحيط بنا بشكل أو بآخر، والتاريخ المصري كله يؤكد هذه الحقائق.

«ناصر» الوحيد الذي فهم جغرافية مصر وشخصيتها:

يقول ’حمدان‘ في تحفته الفريدة ’’شخصية مصر‘‘: «إن الجغرافيا هي تلك التي إذا عرفتها عرفت كل شيء عن نمط الحياة في هذا المكان أو ذاك»، مصر هي من خلال السلطة الدائمة لنهر النيل ودوره في التطور الحضاري، وكيف خلق النيل تجانساً وتناغماً حضارياً بين كل أقاليم مصر من شمالها لجنوبها، ويشير ’حمدان‘ بوضوح إلى أن «الشعب فاعل والحاكم مفعول به وليس العكس، وأن الطغيان لا يصنعه الطاغية وإنما الشعب هو الذي يصنع الطاغية والطغيان معاً، فمصر أعرق دولة سياسية في التاريخ، ولكن وأسفاه أعرق دولة في الديكتاتورية أيضاً».

ويضيف: إننا في هذه المرحلة في حاجة ماسة إلى فهم كامل لوجهنا ولوجهتنا، لكياننا ومكانتنا، لإمكاناتنا وملكتنا، لنقائضنا ونقائصنا، وكل أولئك بلا تحرج أو تحيز، ولا هروب، فليس كتابي هذا دفاعاً عن مصر، ولا هو محاولة للتمجيد، إنما هو تشريح علمي موضوعي يقرن المحاسن بالعيوب على حد سواء، ويشخِّص نقاط الضعف والقوة، إن مصر تتحول لأول مرة من تعبير جغرافي إلى تعبير تاريخي بعد أن ضاقت أمامها الخيارات.. ليس بين السيء والأسوأ وإنما بين الأسوأ والأكثر سوءاً، ويصف بقاءها واستمرارها: بأنه نوع من القصور الذاتي، ويرى أن مصر “تهرب من المستقبل الأسود.. بل من الحاضر البشع إلى الماضي التليد.. لأول مرة في التاريخ يتغير مكان مصر في العالم ومكانتها إلى الأسفل فتجد نفسها لأول مرة في وضع من العالم لم يسبق من قبل وهو أنها كيان منكمش في عالم متمدد.. أنها كيان متقلص في عالم متوسع” لكنه يستبعد ما يصفه بمشاريع إسرائيل والصهيونية والغرب لتفتيت مصر ويعتبر هذا نوعاً من السفه والجنون.. ويعزو ذلك “لأن مصر أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم غير قابلة للقسمة على اثنين.. مصر السياسية هي ببساطة من خَلّقْ الجغرافيا الطبيعية.. إنها نبتٌ طبيعي بحت” والفرق بين مصر وبعض الدول المحيطة أن الأخيرة أصبح عندها فائض قوة أما مصر فلديها “فائض أزمة تغرق بها داخل حدودها” مضيفاً أنه بقيام إسرائيل عام 1948 فقدت مصر ربع دورها التاريخي ثم فقدت نصف وزنها “بهزيمة 1967 ثم فقدت بقية وزنها جميعا في كامب ديفيد”.. مصر الآن خشبة محنطة مومياء سياسية كمومياواتها الفرعونية القديمة ولا عزاء للخونة والأغبياء.. ويرى أن الرئيس المصري الأسبق “جمال عبد الناصر” “أول وللأسف آخر” حاكم يعرف جغرافيا مصر السياسية وأن “الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون.. أنت مصري إذن أنت ناصري.. حتى لو انفصلنا عنه (عبد الناصر) أو رفضناه كشخص أو كإنجاز.. وكل حاكم بعد “عبد الناصر” لا يملك أن يخرج على الناصرية ولو أراد إلا وخرج عن المصرية أي كان خائناً” لأن الناصرية في رأيه قدرُ مصر الذي لا يملك مصري الهروب منه.

شخصية مصر هي التفرد:

يقول «جمال حمدان» خلاصة الكلام عن المحروسة: “في كلمة واحدة شخصية مصر هي التفرد”.. ومن منظور الجغرافيا يسلم بأن كل إقليم أو بلد هو يقيناً متفرد إلى حد أو آخر- لأن الجغرافيا لا تكرر نفسها-، ثم يوضح أن واقع الأمر بعد ذلك هو أن درجة التفرد هي التي تختلف.. وهنا كما يخلص “تأتي مصر بكل سهولة على القمة.. قمة التفرد”, وتلك حقيقة عبقريتها الإقليمية.. ويقدم ’حمدان‘ نظريته العامة في تفسير هذه “الشخصية الفلتة” أنها محصلة التفاعل بين الموضع والموقع.. وأما الموضع- وهو ما يهمنا من منظور دور النيل في تكوين مصر- فهو البيئة النهرية الفيضية وجسم وادي النيل, ليتفق ’حمدان‘ مع ما خلص إليه “أحمد فخري” مؤلف «مصر الفرعونية»: “لقد استمدت مصر شخصيتها الحقة من شخصية أرضها ونيلهـا”.

وشخصية مصر عند «جمال حمدان» تجسّد مثال النهر الكامل, هي البيئة النهرية بامتياز, وبالتحديد نموذج البيئة الفيضية المطلق, بل هي بكل سهولة “أكثر الفيضيات فيضية” في الدنيا.. فأكثر من أي بلد آخر, حياتها كلها هي النهر, لا وجود لها بدونه.. ويعلن أنه سواء كانت هبة النيل, هبة النيل الأزرق, هبة الفيضان, هبة التحاريق أو الشراقي, هبة الفلاح أو هبة المصريين, فإن مصر تظل في التحليل الأخير هي النيل.. وهي, بعد, عالم الري الصناعي التام وتجسيم بيئة الري المطلقة والمجتمع الهيدرولوجي البحت.. بل إن مصر من الناحية العملية تِرعـة, أكثر مما هي أو بقدر ما هي نهر.. حسبك فقط أن شبكة تِرعهـا والمصارف ليست أول وأقدم ما في العالم فحسب, وإنما كذلك أكثفها إلى اليـوم، حيث لا مثيل لأطوالها بحسب المساحة أو السكان.. إنها ببساطة ابنة الري جغرافياً, وإن كانت أمه تاريخياً.

وفي بيئة الري, حيث ارتفاع أو انخفاض منسوب الماء سنتيمتراً واحداً قد يحدد الخط الفاصل بين الحياة والموت, كذلك لا تقل التربة الفيضية, المنقولة المتجددة, تركيزاً في خصوبتها, حتى غدت مضرب الأمثال بل وتحولت بالمبالغة إلى أسطورة أحياناً.. وبعد هذا أو قبله كثافة المياه: فمصر النيلية هي ببساطة مجمع وجماع هيدرولوجية حوض النيل جميعاً, هي الوريث الطبيعي والشرعي لصافي إيراده, وإليها آلت كل ثمار شبكة روافده الهائلة وفيضاناته التراكمية.. ولا عجب, والحالة هذه, أن تكون الزراعة المصرية من أكثف وأغنى الزراعات في العالم تقليدياً, مثلما هي من أقدمها وأكثرها استقراراً وثباتاً على مر العصور, ولا عجب كذلك أن يأتي الغطاء البشري من عمران وسكن وسكان أشبه بإرسابة بشرية سميكة مكثفة لا تعرف التخلخل ولا الفجوات.

وبمثل ما أن مصر دولة النهر الأولى فإنها دولة الصحراء الأولى في العالم.. إنها مثال الصحراء التامة, حيث تعد أكبر وأكثر الدول صحراوية في العالم بلا استثناء بمعيار المساحة النسبية للصحراء.. فمصر في حكم الواحة الصحراوية: إنها شبه واحة, لا تعتمد على المياه الجوفية كما لا تعتمد على المطر.. إنها ماءٌ بلا مطر, تجمع بين نقيضتي الجفاف والحياة.. وفي الوادي لا سيما الدلتا, تختلط التضاريس الطبيعية بالتضاريس الصناعية إلى أبعد حد, ففي بيئة الري الصناعي تحول الإنسان المصري إلى عامل جغرافي فاعل, يغير ويشكل ويعيد تركيب “اللاندسكيب” الطبيعي باستمرار.. فبآلاف الترع والمصارف المحفورة, بضفافها المصنوعة, بسدودها وقناطرها العديدة, وبالتسوية الصناعية الحتمية للحقول, يخرج اللاندسكيب بشرياً بقدر ما هو طبيعي.. إن مصر الفيضية هي بالضرورة والتراكم بيئة مصنوعة بقدر ما هي مطبوعة, ومصنوعة “باليد” علي وجه الدقة.. وداخل هذه البيئة يبدو كل شيء في مصر مكثفاً إلى أقصي حد, مضغوطاً متضاغطاً على نفسه بشدة, ابتداءً من التضاريس نفسها إلى السكان مروراً بالتربة والمائية والزراعة والسكن وسائر عناصر الحياة الماديـة.

والنيل جغرافي مصر الأول وربما الأوحد, إنه النهر الجغرافي بامتياز.. والوادي عصب كل شيء في مصر.. ومصر الوادي من حيث التضاريس مجرد خدش بسيط ضحل علي صفحة الصحراء.. ومنذ فجر التاريخ تبدو مصر الوادي كأنبوبة مغلقة مكتظة بالسكان, وتبدو مكدسة كغابة متراصة من البشر في أرخبيل غاص بالحلات والقري والمدن.. وكما كانت مصر القديمة تفوق في عدد سكانها معظم بلاد العالم المعروف وتعادل وحدها العديد منها, فإن كثافة السكان في مصر الحديثة تعادل أو تفوق, وأشدها تزاحماً.. ومن الأساس الطبيعي والقاعدة الأرضية, إذن, إلى الهيكل الاقتصادي إلى الغطاء البشري والصرح الحضاري, مصر بكل سهولة وبكل تأكيد كثافة لا مساحة, مكثفة مركزة بلا حدود وبلا هوادة.. ويبدو الوادي غير قابل للنمو جغرافياً إلا بالكاد وفي أضيق الحدود, ولكنه مع ذلك ينمو باستمرار وبتسارع, وإنما رأسياً إلى أعلى لا أفقياً على الجانبين.. فسواء في الزراعة واستغلال الأرض والمحاصيل والإنتاج أو في السكن والسكان في مدن أو كثافة, بل حتى في سمك طبقة الطمي النيلي ذاته, فإن كل ما يفعل النمو كوظيفة للزمن هو أن يرفع الكثافة ويزيدها تكثيفاً على تكثيف.. والتجانس بعد التكاثف تلك يقيناً هي الكلمة المفتاح في تكوين مصر.. فرغم عديد الفروق الموضعية والمحلية والإقليمية, يسود أجزاء الوادي قدر غير عادي من التشابه طبيعياً ومادياً وبشرياً.. ففي هذه البيئة الفيضية, النهر هو موزع كل شيء وضابط إيقاع كل شيء: الغرين والماء, التربة والخصوبة, الطبوغرافيا ذاتها, الزراعة والإنتاج, العمران والسكان.

محمد منير “النيل” من فيلم البحث عن “توت عنخ امون”:

ويسلم ’حمدان‘, عالم الجغرافيا العظيم، مؤلف ’’شخصية مصر؛ من منظور عبقرية المكان‘‘, بأنه ليس هناك حتم جغرافي, ثمة فقط حسم جغرافي.. وإثارة الحتمية الجغرافية بغير مبرر عند كل منعطف تكاد تعد نوعاً من الإفلاس الفكري.. ولكن سرعان ما يستدرك حمدان مؤكداً أن استنكار الحتمية الجغرافية لا ينبغي من الناحية الأخرى أن يتطرف إلى إنكار حد أدنى من الفاعلية الجغرافية نفسها, لأنه إنكار للسببية العلمية برمتها, وبالتالي هروب غير علمي وهدم.. وعندنا باختصار أن الجغرافيا عامل مهم في تفسير الحياة والحضارة والتاريخ في مصر, ولكنها بالتأكيد ليست العامل الوحيد, فلا مكان في العالم الاجتماعي للأحادية, ولا هي العامل الأهم بالضرورة، وإن كان لنا أن نقرر بأمانة أننا كأمر واقع لا نعرف بعد تلك الدراسة غير الجغرافيا.. تعالج وتغطي وتفسر شخصية مصر بطريقة علمية مقنعة وجامعة مانعة.. وسواء أكانت الحضارة البكر الخلاقة بوادي النيل في مصر من خلق النيل المعلم أو الفلاح المصري الملهم, فإنها ثمرة الزواج الموفق السعيد بين أبي الأنهار وأم الدنيا.. ومصر البلد الوحيد الذي يلتقي فيه النيل بالمتوسط, الأول أوسط أنهار الدنيا موقعاً وأطولها وأعظمها, والثاني أوسط بحار الدنيا, سيد البحار وأعرقها.. إنه لقاء الأفذاذ جغرافياً: أبو الأنهار وأبو البحار, مهدُ الفلاحة ومدرسة المِلاحة, نهر الحضارة وبحر التاريخ، أو نهر التاريخ وبحر الحضارة، سيان.. وبهذا اللقاء, مع التحام القارتين وتقارب البحرين, فكأنما كل أصابع الطبيعية تشير إلى مصر وكأن خطة علوية عظمى قد رتبها “الجغرافي الأعظم” لتجعل منها قطباً جغرافياً أعظم في العالم القديم.. وبالفعل تحقق الوعد الجغرافي تاريخياً, فكانت حضارة مصر النيل الفرعونية, الحضارة الأولى في التاريخ, الرائدة والمشعل.. وسواء أكانت صدفة سعيدة أو نتيجة حتمية, فتلك ملحمة جغرافية ترجمت إلى ملحمة حضاريـة.

* كاتب صحفي مصري

المصدر: أصوات أونلاين

التعليقات مغلقة.