( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب «من الأمة إلى الطائفة، سورية في حكم البعث والعسكر» بأجزائه الثلاثة كاملاً للكاتب الأستاذ: ’’ميشيل كيلو‘‘.. الحلقة الثامنة والعشرون: (الفصل الثامن- السلطة الأسدية)
من الأمة إلى الطائفة
سورية في حكم البعث
قراءة نقدية
ميشيل كيلو
باريس ٢٠١٧/٢٠١٩
الفصل الثامن
السلطة الأسدية:
ـ يضم النظام الأسدي تراتباً من مستويات ثلاثة، تخترقها جميعها الطائفية، انطلاقاً من الدولة العميقة كحاضنة رسمية تتماهى مع الطائفة العلوية إلى أبعد الحدود التي يتيحها التداخل والتشابك بين كيان سلطوي وآخر ما قبل مجتمعي. هذه المستويات هي من الأدنى إلى الأعلى:
ـ مستوى الدولة العميقة، وهي حامل النظام وحاضنته، والجهة التي تشرف إشرافاً وثيقاً عليه، وتُسيره بما تقدمه لقيادته من معلومات وخطط وأدوات تنفيذية، حكومية وحزبية، سلطوية ومجتمعية، وهي عموماً ضامن وجوده كنظام، وتمثل “العصبية الطائفية/ الملية” حالة خاصة جداً ينفرد النظام بها عن الأغلبية الساحقة من النظم السياسية الأخرى.
ـ مستوى البعث وتوابعه في “الجبهة الوطنية التقدمية”، الذي يمثل “العصبية السياسية” للنظام، التي تستند إلى أيديولوجية بمفردات بعثية ومرجعية طائفية، وأخذت الأسدية بها منذ طيّفت الجيش بعد استيلائها عليه عامة، وانقلاب عام ١٩٧٠ خاصة، وكان من أبرز مهامها، كعصبية، حجب السياسات، التي يعتمدها المركز المنتج للنظام في القصر الجمهوري، وتتفرع عنه وتتقاطع عنده، في الوقت نفسه، العصبيات الثلاث.
ـ مستوى الحكومة ومؤسساتها، حيث “العصبية السلطوية”.
وتنبع ضرورة التمييز بين المستويات الثلاثة، من خصوصية كل مستوى، ومن تقاطعاته مع المستويات الأخرى ووظيفيته في النظام، حيث تتكامل وتتداخل عصبيته مع العصبيات الأخرى، سواء من حيث منطلقاتها أم أهدافها وآليات اشتغالها، التي تمنح كل عصبية المرونات الضرورية لتأدية مهامها في مجتمع النظام والمجال العام، حيث تسود عصبية مركبة وبالأحرى جامعة، هي أداة مجتمع السلطة في مواجهة مجتمع المحرومين، الذي يضم أغلبية لطالما حرصت الدولة العميقة على تفتيتها إلى جمّعات دنيا، أفقية ومتناحرة، تتعين مواقفها بأعراف معايير ومعايير أهلية لا تقيم كبير للقيم الحديثة، ولا تعترف بالفردية وبالتالي بالمواطنة وحكم القانون، ولا تربط وجود المواطن بحريته، بل تخضعه لأعراف ومعايير جمعية، تخالطها أنماط تديّن أوقافية، تستخدمها الأسدية لإثارة أعظم قدر من القطيعة المتبادلة بينها، ومن الارتباط الوثيق بالأجهزة، في آن معا.
ـ تُكوّن المستويات الثلاثة ما يسمى “النظام”، المستند إلى عصبية جامعة تلحم مجتمع السلطة وتكوره على ذاته، وتمكّنه، في الوقت نفسه، من ممارسة سياسات تدخلية نشطة في مجتمع المحرومين، أهم وظائفها طمس عصبيته الطائفية بحجبها وراء العصبيتين السياسية والسلطوية، والتأكيد على تطابق دورهما مع دور ما يماثلهما في النظم الوظيفية، بما في ذلك الديمقراطية والليبرالية منها، حيث تتحد الحكومة والحزب، في حال كان هناك حزب، وراء برامج تلتزم القيادة بها وتنفذها، بعيداً عن تدخل الجيش ومؤسسته الأمنية، أي دولته العميقة.
ـ ليست هوية النظام الأسدي مطابقة لهذه الصورة الدعائية، بل هي نقيضها، ذاك أن قيادته تتخذ قراراتها في ضوء معلومات وملفات لا تأتيها من البيروقراطية ومؤسساتها المتنوعة أو الحزب، بل تصلها من أجهزة الدولة العميقة، التي تكل تنفيذها ضمن المجال العام إلى الطرفين السياسي والسلطوي، ولكن في إطار يضمن خضوعهما التام للدولة العميقة، والتزامهما المطلق بقراراتها، التي تمليها اعتبارات طائفية أساساً تترجمها القيادة، من موقعها كمركز قرار وحيد، إلى سياسات حكومية ومواقف حزبية، دون أن تعود بطبيعة الحال إلى مؤسسات الحكومة والبرلمان والبيروقراطية، و”الحزب القائد”، الذي لا يقود شيئاً، بل ينقاد لها في كل كبيرة وصغيرة، كجهة تضع من تختارهم في ما تختاره لهم من مواقع حزبية وحكومية ونيابية، وتترك الإشراف اليومي والمباشر عليهم للدولة العميقة، ولا تجد غضاضة في قطع ما كان يصل المؤسستين السياسية والسلطوية بالرئاسة والبرلمان والحياة الحزبية في غابر الأيام، وفي منع الوزراء ورئيسهم من الاتصال المباشر بالأسد، لأي سبب كان، بالنظر إلى أنهم لا ينتمون إلى دائرة النظام المقررة، التي لا تمر بهم، بل بالعلاقة بين الرئاسة والدولة العميقة بفرعيها الجيشي والمخابراتي/ القمعي، الحاضران بكثافة في أي مستوى رقابي وإشرافي وتنفيذي، خاصة في الشؤون ذات الأهمية الاستراتيجية والهيكلية للنظام، الذي يضم ممثليها إلى الدائرة الأسدية المغلقة، المعنية بالبنية الحقيقية للنظام، المرتبطة بهويته الطائفية، والتي لا ينتمي إليها الوزراء والحزبيون بالضرورة، لأنهم يكوّنون دائرة أخرى، ليس الرئيس طرفها الآخر، بل قادة الأجهزة، ممن يشرفون عليها ويكتبون تقارير عنها إلى الرئيس، وينقلون أوامره إليها. بالمقابل، ينتمي ممثلو الدولة العميقة في ما يسمى الوزارات السيادية، إلى الدائرة الأولى: الرئاسية/ الأمنية، التي تقرر خطواتها ومواقفها بعيداً عن الحكومة والحزب، وترتبط بالرئيس عبر دورها في الأجهزة، ويعامل من يتولونها معاملة قادة فيها، من مواقعهم في وزارات الدفاع والخارجية والاعلام والداخلية. ولقد حدث عام ١٩٧١ أن سأل مذيع أردني رئيس الوزراء الثاني لانقلاب عام ١٩٧٠ اللواء عبد الرحمن خليفاوي عن موقف سورية من إحدى المسائل المتصلة بالقضية الفلسطينية، فأجابه بكل صراحة أن البت في سياسات سورية الخارجية ليس من صلاحياته([51]).
– بتبعية الدائرة الثانية: الحزبية/ الحكومية، للدائرة الأولى، وبالتقاء الدائرتين عند الرئيس، يسود التكامل بين العصبيات الثلاث، وتتعاون في أطر نابذة للاختلاف السياسي أو المذهبي، القائم بالفعل بينها، ويتم تفادي ازدواجية السلطة، عبر وضع تسعين بالمائة من صلاحياتها في أيدي الدولة العميقة، المستمدة من صلاحيات الرئيس المطلقة، التي لا تقل بأي حال من الأحوال عن مائة بالمائة، فإن “تكرم” ومنح عشرة بالمائة منها للحكومة والحزب، فلأن ما يقومان به أدنى في أولوياته من أن يشغل نفسه به، ثم، ما الضير في أن يتخلى عن جزء من صلاحياته يتم التعامل معه تحت أعين الأجهزة، ويستطيع استرداده في أي وقت، لأنه منحٌ مشروط وليس مطلقاً.
ـ بنموذج العصبية الطائفية ذات البنية المركزية، المقتصرة على الدولة العميقة، حاضنة وحاملة النظام، التي تتفرع عنها عصبيات طرفية، دون أن تستقل أو تنفصل عنها، أو تقوم بما يتعارض مع دورها التكاملي وما يحتله من أهمية بالنسبة لتوازن الأسدية، تبقى الدولة العميقة وأجهزتها في استنفار واستعداد دائمين لمواجهة أي حيدان داخلي أو خارجي عن ما يجب على العصبيات الثلاث الالتزام به من أفكار وممارسات مصدرها ومرجعها الأسد، يبرز فيها دور العصبيتين السياسية والسلطوية كما هو معروف في النظم السياسية عامةً، ويضفي مظهراً محايداً على النظام، يتيح له الظهور بمظهر نظام محايد يقف فوق المجتمع، ولا يلتزم بأي طرف أو كيان جزئي فيه، لارتباطه بمصالح عليا متعالية على أية مصالح دنيا كائناً ما كانت أهميتها، شأنه في ذلك شأن أي نظام علماني حديث، يتنكر لما في مجاله السيادي من ولاءات دنيا، ويتعامل بعنف معها، ويحاول إقناع الشعب أنه يقاربها من موقع غير طائفي، حكومي وحزبي.
ـ مقابل تصلب الدولة العميقة وسريتها وميلها إلى الأخذ بسياسات عنيفة يمليها ميزان القوى، تتمتع دائرتا الحزب والحكومة بشيء من المرونة، رغم أنها مرجعيتها هي الدولة العميقة، التي تتكامل معها في إطار تقسيم عمل تحدده القيادة، يتولى المناصب الوزارية فيه من ينتمون إلى العصبية الحكومية، التي هي أوهى العصبيات وأكثرها تعرضاً للتغيير والانتقاد، ويتم اختيار شاغليها وفق مسطرة طائفية هدفها المحافظة على توازنات ملّية تؤكد افتقار الشعب إلى الوحدة، وتوهم، في الوقت نفسه، السوريين أنهم شركاء في السلطة من خلال وزراء الحكومة، المكلفين بمهام خدمية تغطي كافة جوانب حياتهم، ويعتبرون مسؤولين عن ما يواجهونه من أوضاع، فإن حفلت بالمصاعب، اعتبرت متعارضة مع سياسات الرئيس والحزب ومهام الحكم الرشيد، واستحقوا العقاب بسبب تقصيرهم كحملة للسلطة والنظام، تضع الدولة العميقة وأجهزتها نفسها في خدمتهم. هذه العلاقة بين الدولة العميقة والحكومة كمنت دوماً وراء موجات النقد التي طالت الحكومات، بلسان الحزب والأجهزة، حتى ليمكن القول إنه لم تشكل في سورية بعد عام ١٩٧٢ حكومة واحدة لم تلازمها شائعات استهدفت رؤساءها ووزراءها، غير السياديين طبعاً، وشككت في مؤهلاتهم وصفاتهم الشخصية، وأكدت تهافتهم الأخلاقي، ونسبت إليها أخطاء لم تكن قد اقترفتها بعد، بل إن بعض من انتقدوا اختيار هذا الوزير أو ذاك، كانوا يتلقون إجابة واحدة تقول: من أين يأتي “السيد الرئيس” بمسؤولين ووزراء، إذا كانت هذه هي مادة السوريين البشرية؟. لقد وضعهم في مواقعهم، وبذل جهوداً حثيثة لتعليمهم فن القيادة والعمل العام، لكنهم أثبتوا افتقارهم إلى المؤهلات الضرورية، فصار من الضروري استبدالهم بغيرهم.
ـ إلى جانب عصبية المستوى الحكومي/ البيروقراطي، التي تكون مستقرة بقدر ما تمتلك من صلاحيات وتفويض برلماني، لكن الأسدية اضعفتها بإلحاقها بأجهزة يفترض أنها تابعة لها، وبموقعها الهامشي والتابع لمركز قرار تخضع هي له بدل أن تتولاه هي، كما هو شأنها في الحكومات المنتخبة ديمقراطياً، هناك مستوى ثانٍ من العصبية، ينتمي أعضاؤه إلى حزب البعث، الذين يرون في الحزب مرجعية مفترضة للنظام، ومرشداً لمؤسساته يحتل مرتبة أعلى في سلم العمل العام، كما في الحقل السياسي، ما دام مركز القرار، “السيد الرئيس” أمينه الأول، الذي يجمع سائر السلطات في يديه، ويضعها في خدمة الحزب، حامل النظام الايديولوجي، الذي يخترق جميع مؤسساته وتشكيلاته، بما في ذلك دولته الطائفية العميقة، وليس ملزماً بتبني كل ما يفعله أو يقوله المستوى السياسي/ الحكومي، بل إنه قد يكون بعيداً عنه ومناوئاً له، لاختلاف معاييره والتزاماته عن معايير والتزامات المستويين الآخرين.
ـ تنطلق عصبية البعث السياسية من أكذوبة قيادته للدولة والمجتمع، وتتكثف سياساته بأسرها حول تأكيد صحة هذه الأكذوبة، التي لم يوجد يوما ماً يؤيدها. تقول الأكذوبة: إن البعث هو قائد الدولة والمجتمع، والمدافع عن مصالح الشعب والثورة، الذي يتكفل بإدامتها من خلال ممارسته السلطة، وإدارته الدولة في سياق علماني/ قومي غير طائفي، بل ورافض بشدة للطائفية. ليس بين هذه الصفات واحدة صحيحة أو متفقة مع واقع الحزب. صحيح أن “أمناء فروعه في المحافظات هم الذين يجسدون السياسات العليا للدولة وليست المؤسسات الأخرى” كما يقول موقع الجزيرة في مادة بعنوان “حزب البعث والمادة الثامنة” نشرها بتاريخ ١١/٧/٢٠١١، بيد أن انضواء الحزب في علاقة تكاملية مع الدولة العميقة، وخضوعه لها، وإشرافها عليه، يجعل من صلاحيات المادة الثامنة صلاحيات للدولة العميقة وحدها، وليس لقيادته، التي تراجع في مؤتمراتها القطرية خطوط النظام السياسية وخياراته، ولكنها تفعل ذلك بتكليف من المركز الرئاسي المقرر، الذي تحتل مشاغل دولة السلطة معظم وقته واهتمامه، وينيط بنفسه اختيار القيادة الحزبية، التي يرى أنها الأقل قدرة على تحويل الحزب إلى مكان لإنتاج السياسة، وللتدخل في قراراته، والأكثر أهلية للانصياع لما يأتيها من أوامره عبر الأجهزة.
ـ العصبية الطائفية، التي تحمل وتضبط وتغذي العصبيتين السابقتين، وتخترقهما من أدنى تراتباتهما إلى أعلاها، وتحدد نوع وآليات تعامل السلطة مع المجتمع، رغم استقلالها الوظيفي الواسع في كل ما يتصل بقضايا السياسة الرئيسة. هذه العصبية، التي توحد وتضبط مستويات السلطة جميعها، وتطبعها بطابع مزدوج يبدو للخارج علمانياً، وبالتالي لا دينياً، وحتى وثنياً في ما يتعلق بتأليه صاحب السلطة، تتماهى مع دين سلطة، تتقاطع طقوسه مع مختلف الولاءات المذهبية، وتسهم في تقويض الدين، الذي ما أن يتحول إلى طقوس حتى يتهاوى كرسالة سماوية، حسب ما كان يراه نيتشه([52])، في حين يخاطب جانبها العلماني النخب التي ترفض التقليد والميل إلى الفكر الغيبي…الخ. بقدرتها على انتاج انحيازات ومواقف بالغة التطرف، ترضي تناقضاتها المتدينين والمُلحدين، كتلك التي تمليها الأيديولوجيات المغلقة، مذهبية الهوية، وعلى تبني انحيازات علمانية متطرفة بدورها، تتكفل العصبية الطائفية بابتداع أدلجة وأنماط سلوك تتيح لنظام أقلوي تشتيت الأغلبية والتحكم في قطاعات مهمة منها، وجعل الخضوع لها مساوياً لضرب من انتماء “عن بعد” إلى ملة السلطة وطائفتها، يصلح كرديف، وعند الحاجة كبديل، يستفز ردود أفعال متطرفة لدى أتباع المذاهب المتطرفة، يفرز السوريين إلى جبهتين متناحرتين ومتعاديتين، تخبرهم أن كل واحدة منهما، أنها، ضرورية للمحافظة على وجودها المهدد، مع أنها في الحقيقة مصدر الخطر الاكبر، إن لم يكن الوحيد، عليها!.
ـ هذه العصبيات المتباينة في هويتها، المتكاملة والمتداخلة في وظائفها، التي تندمج من مداخل متباينة في العصبية الطائفية، تصب جميعها في دولة السلطة العميقة، المتماهية مع طائفة/مركز تفرض تقسيم عمل داخل النظام ملزم الزاماً مطلقاً ومن غير الجائز الاعتراض عليه، من أي فرد أو طرف ينتسب إلى العصبيات الثلاث، وخاصة الطائفية منها.
ـ توهم الأسدية السوريين بتبعية السلطة ودولتها العميقة للحزب وعصبيته، وتبرز الطابع الحزبي للعصبية السلطوية، لإقناع السوريين أن حزب البعث هو مصدر شرعية المستوى السياسي وما يصدر عنه من قرارات وسياسات، وأنه لا توجد في سورية، العلمانية، عصبية طائفية، بينما تُكذب الوقائع هذه المزاعم، وتؤكد أن الدولة العميقة هي المركز الذي تتجسد فيه العصبية الطائفية الجامعة، وتلتقي عنده وتتفرع عنه وتنضبط به العصبيتان الأخريان. ولذلك، من غير الجائز أن يتراخى أو يتهاون في انتقاء ممثليهما، وفي ممارسة أدواره الرقابية والتوجيهية، التي تضبط أعمالهما في إطار ما يسمونه مصالح الدولة العليا، التي يجب أن يلتزم شاغلوها بنمط الدولة العميقة الشمولية، وبتعليمات وتوجيهات أجهزتها، على أن ينطبق ذلك على قواعد البعث الدنيا، التي يحتم تداخلها مع مجتمع المحرومين، واختلاطها اليومي والكثيف مع فئاته المختلفة، ممارستها دوراً سلطوياً ومباشراً في أوساطه، وجمع معلومات عنه، دون أي تعاطف معه.
ـ تعبر العصبية الثالثة، الطائفية، عن نفسها خير تعبير في الدولة العميقة، التي تعتبر “حزب السلطة”، أو الحزب الوحيد المنظم بصورة حديثة وتعبوية وضاربة في سورية، وتتمحور حوله كنواة صلبة العصبيتان السياسية والسلطوية، ويتوقف أمن واستقرار النظام على وحدته، وحمايته من الانقسامات والاختراقات، سواء حدث ذلك بفعل أطراف من داخله، أم بضغوط من خارجه، وعلى منع دخول “الغرباء” إلى أقنية تواصله الخاصة، أو فك شيفراته، وما يستخدم فيها من رموز ومفاتيح ترتبط معرفتها بمستويات السلطة السرية وحدها، وتغطي مجمل الأنشطة التي توجه أعمالها وأهدافها.
ـ هذه البنية المتراتبة، سيكون من المحال المحافظة عليها، وقيامها بعمل منسق، إذا كانت تقاد من مراكز متعدده، أو من مواقع متنافسة، أو إن هي انحازت إلى هذا الجهاز أو ذاك، أو لهذه العصبية أو تلك من أجهزة وعصبيات النظام. ولا بد أن تخضع لمركز قيادي ينفرد بالقرار، ويأمر فيُطاع، لكونه يستطيع وحده التوفيق بين قراراته وهوية الدولة العميقة وأجهزتها، التي لا يجوز أن تحجم عن تنفيذ قراراته، وتبني مواقفه مهما بدت بعيدة عن الصواب، بما أن التضارب بينها وبين ما تمارسه العصبيات يقوض التوازن الدقيق بين مستويات النظام الثلاثة، التي عليها تغليب الدولوي/ السلطوي على المجتمعي، في جميع الأحوال والقضايا، والمحافظة على هوية النظام التي يهددها، أن يخالطها، أي تساهل مع من هم خارجها.
ـ بما أن الأسدية تنفي وجود طائفية سلطوية في سورية، وتشهر سلاح الطائفية في وجه غيرها، فان من غير الجائز كشف أو معرفة أي شيء عن سلطتها، وخاصة في ما يتصل بطائفيتها، المغطاة دوماً بطوفان من خطب تقدمية ووطنية وقومية وعلمانية واشتراكية وتحريرية وثورية … الخ. بما أن هناك أيضا تماه بين السلطة وملتها، فان من غير الجائز معرفة أي شيء عنهما، وبالدرجة الأولى ما يتصل بالسلطة ومفاصلها الرئيسة، وآليات اشتغالها، وأساليب اتخاذ القرار فيها، والاشخاص الذين يتولون قيادتها وتحريكها، بمن في ذلك منهم أصحاب الأدوار المزدوجة، التي لا يظهر غاطسها العميق تحت سطح الحياة السياسية الظاهر، وتتم تغطيتها بواسطة أدوار تثير الانطباع بانها مكرسة لخدمة دولة هي الأكثر نزاهة وبعدا عن المصالح الخاصة، فإذا كان النظر إلى هؤلاء ممكناً بصفاتهم الظاهرة، فإن السعي إلى معرفة حضورهم ودورهم في الحياة السياسية يعتبر جريمة ضد النظام وأمن “الوطن”، وإضرارا بعلاقة يجب ان تبقي سرية بين مواقع قادة الدولة العميقة ومهامهم كممثلي طائفة معنيين بإدامة سلطة من الضروري ان تبدو للخارج وكأنها تدار حقاً من حزب البعث، ومحكومة بعصبية سياسية، كما كانت الحال في دول المعسكر السوفييتي، علماً بأن ما جنّبها السقوط طيلة قرابة نصف قرن، وثبتها في مجتمع تحتل الفئات البينية مساحات مهمة فيه، هو في الحقيقة إتكاء عصبياتها على كيان ما قبل دولوي/ ما دون مجتمعي، عطل ما كان في سورية من حداثة ليبرالية، وحدّث بالمقابل الملل والطوائف، وفكك بدورها المُستعاد، المجتمع كهيئة عامة مترابطة، بينما أخرج النظام نفسه قطاعاتها الواسعة من المجال السياسي والشأن العام، وأمعن في تقلدتها، ودمج في جسدية موحدة ملة السلطة عند مستواه القيادي، وطائفة دولته العميقة على صعيده القاعدي، وأبرز فيها الحزب وأخفى وجود ودور الأجهزة، لكونها تتولى إدارة التنافي المتبادل بين مجتمع السلطة ومجتمع المحرومين، الذي اعتمدته هدفاً رئيساً لها منذ انقلاب عام ١٩٧٠، وابتزت السوريين بواسطته باعتبارهم طرفاً في حرب أهلية مضمرة، وإن لم يعوا دورهم فيها ولم تكن خيارهم، لكنها قد تنفجر مع ذلك في أي وقت تصاب الدولة العميقة فيه بالضعف، ويتسلل الانقسام إلى العصبيات الثلاث، وخاصة الطائفية منها، أو يدب الشقاق والخلاف بينها.
ـ عود على بدء، يعمل النظام في الأحوال العادية بعصبيتيه السياسية والسلطوية/ البعثية، أما في أزمنة التحديات الكبرى والهزائم والانهيارات، فتبرز عصبيته الحقيقية، فيظهر عندئذٍ كم تخترق طائفيته كل شيء في سورية، وأي دور حاسم وقطعي لها في تماسكه ووحدته الداخلية، وتؤسس وعيه بتنافيه مع مجتمع المحرومين، كما تبين خلال سنوات الثورة، حين أخذ فن السياسة والسلطة يتعين باستجابة العصبيتين لما تتطلبه معركة حولتها الدولة الأسدية العميقة إلى حرب طائفية، وأملت حساباتها الحربية عليهما، وانتزعت معظم صلاحياتهما، ووضعتها في أيدي أجهزة تولت الإشراف التام على عملهما التنفيذي أيضاً وكأنهما أداتين من أدواتها، ضاربة عرض الحائط بالأكاذيب التي جعلت السلطة للبعث، وأنه يملي خياراته وقراراته عليهما، ويقف وراء رفض الإصلاح كمبدأ كانت العصبية السياسية ستقبله، لو كانت مستقلة حقاً وتدير السلطة، أو لو أن العصبية الطائفية لم تكن هي الطرف المقرر، الذي ازاحها جانباً، ودمج العصبيتين في أجهزته، وفصل السياسية منهما عن وظائفها العامة، المتصلة بدستورية شرعيتها وقانونية أنشطتها، أو لم تجعل من المحال استمرار أسدية الازمنة العادية، التي تحرص خلالها على أن تبدو كعصبية سياسية مركزية تتعاون، كأي عصبية سياسية معروفة، مع أطراف سياسية من خارج دائرتها المباشرة، “كالجبهة الوطنية التقدمية”، فالعصبية السياسية هي الوحيدة في دولتها، ولا همّ للأسد غير تعزيزها على حساب أي عصبية ذات منابت ما قبل مجتمعية.
ـ بسبب العصبية الطائفية وانطلاقاً منها، اختارت الأسدية بعد ثورة الشعب عام ٢٠١١، حلاً صفرياً، عسكرياً وحربياً، هو حل كل شيء أو لا شيء، الذي أملته عليها هويتها كنظام تنافٍ متبادل مع المجتمع، يبقى ما دام غائباً، ويسقط بمجرد حضوره، رغم أنه كان هناك من لفت نظر رئيسها إلى فشل التصدي لأزمة سياسية/ اجتماعية شاملة بوسائل لا تصلح لمعالجتها، تتمحور حول القوة، في حين كانت معالجتها تتطلب استخدام أدوات من جنسها، وبالتالي سياسية واجتماعية، من شأنها أن تفتح أبواب الحوار مع السوريين كمواطنين مسؤولين عن وطنهم، وليس كطرف ليس له أية حقوق، وفي مقدمها الحق في العمل العام، ولها ملء الحق في رفض مطالبه، والامتناع عن مراجعة سياساتها. برفض الإصلاح، ووضعت الأسدية الشعب السوري في كفة صغيرة، وطائفتها في أخرى كبيرة، وقررت الإبقاء على أوضاع ومهام دولتها العميقة، التي لم تعرف، ولا تريد أو تستطيع أن تعرف، نمطاً من الحكم مغايراً لنمطها الطائفي، الذي بادر إلى شن حرب بينت مجرياتها أنها بلا نهاية، وأن الطائفية أفرغتها من أية خيارات أخرى غير خياري القتل والدمار.
ـ بما أن العصبية السياسية والحزبية تذوب خلال الأزمات والشدائد في العصبية الطائفية، وتفقد ما كان لها من صلاحيات مشروطة، فإن الأسدية تعمل بصفتها الطائفية وحدها، وتلزم المنتسبين إلى نظامها بأن يتصرفوا كأعضاء في طائفتها، ويكشفوا عن وجههم الحقيقي الذي كانوا يخفونه تحت براقع عصبياتهما السياسية والسلطوية.
ـ في الأحوال العادية، يكون نقد السلطة الحكومية متاحاً، بل ومرغوباً فيه، وأقل منه نقد الحزب، وتسرب الدولة العميقة غالباً مادة النقد من معلومات وشائعات، وتستهدف بصورة مركزة أشخاصاً بعينهم، منهم رئيس الوزراء، الذي تُحمله مسؤولية ما يواجهه المواطن من متاعب يومية وأزمات متعاقبة، وتلمّح إلى خروجه عن التعليمات المعطاة له، أو إلى فساد بطانته، أو عجزه عن تنفيذ الخطط الموضوعة… الخ، ليدفع هو وليس النظام الثمن من سمعته ودوره، بل إن الأمور قد تصل إلى درجة الفضيحة، عندما تشن حرب دعائية ضد وزير من الوزراء، أو ضد موظف كبير، وينشر غسيله القذر على الملأ، وتبدأ “أصوات لا يعرف أحد أصحابها، وإن كان السوريون يعرفون عموماً الجهات التي تقف وراءها، المطالبة بإزاحته، في إطار عمليات شد وجذب بين الأجهزة، التي تنفذ تعليمات الرئيس أو تتقرب منه عبر مطاردة من تعتقد أنه غير راض عنهم من المسؤولين … الخ. ثمة هنا بُعد نفسي لما يحدث، فالذي يذهب تكون العواطف مشحونة حتى حدودها القصوى ضده، ويقبل الشعب بديله بدرجة عالية من الترقب، لاعتقاده أنه من غير المعقول أن يكون هناك من هو أكثر سوءاً منه، وما أن يتولى منصبه، حتى تبدأ عملية شحن مدروسة ضده، بما أن الدولة العميقة تعرف تماماً عيوب النظام، وتعلم أنها غير قابلة للإصلاح، وأن إدارته نفسها تنتجها، لذلك لا يبقى لها من خيار غير إيجاد أكباش فداء له من العاملين في الأصعدة الحكومية والبيروقراطية، بغض النظر عن أخطائهم، التي تحتسب عليهم أو تُفبرَك بكل بساطة، وتتكفل بإثباتها الشائعات والمعلومات الملغومة. بكلام آخر: هناك حاجة إلى إفشال ممثلي العصبية السياسية بالدرجة الأولى والحزبية بدرجة تالية، أما في الأحوال غير العادية فلا بد أن يتحد كل من له علاقة بالنظام وراء الدولة العميقة، التي تنتزع صلاحيات السلطتين الأخريين كاشفةً عن وجهها كصاحبة أمر ونهي، تسترد ما تنازلت وقتياً عنه من صلاحيات محدودة لهما، دون أن يعني ذلك أنهما يتقاسمان السلطة معها.
وهكذا، يمتنع خلال الأزمات، أو يمنع كل من ينتسب إلى العصبيات الثلاث، التي تنضوي عندئذ في العصبية الطائفية، من انتقاد أي قول أو فعل يصدر عن السلطة، وينكر الجميع أخطاءها وأخطاء من تتم إزاحتهم أو إقالتهم من صفوفها أيضاً، ويقتصر النقد على “المؤامرة”، التي إن وقعت عيوب ما نسبت إليها.
ـ ومع أن معظم المتفرغين والموظفين في مؤسسات الحزب القيادية هم من الطائفة العلوية وأجهزة دولتها العميقة، فإنهم يُعرِّفون عن أنفسهم كرفاق عقائديين وحسب، رغم أن رفاقهم السنة، الذين يمثلون أغلبية الحزبيين، يخشونهم ويتحاشون الإفصاح عن آرائهم في حضورهم، ويتصرفون تجاههم وكأنهم ينتمون إلى حزبٍ آخر ولا يؤمَن جانبه، هو الدولة العميقة. الحزبيون العاديون، الذين انتسبوا إلى البعث من أجل مكسب ما أو تجنباً لمشكلة ما مع الأجهزة، هم أكثر أعضاء الثلاثي بعداً عن السلطة، لذلك لا يسوؤهم نقد غير الحزبيين لها. وقد تأكد خلال الثورة أن ولاء معظمهم سطحي، وحزبيتهم افتراضية ومن طبيعة وقتية، وارتباطهم بالنظام هش، خاصة إن كان انتسابهم إلى البعث لم يؤدي الغرض منه. يفسر هذا عدد متظاهري وشهداء حوران الأوائل من البعثيين، الذين كان العشرات منهم أعضاء في الحزب، مثلما كان خمسة من أول ثمانية شهداء في بلدة “بنش” القريبة من إدلب بعثيين سقطوا برصاص من ادعوا دوماً أنهم رفاقهم في المخابرات والجيش، وأن مهمتهم حمايتهم والسهر على أمنهم، وإن كان لديهم تنظيمهم الحزبي الخاص، منذ الفترة التالية لهزيمة حزيران والصراع ضد تيار “صلاح جديد”، ولديهم كذلك ممثليهم في القيادة القطرية ، الذين نادراً ما يحضرون اجتماعاتها، لكونهم يعتبرون أنفسهم أعضاء في حزب الدولة العميقة، التنظيم الذي يربطهم بالدائرة الرئاسية المغلقة. لئن كانت حزبية هؤلاء تضمن التزام البعث بطائفية الدولة العميقة، فإن تأكيدها على أن البعث قائد الدولة والمجتمع ضروري لإثبات ما تشيعه الأسدية عن نفسها كآخر نظام قومي في عالم العرب الممزق.
ـ لا ينتمي معظم العاملين في السلطة الحكومية إلى الحزب والطائفة العلوية، لكن الحزبيين والعلويين منهم يمثلون نواتها الصلبة وقوامها الثابت، الذي يتولى الوزارات والمناصب الإدارية العليا. ومع أنه من الصعب اعتبار الموظف البيروقراطي الصغير من أهل السلطة، فإن حاجته إلى موافقة امنية للحصول على عمل، يضمن غالباً ولاءه أو تظاهره بالولاء لمن منحه الحق في العمل. بالمقابل، توضع مفاتيح العمل الرئيسة في أيدي مخلصين للأجهزة، التي جندتهم وسلمتهم المراكز المفتاحية، حيث ينهضون بالعمل في قياداتها كعلويين بالانتماء أو الولادة، ويمارسون وظائف إدارية من طبيعة ضبطية، كمراقبة الموظفين، وإبقاء العمل ضمن المسارات المقررة له، وتوزيع مهامها.
ـ هذه المستويات الثلاثة لا يراد بها حجب هوية الأسدية الطائفية وحسب، بل إرساء توازن مستقر أيضاً بين أطرافها، يبقيها موحدة في سائر الظروف، وخاضعة “للقيادة”، ويحتوي ما قد ينشأ من مشكلات وتوترات في قاع المجتمع من خلال تدخل الحزب، والحكومة ومؤسساتها، وأخيراً الدولة العميقة بشقيها العسكري والأمني، التي تشرف على ما تقومان به بصفته مسألة أمنية، مهما كان طابعها الحقيقي. ولأن مجتمع المحرومين هو الطرف الآخر، تسير الأسدية على خطين متوازيين ومتكاملين: أولهما باطني وخاص، يقوم على توحيد مستويات السلطة الثلاثة، وتشتيت مجتمع المحرومين عامة وفئاته الوسطى خاصة، وثانيهما معلن وعام، يتظاهر بأنه مرجعيته، التي يعمل لتلبية مطالبها في “الوحدة والحرية والاشتراكية”، برنامجها، الذي يوجد ثمة من يقاومه في السلطة، وما كان ضبطه ممكناً دون حكمة “السيد الرئيس” وانحيازه إلى الفقراء والمحرومين، ويده الممدودة إلى الجميع، وتعاونه مع أهل السنة في الحكومة والحزب، ومع “الجبهة الوطنية التقدمية” في السلطة والقيادة، رغم مقاومتها للدولة العميقة، ونجاحه في حفظ التوازن بين عصبيات النظام، والجمّعات القاعدية على صعيد ما يسمى المجتمع. وإذا كان قد دمج الطائفة العلوية في السلطة، فليس كي يطيّفها، بل لينتفي وجودها ودورها في الشأن العام، وتنغمر بتشابكات “علمانية” نسجها أهل صولة وجولة في النظام، يضمن حضورهم الرسمي والشعبي تناسق تطور سورية الطبيعي، ويمنع قطعه أو عكس اتجاهه، ويرتقي بكيانات المجتمع عموماً إلى مستوى السياسة العليا، مستوى الدولة والرئاسة، التي لن تسمح بانحدار أي طرف سوري إلى مستوى ما قبل وطني، لأن ذلك يقوض وظيفته النهضوية.
___________
هوامش:
[51] حكومة عبد الرحمن خليفاوي الأولى ٣ نيسان ١٩٧١إلى ٢٣ كانون الأول١٩٧٢. موقع التاريخ السوري المعاصر.
[52] nietzsche : der Antichrist: , 1895 friedrich.
………………..
يتبع.. الحلقة التاسعة والعشرون: (الفصل التاسع – الأسدية والتعاقد)
«ميشيل كيلو»: كاتب وباحث ومحلل سياسي سوري
التعليقات مغلقة.