
عبد الله السناوي *
في عام (١٩٦٧) حُمل بما لا يحتمل من مسؤولية الهزيمة العسكرية.
كانت الهزيمة فادحة والبيانات العسكرية كاذبة. لم يكن هو الذى كتبها، فقد تلقاها من القيادة العسكرية في ذلك الوقت، لكن كل السهام صوبت إليه وحده.
في أيلول/ سبتمبر من نفس العام خرج «أحمد سعيد» من إذاعة «صوت العرب»، التي أسسها عام (١٩٥٣)، وتوارى إلى الظل حتى رحل عام (2018). خلفه على مقعده «محمد عروق».
لم يكن الهدف تغيير الرجال بقدر تغيير الدفة من التعبئة إلى التوعية، فقد اختلفت طبيعة الظروف والأحوال. لم تكن تلك مهمة سهلة فقد تقوضت صدقية أكثر الإذاعات تأثيرا وشعبية فيما تبثه من بيانات.
باليقين فإنها معذورة، أو مظلومة ـ كما قال «عروق» ـ حيث كانت تذيع البيانات العسكرية التي ترد إليها، ولا تتحمل أية مسؤولية عنها.
«لم أصنع الهزيمة وبيانات النكسة لم تكن من تأليفي».
«هل كان مطلوبا أن أذيع البيان الذى يعجبني وأحجب سواه؟!».
«الجهلاء هم الذين يتصورون أن الإعلامي يمكن أن يجتهد في حالة الحرب».
هكذا كتب في مذكراته الخطية، التي لم يتسن لها أن تنشر حتى الآن.
عند انقلاب السياسات على عصر «جمال عبدالناصر»، استُهدفت تجربة «صوت العرب» بضراوة.
شاعت روح السخرية من لحنها المميز: «أمجاد يا عرب أمجاد.. في بلدنا كرام أسياد».
لم تستهدف السخرية الرجل وتجربته بقدر ما استهدفت الأحلام التي انكسرت والأدوار التي لعبها في سنوات المد القومي.
«أعداء الخارج والداخل انتقموا من عبدالناصر في صوت العرب» ـ كما كتب.
وفق ما قاله لي، فإن إعلام التعبئة، الذى عبّر عنه أكثر من غيره ونجاحه أمثولة تدرّس، انتهى زمنه، «حقائق العصر تستدعى التعدد حتى لو توافرت القضية ووجد المشروع».
بتعبيره: «حتى إعلام التعبئة يحتاج الحرية».
من لا يدرك اختلاف العصور يُعاند الحقائق.
لم يخترع أحد مشروع التحرير الوطني ولا نداءات الوحدة العربية.
كان العالم العربي يموج بهذه الأفكار ومستعد للتضحية في سبيلها.
هو أحد تجليات الصعود الكبير لمشروع «جمال عبدالناصر»، وكان دوره جوهريا في نجاح الثورة الجزائرية.
شغل تأثيره مراكز أبحاث وأجهزة استخبارات على ما تدل الوثائق الغربية المتاحة.
أثناء حرب السويس قصفت الطائرات محطات إرسال «صوت العرب» في «أبى زعبل» شمال شرق القاهرة لإسكاتها.
حين فشلت الغارات في إسكات صوته حاولت غارات من نوع آخر تشويه صورته.
غير أن التاريخ سوف يتوقف طويلاً أمام تجربته التي لا مثيل لمستويات نجاحها الإعلامي في صدام الإرادات على مصير المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية.
كان مستلفتا في مذكرات «أحمد سعيد» قدر الدراسات العلمية التي أجريت على المجتمع الجزائري إبان الثورة حتى يكون الخطاب الإعلامي متماسكاً ومقنعاً وقادراً على ردم الفجوات بين العرب والأمازيغ.
الثقافة والإعلام قضيتان متلازمتان، كلتاهما تحتاج الأخرى لاستكمال أدوارها.
هذه حقيقة تأكدت في تجربة «صوت العرب».
الصورة العامة لم تكن على ذات القدر.
فيما اتسعت حريات النقد والتعبير في الإبداع الفني والأدبي ضاقت بالرقابة في العمل الإعلامي.
كانت تلك إحدى مفارقات بنية نظام «يوليو».
الثورات بالطبيعة مشروع تعبئة عامة للانتقال من حال إلى نقيض.
لم تعرف ثورة واحدة اصطدمت مع القوى القديمة وحكمت في ظروف معاكسة أية نزعة موصولة بحرية الإعلام.
في «يوليو» أُصدر قانون تنظيم الصحافة وفرضت الرقابة عليها، بما أثر على الأدوار التي يتعين أن تقوم بها في إخبار الرأي العام بالصورة الكاملة لما يحدث في بلده والعالم.
برز في مقدمة المشهد صحفيون انتهازيون وثوريون مدعون.
تراجعت حظوظ كفاءات صحفية في تولي المناصب التي يستحقونها، رغم أن الأيام وانقلابات السياسة أثبتت إخلاصهم لمشروع «يوليو».
رغم ذلك شهدت التجربة الصحفية قدراً من التنوع في المدارس الفكرية، فقد أسندت إلى «خالد محيى الدين» رئاسة تحرير جريدة «المساء»، التي حجبت طبعتها الورقية مؤخراً بقرار عشوائي، ضمت عدداً كبيراً من الصحفيين اليساريين، ونجحت على نحو غير مسبوق في التأسيس لأول ملحق أدبى في تاريخ الصحافة المصرية والعربية حرره الأديب الراحل «عبدالفتاح الجمل» كما أسندت إلى «محمود أمين العالم» رئاسة «أخبار اليوم»، فيما تولى صحفيون يمينيون رئاسة صحف أخرى.
كما شهدت قدراً معقولاً من حرية التعبير والنقد لأوجه خلل عديدة في بنية النظام.
مراجعة أرشيف الصحف ضرورية قبل إصدار الأحكام حتى تكون النظرة منصفة.
لم تكن هناك حرية صحافة بالمعنى الذى يستحقه بلد مثل مصر، وكانت هناك قيود رقابية نالت من صدقيتها، لكنها لم تكن ظلاماً دامساً كما يُصور الآن.
في نفس الوقت ولد التليفزيون العربي، كما كان يطلق على «ماسبيرو» مطلع ستينيات القرن الماضي، عملاقاً وملهماً.
لم تكن تلك ضربة حظ، ولا مصادفة جرت بغير فكر استوفى مقومات ومعايير النجاح.
وفق الإعلامي الرائد «حمدي قنديل»، أحد نجوم مرحلة التأسيس فإن نجاح التليفزيون، أي تليفزيون، يعتمد على أربعة معايير أساسية:
الأول: أن يكون للدولة مشروع وطني ودور قومي في محيطها.
والثاني: أن تحظى رسالته بإجماع شعبي.
والثالث: أن تنبع التجربة من رحم نهضة فكرية وثقافية.
والرابع: أن يحظى بمستوى مهني عالٍ.
الإنجاز غاب عنه العنصر الأهم، الذى تكسب به أي وسيلة إعلامية ثقة الجماهير، وهو حرية تدفق الخبر ـ حسب شهادة مكتوبة للرائد الإعلامي «السيد الغضبان».
«شأن الإذاعة والصحافة خضعت المادة السياسية في التليفزيون لرقابة صارمة».
«رغم غياب هذا العنصر المهم فقد تقبلت الجماهير أداء التليفزيون في المادة السياسية إلى حد ما نتيجة الظروف السائدة، والتي طغت فيها موجة الحشد الوطني والقومي ضد قوى الاستعمار والصهيونية».
«استطاع التليفزيون أن يعوض هذا القصور في المجال السياسي بتقديم الأعمال الثقافية والفنية والترفيهية بقدر عالٍ من التميز والاحترام.. وكان التليفزيون بحق أحد أهم مصادر ثقافة التنوير في مختلف المجالات.. وكانت المواد الترفيهية شديدة الرقي فأسهمت في الارتقاء بأذواق الجماهير، التي تأثرت بما سمعته وشاهدته».
إنهاء «ماسبيرو» بالإهمال أسوأ ما قد يحدث في المستقبل، كأننا نغتال التاريخ نفسه دون تحرز للنتائج.
الثقافة والديمقراطية قضيتان متلازمتان، كلتاهما تنهض بالأخرى.
ساعدت الديمقراطية الثقافية في ضخ دماء فوارة بقلب مشروع «يوليو»، كما الديمقراطية الاجتماعية، غير أن غياب الديمقراطية السياسية نال من قدرته على حفظ نظامه وتجديد نفسه، وكانت تلك الثغرة الرئيسية في التجربة كلها.
* كاتب صحفي مصري
المصدر: الشروق
التعليقات مغلقة.