الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

قضية «بيغاسوس».. المشكلة ليست في التجسس

توفيق رباحي *

الصدمة التي أصابت المنطقة العربية في قضية «بيغاسوس» نابعة في جزء كبير منها من كون التهمة تحوم حول أطراف كانت إلى حد الآن فوق الشبهات. لقد تعوَّد العالم على فضائح تجسس الكبار بعضهم على بعض، أو على الصغار. أمريكا لهم سجل أسود في هذا المجال، ومثلها روسيا والصين والحكومات الأوروبية، وكذلك إسرائيل.

ولأن قضية «بيغاسوس» خارج المألوف، ستجد الأطراف المتهمة وحلفاؤها صعوبة كبيرة في إثبات براءتها. وستحتاج إلى وقت طويل وجهد استثنائي. والنتيجة حتما غير مضمونة. القضية تنطوي على الكثير من عوامل الحرج، في مقدمتها استعمال برنامج إسرائيلي الصنع سيئ الصيت في التجسس المفترض. لو كان «سلاح الجريمة» أمريكي الصنع، مثلا، كانت الصدمة ستكون أقل وقعا. ويكمن الحرج أيضا في كون التجسس المفترض طال جهات كثيرة، بعضها تُصنَّف ضمن الحلفاء كما هو الحال مع المغرب والرئيس إيمانويل ماكرون، وأخرى لا تُشكِّل خطرا قوميا أو استراتيجيا، مثل بعض الصحافيين والناشطين.

لو أن التجسس طال فقط صحافيين وناشطين وسياسيين محليين، مهما علت مراتبهم، كان الأمر سيبقى قابلا للدفاع عنه لأن كل دول العالم لديها أدواتها وطرقها في مراقبة مجتمعاتها، وأولها التجسس. غير أن الأمر في حال «بيغاسوس» فاق التوقعات. لن يكفي بيان رسمي محتشم يُكذّب التجسس أو ينفي الحصول على برنامج «بيغاسوس» أصلا. ولن يفيد دفاع «محلل سياسي» يدّعي الحياد في استوديو تلفزيوني أو إذاعي. القضية كبيرة وخطيرة، ولأنها أيضا لا تزال في بدايتها، فالعالم مقبل بلا شك على مزيد من المفاجآت.

إذا كانت المخابرات المغربية أو السعودية أو المكسيكية أو الهندية قد «فعلتها» حقا، فالإصرار على النفي لا يكفي ولن يجدي. سيكون من الحكمة معالجة الموضوع داخليا وعاجلا بالتضحية ببعض الرؤوس (كما هو الحال دائما في مثل هذه المواقف المحرجة) وإيجاد صيغة مُرضية لإصلاح الأمر مع الأطراف التي استهدفها التجسس وانتُهكت خصوصياتها.

هناك أكثر من سبب يجعل رحلة إثبات البراءة طويلة وشاقة. وأيًّا كانت نتيجة الجهد، سيبقى الموضوع نقطة سوداء في العلاقات بين الأطراف المتهمة والضحايا، أشخاص أو أجهزة، خصوم أو حلفاء. هناك ثقة انكسرت يصعب جبرها بسرعة. ليست المشكلة في التجسس كفعل شكَّل منذ الأزل جزءا من حياة الأفراد والمجتمعات، محركه الفضول والرغبة في المعرفة والخوف من الآخر والاستعداد للطوارئ.. إلخ. وأنت تقرأ هذه السطور، هناك دول وجهات تتجسس على دول وجهات أخرى. حتى داخل الدولة الواحدة هناك جهات تراقب أخرى وتتنصت عليها بداعي المصلحة الوطنية العليا. بين الدول هناك أنواع من التجسس.. الاقتصادي والعلمي والعسكري والسياسي والشخصي. كلها تقريبا معروفة ومقبولة في عالم اليوم، والامتناع عن ممارستها هو الشذوذ عن القاعدة وليس العكس. الإشكال يكمن في الطريقة والأسلوب، وفي اختيار التوقيت والهدف بذكاء، وفي التوقف عن «الفعل» عندما يجب التوقف. هذا ما يصنع الفرق ويصنِّف عملية استخباراتية ما: إما عمل وطني مجيد أو فضيحة يُندى لها الجبين.

إذا ثبت أن الجهات الأمنية والاستخباراتية التي تُتهم باستعمال «بيغاسوس» قد استعملته فعلا على هذا النطاق الواسع، فهي أولاضحية نفسها. ما من شك أنها أساءت التقدير وأفرطت في الثقة في النفس. ربما اعتقادًا أن «بيغاسوس» من الدقة والفعالية بحيث يستحيل كشفه، أو ثقةً في أن القائمين على العملية من الكفاءة بحيث يمكنهم تجاوز كل الأخطار التي تنطوي عليها المغامرة.

في كل الأحوال هو أمر يستحق المساءلة. كان يجب على قادة الأجهزة الاستخباراتية، وفي مقابل ثقتهم الزائدة في أنفسهم، أن يدركوا أن العالم لم يعد محصَّنا، وأن أي عملية سرية مصيرها الكشف يوما لخطأ ما، أو على يد عنصر غاضب أو متمرد أو استعاد ضميره. كان يجب اعتبار إدوراد سنودن وقصة هروبه نموذجا وأنه ليس حالة استثنائية. وكان يجب الوثوق أن سنودن لن يكون الأخير في ما فعل. وكان يجب تذكّر أن في مقابل الدول والأجهزة ومغامراتها، هناك جهات ومنظمات أهلية وإعلامية تعمل ليلا ونهارا لفضح ما تعتبره خطرا وجعل العالم أقل خطورة وفلتانا، من وجهة نظرها.

شدَّ المغرب الانتباه إليه في هذا الموضوع أكثر من غيره. يبدو أن للأمر علاقة بالجهات التي يُشتبه أن أجهزته استهدفتها، خصوصا الجزائر وفرنسا.

العلاقات الجزائرية المغربية في أسوأ فتراتها ولم تكن في حاجة إلى مزيد من أسباب التوتر. المزاعم عن ستة آلاف رقم هاتف جزائري، بعضها لقادة عسكريين وسياسيين كبار وشخصيات عامة نافذة، صادمة.

احتاجت الجزائر إلى نحو خمسة أيام لتعلن موقفا رسميا من الموضوع. هناك من رجح أن المسؤولين الجزائريين اكتشفوا الأمر منذ شهور فلم يفاجئهم إعلانه هذه الأيام، لذا لم يستعجلوا الرد. وهناك رأي يعتقد أن الصمت الطويل الذي سبق إعلان موقف رسمي جزائري سببه الصدمة والذهول.

يُدرك المسؤولون الجزائريون أن المغرب يتجسس عليهم مثلما يتجسسون هم عليه. هذا أمر طبيعي في أجواء التوتر المزمن بين البلدين، لكن الجزائر لم تتوقع «عملا» بمثل هذه الجرأة والمخاطرة. نحن أمام فعل غير مسبوق: إذا صحت الاتهامات، ومعها التفاصيل أن «بيغاسوس» يستطيع تفعيل كاميرات الهواتف ومايكروفوناتها عن بُعد، فهذا يعني ببساطة أن «الجماعة» دخلوا غرف نوم «الجماعة» ورافقوهم في كل حركاتهم وسكناتهم!

في المقابل، يبدو الذهول الرسمي الفرنسي في غير محله. مَن يزوّد كبار طغاة العالم الثالث بأنواع الأسلحة لقمع شعوبهم؟ فرنسا واحدة من أكبر الدول المصدّرة لأدوات القمع الداخلي. هي التي زوّدت (ولا تزال) مصر وتونس والمغرب والجزائر والكثير من الحكومات الإفريقية والعربية بالأسلحة الرقمية لمراقبة الناشطين والإعلاميين والتجسس عليهم وانتهاك خصوصياتهم. الفرق اليوم يكمن في مسألتين: جرعة الجرأة الزائدة، وكون «سلاح الجريمة» ليس فرنسيا، ما يعني أن الجهة المصنِّعة له تستفيد بشكل ما من استعماله. عدا هذا، على فرنسا أن تتذكر هذا القول المأثور: يداك أوكتا وفوك نفخ.

* كاتب صحافي جزائري

المصدر: القدس العربي

التعليقات مغلقة.