
عبد الله السناوي *
بعد (73) عاماً على نكبة (1948) تؤكد الحقائق الرئيسية نفسها على مسارح الصراع العربي- الإسرائيلي باتساع فلسطين التاريخية.
بقوة التحدي والشعور المتعاظم بالقهر والتهميش السياسي والإنساني رد الفلسطينيون من جديد اعتبار «وحدة الشعب والقضية»، التي كادت تمحى من القاموس.
لعقود طويلة، بعد النكبة وما لحقها من انقلابات وتحولات سادت تلك الفكرة الجوهرية الخطاب السياسي الفلسطيني، وتأسست بمقتضاها «منظمة التحرير الفلسطينية»، التي ماتت إكلينيكيا بأثر اتفاقية «أوسلو» (1993).
كان إنهاء وحدة الشعب والقضية عملاً مقصوداً في صلب الاتفاقية.
يستلفت الانتباه فيما جرى بكواليس «أوسلو» إصرار الإسرائيليين على أن يوقع الزعيم الفلسطيني الراحل «ياسر عرفات» على الاعتراف بإسرائيل باسم «منظمة التحرير الفلسطينية»، كأنه اعتراف باسم الشعب الفلسطيني كله.
في المواجهات الحالية، أعلنت الحقائق عن نفسها، الجرح واحد والهوية واحدة والقضية غير قابلة للإنهاء بالتفكيك والتخاذل، بالتطبيع المجاني، أو بالانقسام الداخلي.
لم يخطط أحد، ولا خطر بباله أنه مما هو ممكن جسر الفجوة بين العمل الاحتجاجي السلمى والردع الصاروخي بالإيلام رغم فوارق القوة الشاسعة مع آلة الحرب الإسرائيلية، دون أن يكون هناك تعارض، أو تشويش على عدالة القضية نفسها.
تجلى العمل الاحتجاجي الشعبي بالصدور العارية دفاعاً عن المسجد الأقصى أمام اقتحامات جماعات يهودية متطرفة مدعومة من سلطات الاحتلال.
كانت الصور ملهمة لمعنى أن تكون هناك قضية يؤمن بها أصحابها، وكاشفة بالوقت نفسه لهمجية القوة الإسرائيلية وتغولها على المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية معا دون وازع من أخلاق، أو اعتبار لأية قيمة إنسانية.
وتجلى العمل الاحتجاجى الشعبى بالصدور العارية مرة أخرى دفاعا عن الأسر الفلسطينية العربية المهددة بالتهجير القسرى من حى «الشيخ جراح».
حملت الصور رسالة ذات صلة بخبرة النكبة، التشبث بالأرض ورفض مغادرتها أيا كانت ضراوة الترويع.
رغم تواطؤ سلطات الاحتلال الأمنية مع قطعان المستوطنين، وحضور نواب متطرفين بالكنيست ووزراء في الحكومة لدعم الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين، إلا أن قوة المقاومة وحجم ردات الفعل في فلسطين التاريخية والعالم بأسره، لا في الحى وحده، اضطرت السلطات القضائية الإسرائيلية إلى تأجيل البت في الملف خشية تدهور إضافي بالمأزق الإسرائيلي المستحكم، الذى قوض صورة الدولة العبرية كدولة فصل عنصري تشبه جنوب أفريقيا قبل تحريرها.
ثم دخلت غزة على خط الصراع بإطلاق وابل من الصواريخ على تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى، ثارت تساؤلات عما إذا كان هذا التدخل قد يربك، أو ربما يجهض، هبة القدس، ويمنعها من أن تأخذ مداها كانتفاضة ثالثة تعيد إحياء القضية الفلسطينية أمام الرأي العام العالمي.
كانت تلك تساؤلات مشروعة، غير أن ما حدث خالف المخاوف، فقد زاد زخم العمل الشعبي الاحتجاجي، انتفضت الضفة الغربية، وجرت اشتباكات عند خطوط التماس مع قوات الاحتلال، جرت اعتقالات لنشطاء سياسيين من داخل بيوتهم، كأنه ليست هناك سلطة يقال إنها تحكم الضفة الغربية، وسقط شهداء في المواجهات، وزادت معدلات الغضب إلى حدود غير مسبوقة التحاقا بهبة القدس و«الشيخ جراح» ونصرة لغزة المحاصرة التي تتعرض بناياتها وأبراجها السكنية للقصف الهمجي ويموت المئات من أهلها، أغلبهم أطفال، من جراء القصف المنفلت عن أي قانون دولي، وقد وصلت الهمجية ذروتها باستهداف بناية بها مكاتب وسائل إعلام عربية (الجزيرة) ودولية (الاسوشيتدبرس).
كان ذلك داعياً إلى حملة انتقادات واسعة نالت من صورة الدولة العبرية كدولة تريد إخفاء الحقيقة وما ترتكبه من جرائم حرب.
اتساع نطاق الغضب الفلسطيني طبيعي ومتوقع بقوة التضامن، أو التوحد، لكنه لم يصل إلى هذه الدرجة في أية مواجهات سابقة حتى في ذروة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي توصف بانتفاضة الحجارة، التي امتدت من (8) ديسمبر (1987) إلى (13) سبتمبر (1993) حين جرى إجهاضها باتفاقية «أوسلو».
في ثورة الغضب الفلسطيني بدا ما يجرى خلف الجدار الأكثر أهمية من الناحيتين السياسية والاستراتيجية.
يوصف عرب (1948)، الذين تشبثوا بأرضهم، بالتزييف بـ«عرب إسرائيل».
بالادعاء قيل كلام كثير عن أنهم يتمتعون بالحياة في دولة ديمقراطية حديثة تبيح لهم حق الانتخاب والترشح، فإذا بالحقائق تكشف كامل الصورة.
نحن أمام شعب مقهور يمارَس الفصل العنصري بحقه، يستشعر التمييز في تفاصيل حياته، يتعرض للتنكيل المنهجي في دولة لا تؤمن بالتعدد العرقي والديني، وتعمل كلما كان ذلك ممكنا على الاستيلاء على أراضيهم، وإخلاء منازلهم بالقوة الجبرية خاصة في القدس الشرقية ضمن مخطط تهويدها بالكامل وهدم المسجد الأقصى نفسه.
بقوة الغضب المشترك جرت تظاهرات واحتجاجات في المدن ذات الأغلبية العربية، أو المدن المختلطة.
جرت أعمال عنف وترويع ضد كل ما هو عربي، دون أدنى اعتبار لفكرة المواطنة، بدعم من وزير الأمن الداخلي وحماية كاملة من الشرطة الإسرائيلية.
بالنظر إلى حجم الأقلية العربية خلف الجدار (20%) من سكان إسرائيل، فإن سيناريوهات ما أسمته وسائل الإعلام الدولية بـ«الحرب الأهلية» أطلت على المشهد الإسرائيلي المأزوم، أكدت عنصرية الدولة وهشاشة بنيتها الداخلية، كأنها تنتظر مصيرها المحتوم.
رغم التقدم العلمي والاقتصادي في إسرائيل، إلا أنها هشة في بنيانها، وتبدو بعد (73) عاماً على تأسيسها مأزومة في وجودها تحاصرها عوامل الانهيار من داخلها.
«نحن فلسطينيون.. لسنا إسرائيليين، هويتنا عربية فلسطينية ومصيرنا مرتبط بأشقائنا في باقي فلسطين التاريخية». هكذا علت نبرة الغضب الفلسطيني خلف الجدار إلى مستويات غير مسبوقة في أي مرحلة سابقة على مدى (73) عاما.
في بلدة كـ«اللد» أُنّزِل العلم الإسرائيلي ورُفع محله العلم الفلسطيني. كان ذلك تعبيرا غير مسبوق عن «وحدة الشعب والقضية». رافقت تلك الوحدة وحدة من نوع آخر «وحدة العمل الشعبي والعمل المسلح».
كان مستلفتا عندما أطلقت الصواريخ الأولى من غزة قدر التهليل، الذى عم القدس والضفة الغربية، ثم كان مفاجئاً قدر التطور الكبير في المنظومة الصاروخية الفلسطينية وقدرتها على الوصول إلى عمق إسرائيل، وأن العمليات شاركت فيها، كلٌ بقدر تسليحه، فصائل فلسطينية عديدة، لم تكن «حماس» وحدها ولا «الجهاد الإسلامي» شريكاً منفرداً معها، فقد شاركت الجبهة «الشعبية لتحرير فلسطين» ومنظمات يسارية أخرى. هذه حقيقة لا يجب أن تضيع معانيها ورسائلها.
أهم ما يجب استخلاصه أن القضية فوق الفصائل.
القضية أعادت تعريف نفسها تحت وهج النار والمعاناة والاستعداد لتحمل كلفة المواجهة بالعودة إلى الجذور، أصول الصراع العربي- الإسرائيلي، فلا هي قضية لاجئين كما نظر إليها إثر النكبة مباشرة، ولا هي قضية الفلسطينيين وحدهم، فهي قضية عربية بالأساس وقضية إنسانية في المضمون، ثم أنها في أول الأمر وآخره قضية تحرر وطني لشعب يتعرض لأبشع صور التمييز العنصري.
أي تنكُّر جديد لتعريف القضية الفلسطينية إجهاض حقيقي للتضحيات الهائلة التي تُبذل الآن في ميادين المواجهة.
* كاتب صحفي مصري
المصدر: الشروق
التعليقات مغلقة.