الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عقدان على 11/9: علم نفس الترهيب والتعذيب

صبحي حديدي *

متاحٌ للمرء، حتى في إحياء الذكرى العشرين لهجمات 11/9 الإرهابية على نيويورك وواشنطن، أن يضع جانباً شؤون أفغانستان الراهنة وانتصار الطالبان السريع والصاعق؛ رغم أنّ كلّ الاعتبارات الجيو ـ سياسية والعسكرية والأمنية والتاريخية تفرض الملفّ الأفغاني بالنظر إلى الصلات الوثيقة مع حدث 11/9 وما أعقبها من إطلاق «الحرب على الإرهاب» وغزو أفغانستان والعراق، وصعود عقائد المحافظين الجدد في أمريكا طولاً وعرضاً، وفي قلب البيت الأبيض والبنتاغون والمخابرات المركزية ووزارة العدل وسواها. متاح هذا، إذن، حين يصبح من الإنصاف البسيط الذهاب إلى تلك الجوانب الأخرى من السيرورة ذاتها، والتي قد لا تتصدر المشهد بالضرورة وإنْ كانت لا تقلّ عن الحرب والغزو والاجتياح في إلحاق الأذى.

كُتب الكثير عن آثار «الحرب على الإرهاب» في أمريكا ذاتها، عبر مسمّى الـPatriot Act الذي صوّت عليه الكونغرس في أعقاب هجمات 11/9، ويمنح أجهزة الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي وأجهزة الاستخبارات المختلفة صلاحيات غير مسبوقة في التجسس والتنصت والمراقبة والتفتيش، لمجرد الاشتباه البسيط ومن دون تخويل قضائي. ولقد كان القانون يعزّز، أو بالأحرى يكرّس أكثر من ذي قبل، ثقافة عريقة في انتهاك الحقوق المدنية والدستورية شغل دعاتُها مواقع عليا في الجهاز التشريعي، في الكونغرس وفي المحكمة الدستورية العليا؛ كما في المحاكم ومكاتب التحقيق الفدرالي وأقسام الشرطة؛ فضلاً، بالطبع، عن رأس الهرم في البيت الأبيض ذاته، كما في التصريح الشهير للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، بأنه إنما يمارس حقّه «العسكري» في التنصت الهاتفي على الأمريكيين من دون أذن قضائي، باعتباره قائداً أعلى في زمن الحرب!

إلا أنّ القليل فقط افتُضح حول ملفّ بالغ الخطورة، شائك بقدر ما هو حساس، يتصل بعلم النفس الأمريكي، ودوره في تغذية اثنين على الأقلّ من الجوانب الأكثر قتامة في ملفات «الحرب على الإرهاب»؛ سواء على صعيد علماء نفس أفراد هنا وهناك في أجهزة الدولة أو العيادات والمشافي العامة والخاصة، أو على مستوى جماعي أوسع نطاقاً يشمل الهيئات والجمعيات والروابط ومراكز الأبحاث والاختبارات. الجانب الأول هو الترهيب، بمعنى ممارسة التنكيل النفسي على «المشتبه به» ضمن تعريف فضفاض منفلت من أي تشخيص ملموس، حيث يختلط التهديد والوعيد بالترغيب والإغواء؛ والجانب الثاني هو التعذيب، تحت لافتات شتى أبرزها تلك التي مُنحت صفة «تقنيات التحقيق» سواء مورست داخل معتقل غوانتانامو أو معسكر باغرام، أو في معتقلات «مستأجرة» أو «طيّارة» لدى هذا النظام الاستبدادي أو ذاك، أو حتى في داخل بعض المعتقلات الأمريكية ذاتها.

ولقد توجّب أن تنتظر أمريكا، وسائر العالم المعنيّ بأهوال «الحرب على الإرهاب» حتى العام 2014 سنة صدور كتاب «بأيّ ثمن: الجشع، القوّة، والحرب بلا نهاية» لصحافي التحقيقات الأمريكي جيمس رايزن؛ حتى تتكشف بعض تفاصيل التورّط القذر لقيادات وعدد من أفراد «الرابطة السيكولوجية الأمريكية» APA، المنظمة الأكبر عالمياً للمشتغلين بعلم النفس. ولم يتوقف المتورطون عند مساعدة المخابرات المركزية الأمريكية في عمليات التحقيق التي تنطوي على تقنيات تعذيب شتى، فحسب؛ بل أصدرت قيادة الرابطة كرّاس العمليات المشؤوم الذي حمل عنوان «الأخلاق النفسية والأمن القومي» الذي سيُعرف اختصاراً باسم PENS ويدخل التاريخ كواحد من أسوأ سقطات علم النفس في التواطؤ مع جرائم الحرب.

تتمة الحكاية أنّ قيادة الرابطة رضخت لضغوطات الرأي العام بعد الانتشار الواسع الذي لقيه كتاب رايزن، كما انحنت أمام تزايد الانشقاقات والاحتجاجات داخل صفوفها، فوافقت على إجراء تحقيق مستقلّ دام شهوراً وانتهى إلى الاستنتاج بأنّ قيادة الـAPA تعاونت بالفعل، علانية نادراً ولكن سرّاً مراراً وتكراراً، مع المخابرات المركزية وقدّمت «النصح» و«الإرشاد» إلى أجهزة التحقيق والتعذيب، فخانت بذلك شرف المهنة.

وإذا كانت تلك الأجهزة الأمريكية تؤدي وظيفة حكومية وأمنية واستخباراتية أجازت الكثير من طرائق الاستنطاق غير المشروعة، عبر تقنيات التعذيب المتنوعة، فاستحقت بذلك صفة إرهاب الدولة الذي يعتمد الترهيب والتعذيب؛ فإنّ رجال ونساء الـAPA اقتفوا الدروب ذاتها، فمارسوا ما يجوز توصيفه تحت خانة الإرهاب السيكولوجي، ضمن ثنائية الترهيب والتعذيب ذاتها. وكان «تقرير هوفمان» نسبة إلى دافيد هوفمان القاضي المستقل الذي تولى التحقيق طوال سبعة شهور، قد صدر في صيف 2015، ووقع في 542 صفحة سردت وقائع مذهلة لا تقتصر على تورط رجال ونساء الرابطة في أبشع أنماط تبرير التعذيب أو حتى تجميله، فحسب؛ بل إن التواطؤ انطوى على حالات فساد مالي مذهلة، كما في الرأي الذي أفتى به أحد هؤلاء من أنّ الحرمان من النوم لا يدخل في إطار التعذيب، ليحصل صاحب الفتوى من الشركة التي تتعهد عمليات التحقيق على قطعة أرض واستثمار دسم! إلى ذلك، كان اثنان من رؤساء الرابطة السابقين على لائحة لجنة استشارية تابعة للمخابرات المركزية، تدفع لمستشاريها أتعاباً سخية؛ وكان رئيس «دائرة الأخلاق» في الرابطة هو أحد كبار ناصحي أجهزة التحقيق، وله في تبرير نصائحه صولات وجولات أين منها مداخلات سيغموند فرويد أو جاك لاكان!

صحيح أنّ الصدمة هزّت أركان الـAPA فتعاقبت الاحتجاجات والانسحابات والاستقالات، وأصدرت الرابطة اعتذاراً رسمياً علنياً، وترددت الصداء على نطاق عالمي وحيثما توجب أن يندى جبين مشتغل بعلم النفس خجلاً؛ إلا أنّ ملفات التعذيب ذاتها بقيت طيّ الكتمان، بمعنى أنّ اعتماد تقنيات التعذيب ذاتها التي رخّصتها الـAPA لم تتوقف، والكثير منها تزايد وتفاقم وتحصّن بحماية وصمت/ موافقة أكثر من رئيس على طراز بوش الابن أو جاء بعده رافعاً رايات نقيضة. هذه حال باراك أوباما، أوّل رئيس أفرو ـ أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة وسليل قرون من الاستعباد والإذلال والتمييز العنصري والتعذيب، والذي يُفترض أنه قرأ، أو سمع، بالكثير عن ملفات التعذيب في إدارتَي بوش الابن، قبل أن يتعهد خلال حملته الانتخابية بكشف النقاب عنها ووضع حدّ لها.

وكما كانت عليه حال رجال ونساء الـAPA، لم تصدر «مذكرات التعذيب» عن أمثال ألبرتو غونزاليس وزير العدل في إدارة بوش الابن، أو من جاي بايبي أو دونالد رمسفيلد من رجال الإدارة، فحسب؛ بل جاءت من أمثال جون يو، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا، الذي زوّد الإدارة ــ هو المتعاقد مع وزارة العدل ــ بالمسوّغات القانونية التي تفسح المجال أمام التلاعب على اتفاقية جنيف! فما الذي فعله أوباما؟ لقد تجاهل كلّ الأصوات التي طالبته بالوفاء بتعهداته، ورفض الذهاب خطوة أبعد نحو تعيين قاضٍ مستقلّ للتحقيق في المسؤولية عن «مذكرات التعذيب» تلك، حتى انه لم يكلّف نفسه عناء البحث عن ذريعة سوى الحفاظ على «مبدأ الإجماع» في مسائل الأمن القومي الأمريكي؛ الأمر الذي تساوى فيه مع معظم الرؤساء الأمريكيين السابقين، أو لم يختلف حوله مع بوش الابن.

في عبارة أخرى، وعود على بدء بسيط المنطق وجليّ المظهر، ثمة في صلب الثقافة السياسية الأمريكية ما يسوّغ اللجوء إلى خلائط كهذه، تُرهب وتعذّب في ذروة مزاعمها حول محاربة الإرهاب ونبذ التعذيب. وإذْ تبدأ أوامر التنفيذ من رجال على شاكلة بوش أو دونالد رمسفيلد أو العميد جانيس كاربينسكي قائد فوج الشرطة العسكرية في العراق أوّل الاحتلال؛ فإنّ استكمال المهمة القذرة هذه يحتاج إلى أمثال الـAPA وعلوم نفس الترهيب والتعذيب، سواء بسواء.

* كاتب وباحث سوري

المصدر: القدس العربي

التعليقات مغلقة.