الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

وفاة بوتفليقة.. والدرس التاريخي

عزت الشيخ سعيد *

توفي الرئيس الجزائري الأسبق، عبد العزيز بوتفليقة، عن عمر يناهز ال 85 عاماً، بعد أن بقي في السلطة لمدة 20 عاماً (4 ولايات متتالية، وكان يستعد للترشح للولاية الخامسة، لولا أن فاجأه الشعب الجزائري بربيعه، ليجبره على التراجع عن الترشح لولاية خامسة).

انتسب بوتفليقة لجبهة التحرير الجزائرية، بعد حصوله على الثانوية العامة، وكان عمره لا يتجاوز التاسعة عشر عاماً، واستلم في مرحلة النصال الوطني عدة مناصب نضالية، وبعد الاستقلال مباشرة عام 1962، تولى عدة مناصب، أهمها عضوية المجلس التأسيسي، ثم وزارة الشباب والرياضة والسياحة، وبعدها منصب وزير الخارجية (كأصغر وزير يستلم هذا المنصب عالمياً، ولم يكن يتجاوز الـ 25، وبقي فيه لمدة 15 عاماً) .

شارك مع بومدين في الانقلاب على الرئيس الراحل أحمد بن بلا (زعيم جبهة التحرير، وأول رئيس للجزائر بعد الاستقلال) عام 1965 حيث كان من التيار المحسوب على بومدين.

بعد وفاة بومدين أواخر عام 1978، غادر البلاد ليعيش في أوربا والإمارات، ليعود بعدها ويترشح لمنصب الرئاسة عام 1999.

في فترته الرئاسية الثانية، أصيب بمرض أدى لنقله إلى فرنسا للعلاج، وبقي في مشفاه أكثر من شهر، عاد بعدها إلى البلاد لتبدو عليه ملامح المرض والضعف، وليصر على الاستمرار في عمله كرئيس.

وفي فترته الرئاسية الثالثة، أصيب بجلطة دماغية، ونقل لفرنسا للعلاج ليعود على كرسي متحرك.

بكل تأكيد لم يعد بعد انتهاء فترته الرئاسية الثالثة قادراً على ممارسة عمله ومهماته، ولكن تحالف الفساد بين العسكر والفاسدين والعلاقات الأسرية- يقال ان أخاه الأصغر “سعيد” هو من يتخذ القرارات- أصروا على استمراره في منصبه، ليستمروا هم في فسادهم وغيهم واستمرارهم في مواقعهم السلطوية، لتحقيق مكاسبهم الشخصية.

الدروس المستخلصة:

1 – إن التاريخ النضالي والوطني لأي إنسان لا يعفيه من المسؤولية والمساءلة التاريخية والقانونية أيضاً، وخاصة عندما يكون في قمة هرم السلطة، والمسؤول عن كافة القرارات والقوانين الصادرة عن الدولة التي يرأسها.

كان من المفروض وهو يملك القدرة على اتخاذ القرار، أن يصر على استصدار قانون يمنع الترشح لأكثر من ولايتين متتاليتين، ويبرأ بنفسه من الترشح لولاية ثالثة؛ وأما رفعه شعار (المصالحة الوطنية) لم يُعفه من ملاحقة الفساد المستشري في مفاصل الدولة والمجتمع.

2 – أن الدولة باعتبارها شخصية اعتبارية، يمثلها في التطبيق المؤسسات الثلاثة (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وعدم الفصل الحقيقي والفعلي بينهم يؤدي لخرابهم جميعاً، بسبب تسيّد وتغول السلطة التنفيذية، والتي تكون بيد المكوّن الأقوى والأكثر تنظيماً- الجيش والمؤسسات الامنية- وبغياب تمثيل حقيقي وفعال للشعب، والذي لا يعرف في الانتخابات- وهي واحدة من تمثيلات الديمقراطية- سوى صور المرشحين وأسمائهم، والذين ما أن يصلوا إلى البرلمان، حتى ينسوا وعودهم الانتخابية، ويبدؤوا بالعمل لصالحهم الشخصي، عبر شبكة من الفساد المستحكم.

3 – لا يملأ الفراغ بين الدولة والمجتمع، سوى مؤسسات المجتمع المدني، الأحزاب والنقابات والجمعيات الخ… وهي أيضاً شخصيات اعتبارية تسعى لتمثيل الشخصيات الطبيعية، والعمل على تحقيق مصالحهم والأهداف المشتركة بينهم، وبغياب مؤسسات المجتمع المدني، يملأ الأشخاص الطبيعيون ذلك الفراغ، وهم بكل تأكيد يسعون لمصالحهم، بعيداً عن رقابة المجتمع المغيب أصلاً عن مواقع اتخاذ القرارات وتنفيذها، وهنا ينشأ الفساد.

هذه الحالة التي تعيشها شعوب ودول العالم الثالث، وبلادنا العربية منها، تجعل الدولة رهناً بيد أصحاب السلطة (رأس كبير متوحش يسيطر على جسد ضعيف يعمل لصالحه).

4 – لم يستطع ربيع الجزائر- الذي اندلع عام 2019، رافضاً ترشح بوتفليقة لولاية خامسة، والذي استطاع فقط إجبار بوتفليقة على التراجع عن ترشحه، ليستلم من بعده وزيره الأول (عبد المجيد تبون) الرئاسة عبر انتخابات هزيلة- من الوصول إلى غاياته وأهدافه بإقامة دولة وطنية مدنية ديمقراطية تسعى نحو مستقبل واعد للأجيال القادمة، ولا التخلص من إرث الفساد القاتل، ولا اخضاع مؤسسة الجيش للحكم المدني، ولا القضاء على الدولة العميقة، والتي تعني بقاء مؤسسات الضبط والربط على حالها، والتي بقيت هي صاحبة القرار، تماماً كما حصل في مصر وتونس، ولكل تجربة خصوصيتها بكل تأكيد، ولكن كل شيء يؤثر ويتأثر بكل شيء (أحد قوانين الجدل الهيغلي) .

5 – نختم في النهاية بجزء من مقالة (بعض النقاط الأساسية) للمفكر والفيلسوف والثائر الطلياني أنطونيو غرامشي:

’’عندما يظهر العجز عن امتلاك المبادرة في النضال، وينتهي النضال نفسه إلى أن يصبح سلسلة من الهزائم، تصبح الحتمية الميكانيكية قوة هائلة من الصمود النفسي، للتمسك وللمواظبة الصابرة العنيدة.

لقد هزمنا مؤقتاً، ولكن قوة الأشياء تعمل لصالحنا على المدى الطويل، عندها تلبس الإرادة الحقيقية لبوس فعل الإيمان بقدرية التاريخ‘‘.

التعليقات مغلقة.