محمد عمر كرداس
في 28 أيلول 1961 وقعت جريمة الانفصال التي فصمت عرى الوحدة التي قامت في 22 شباط 1958 بموجب استفتاء شعبي بعد موافقة برلمانيّ مصر وسورية وحكومتيّ البلدين، كنتُ في الصف الثالث الاعدادي في ثانوية دوما وكان يوم خميس، ضجت المدرسة بطلابها وجزء من مدرسيها وتوقفت الدراسة واتجه الجميع لمناقشة الحدث، جزء من الطلاب ضد الحدث أما المدرسين فقد انقسموا بين مؤيد ومعارض ولم تستمر الدراسة لآخر النهار، إذ نما لعلمنا أن هناك مظاهرة في المدينة ضد الانفصال، فقامت أكثرية الطلاب من أبناء دوما للانضمام للمظاهرة وغادر الطلاب من خارج المدينة إلى بلدانهم، رافقتُ المظاهرة دون أن أشارك بها لصغر سني ولإبعاد المتظاهرين لأمثالي عن المظاهرة لخطورة الوضع.. وصلت المظاهرة لأمام قسم الشرطة الذي كان بداخله مدير المنطقة وكان عقيداً كنيته ’الجزماتي‘ الذي طلب منه المتظاهرين رفع علم الوحدة وإنزال العلم السوري القديم وعندما رفض ضربه أحدهم بسكين وأجبروه على رفع العلم، وسرعان ما وصلت النجدة وكانت مؤلفة من دبابات ومدرعات مصفحة تحتوي بداخلها جنود متأهبين لإطلاق النار وكانوا مما يسمى كتيبة الشرطة الأولى، وهي مجندين لخدمة العلم يفّرزوا لهذه الكتيبة المخصصة لمكافحة الشغب. تعرضت المظاهرة لاشتباكات مسلحة قُتل على أثرها عامل في محل إصلاح دراجات مع ملازم أول من الكتيبة، وتمت اعتقالات واسعة للمتظاهرين وجرت محاكمات للبعض وحكم على أحدهم وهو “حمود الشعراوي” بالإعدام وكان المحامي الذي دافع عنهم المحامي “حسن عبد العظيم” الذي أمر القاضي باعتقاله بعد مرافعته واتهامه بأنه معادي للنظام.. استمرت الاعتقالات ومنع التجول فترة طويلة رداً على هذه المظاهرة.
في هذه الأثناء جاء من دعاني للانتظام بعمل سري يعمل لإعادة الوحدة واسقاط الانفصال وكان التنظيم هو حركة القوميين العرب المعروفة، التي أصبحت عام 1966 الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتفرعاتها.. بقينا نحن المنتسبين الجدد في حلقات للمتدربين نجتمع أسبوعياً مع مسؤول نتدارس بعض الكتب والنشرات ونتزود ببعض الأخبار، وقمنا في عدة مرات بتوزيع مناشير ليلاً أمام بعض البيوت المعروفة..
في 8 أذار 1963 سقط الانفصال في حركة للجيش كان القائمين فيها من اتجاهات متعددة مستقلين وناصريين وبعثيين. شاركنا بالاحتفالات والمظاهرات في دوما ودمشق وقد أصبحنا في الثاني الثانوي، وقد فوجئنا بإحدى المظاهرات بالشرطة تفرِّقنا بالقوة وتعتقل البعض وكانت أول صداماتنا، مع أن بعض قادة حركتنا يومها مشاركين بالحكومة كالوزير “جهاد ضاحي” والكثير من الوزراء، وأعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا ناصريين وحتى رئيس الدولة رئيس مجلس القيادة كان ناصريا وهو الفريق لؤي الأتاسي.. ومع توقيع ميثاق الوحدة الثلاثي بعد محادثات القاهرة بين مصر وسوريا والعراق وإقرار العلم الجديد ذو النجوم الثلاث طلبنا من ملازم الفتوة رفع العلم الجديد مما تسبب له باعتقال طويل بعد نقض البعث للميثاق وفشل الوحدة..
مع ممارسات البعث وسيطرته على مفاصل الدولة وإبعاد وتسريح شركائه في الحكم قرر مجموعة من الضباط الوحدويين القيام بحركة عسكرية لتصحيح المسار في 18 تموز 1963، واتضح أن البعث كشفها ويقال أنه اخترقها عن طريق أحد ضباطها، فقام البعث بمجزرته الأولى ضد الشعب السوري وطلائعه المناضلة، وساد القتل والذبح والاعتقال حتى أن الرئيس جمال عبد الناصر قال في خطابه بعد خمسة أيام من الحركة في 23 تمور { يعز علي أن نعيش هنا في النور وفي سورية يسودُ الظلام }… رحم الله عبد الناصر فمازلنا في ظلام البعث إلى الآن.. استمرت الاعتقالات والإعدامات في سورية وبدعم من بعث العراق أيضاً، و”علي صالح السعدي” نائب رئيس وزراء العراق البعثي أرسل برقية لـ”أمين الحافظ” الذي أصبح رئيس مجلس قيادة الثورة بدل “لؤي الأتاسي” يقول فيها { اذبحوهم حتى العظم } هذا هو البعث وهذه مبادئه لمن لازال متشككاً.. حُكم على قائد الحركة العقيد “جاسم علوان” بالإعدام ولكن لم ينفذ الحكم، وأفرج عنه ليذهب منفياً الى القاهرة- كما نفي الكثير من الوحدويين- ليقضي بقية عمره في القاهرة..
تعددت التنظيمات الوحدوية في سورية أثناء الانفصال وأثناء حكم البعث، كحركة الوحدويين الاشتراكيين والجبهة العربية المتحدة وحركة القوميين العرب، وفي الذكرى الأولى لمجزرة البعث في 18 تموز 1963، تداعت هذه الحركات مع عدد من المستقلين الوحدويين لمؤتمر تأسيسي في بيروت لإقامة تنظيم يجمع هذه الحركات وكان هدفه الأول إسقاط انفصال البعث واقامة الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وانتحب مكتب سياسي كان على رأسه المرحوم “نهاد القاسم” رجل القانون والعدل وتم ذلك بالتشاور مع الرئيس جمال عبد الناصر واتخذ التنظيم اسم الاتحاد الاشتراكي العربي أسوة بالاتحاد الاشتراكي في مصر ولكنه لم يكن جزءاً منه أو فرعاً له بل كان تنظيماً سورياً مستقلاً كما أراد المؤسسون وكما كانت توجيهات الرئيس جمال عبد الناصر.. وانتخبَ المؤتمر أمانة عامة للخارج مقرها القاهرة وأمانة الداخل لشؤون التنظيم وكان على رأسها الدكتور جمال الأتاسي الذي أصبح الأمين العام للحزب منذ عام 1868 حتى وفاته عام 2000.
نعود إلى ذكريات أوائل العمل السياسي فلقد أبلغونا بعد المؤتمر التأسيسي بقيام الاتحاد وقبِلنا البقاء بالاتحاد، حتى هُجّرنا بفعل نظام البعث المجرم الذي شرد أكثر من نصف الشعب السوري بعد انطلاق ثورة الحرية والكرامة في آذار 2011.
محمد عمر كرداس
كاتب وسياسي سوري
التعليقات مغلقة.