الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

«المنطق» الإثيوبي.. والمواجهة الضرورية

أحمد السيد النجار *

يبدو «المنطق» الإثيوبي في إدارة قضية بناء سد النهضة، صادماً بصورةٍ مروعة ربما أكثر من موضوع السد نفسه، فهو إما أنه لا يدرك أن هناك شيئاً اسمه القانون الدولي الذي يحكم العلاقات المائية بين الدول المتشاركة في أي نهر دولي، أو أنه لا يلقي للقانون الدولي بالاً من الأصل، وهو أمر عبثي يفتح المجال أمام إدارة العلاقات المائية بصورة بعيدة عن إعمال القانون وقواعد الحق والعدل.

وقد صرح أكثر من مصدر رسمي إثيوبي، ومنهم سفير إثيوبيا في مصر، بأن بناء سد النهضة هو عمل من أعمال السيادة، ولا علاقة لأي دولة به، وأن مصر قامت ببناء السد العالي دون استشارتهم.. وهذه التصريحات لا تفرق بين دولة المنبع (إثيوبيا) التي تؤثر تصرفاتها في مياه النهر على دول المجري الأوسط والمصب، وبالتالي لا يحق لها القيام بأي أعمال على النهر إلا بالتشاور مع باقي دول حوض النهر، وتصرفات دولة المصب فيما يأتيها من مياه وهي حرة فيها، لأنها لا تؤثر علي أي دولة أخرى حيث إنها آخر دولة في مجري النهر، وهذا هو وضع مصر.

وإذا كانت هذه الطريقة الإثيوبية تضع مصر أمام ضرورة البدء فوراً باتخاذ إجراءات حازمة لمعالجة قضية سد النهضة على ضوء القانون الدولي والاتفاقيات السابقة بشأن المياه فيما يتعلق بالروافد الإثيوبية لنهر النيل، وعلى رأسها النيل الأزرق، فإنها تطرح التساؤل حول القانون الدولي الذي يحكم العلاقات المائية بين الدول في أحواض الأنهار الدولية المشتركة.

القانون الدولي.. من السطو إلى العدل:

مرت عملية تشكُل الأسس النظرية والقانونية الدولية للتعامل مع الأنهار الدولية المشتركة بين دولتين أو أكثر بمراحل طويلة، وتغيرات عاصفة، ارتبطت بالأساس بمشكلات أو نزاعات واقعية على مياه الأنهار المشتركة، علماً بأن هذه النزاعات لم تظهر أصلاً إلا على ضوء التطور التكنولوجي، وما نتج عنه من قدرة البشر على إقامة خزانات المياه الكبرى والسدود ونقل المياه من الأحواض الطبيعية للأنهار إلى مناطق أخرى تتوافر بها الأراضي الزراعية وتفتقر للمياه.. وقد بدأت القواعد التي تحكم العلاقات المائية بين دول حوض النهر الدولي، أقرب لمنطق السطو في البداية كما سنعرض لاحقاً، إلى أن انتهت إلى منطق أقرب للعدل في الوقت الراهن.. لكن القوة والدأب وحدهما هما ما يسند الحق والعدل حتي في الوقت الراهن.

ويمكن القول إن القرن التاسع عشر، وبالذات النصف الثاني منه، هو الذي شهد البداية الحقيقية للتحكم في الأنهار الكبرى المشتركة بين أكثر من دولة، بما أدى إلى ظهور النزاعات بشأن توزيع مياهها.. أما قبل ذلك فإن التحكم في الأنهار الكبرى دائمة الجريان، كان مستحيلاً تقريباً، وكان التحكم ممكناً فقط في الأنهار الصغيرة موسمية الجريان، أو بعض الروافد أو الفروع الصغيرة للأنهار الكبيرة.

وعلى أي الأحوال فإنه قبل توفر التكنولوجيا التي سمحت للإنسان بالتحكم في تخزين ونقل مياه الأنهار الكبيرة دائمة الجريان، كانت الأنهار الكبرى المشتركة بين دولتين أو أكثر تتدفق في مسارها الطبيعي من المنابع إلى المصب، وكان استخدام مياهها يقل في الغالب عن إيرادها السنوي المتجدد من المياه بصورة كبيرة مما سمح ولفترات تاريخية طويلة بالتوسع الزراعي البطيء عادة دون إثارة مشكلات تتعلق بتوزيع مياه الأنهار المشتركة على الدول المتشاركة فيها.. لكن الانفجار السكاني الذى رافق الثورة الصناعية، والذى نجم عن حدوث تقدم صحي كبير أدى إلى انخفاض معدلات الوفيات دون حدوث انخفاض مماثل في معدلات المواليد.. هذا الانفجار السكاني أدى إلى زيادة الحاجة للتوسع الزراعي السريع لتلبية احتياجات السكان من الغذاء، وتلبية احتياجات الصناعة من المواد الخام الزراعية.. وبناءً على ذلك بدأ الاهتمام بتوفير المياه للتوسع الزراعي الأفقي واسع النطاق، فضلا عن التكثيف الزراعي الرأسي من خلال تحسين البذور لرفع إنتاجيتها وتطوير الإرشاد الزراعي، وتطوير استخدام المخصبات الصناعية، ومضادات الآفات، والاهتمام بالمواءمة بين التربة والمناخ من جهة، وبين المزروعات الملائمة لهما في كل مكان من جهة أخرى، فضلاً عن تحويل الأراضي المزروعة على المطر إلى أراض مروية، نظراً لأن إنتاجية الزراعة المروية أعلى بكثير من إنتاجية الزراعة البعلية أي المطرية.. والذي يهمنا هنا هو التوسع الزراعي الأفقي، وتحويل الزراعة البعلية إلى زراعة مروية، لأن كليهما يرتبط بزيادة الاحتياجات المائية التي شكلت الحافز على إقامة مشروعات الري الكبرى لحجز وتخزين المياه، ونقلها من الأحواض الطبيعية للأنهار إلى مناطق أخرى.. فهذه المشروعات هي التي تسببت في إثارة قضية توزيع مياه النهر المشترك بين دولتين أو أكثر، بدلاً من التدفق الطبيعي للنهر الذى لم يعد ممكناً أن يستمر كما كان بسبب التغيرات السكانية والتكنولوجيـة.

«السيادة المطلقة» الفاسدة من أمريكا فـ تركيا لإثيوبيا:

يتلخص مضمون هذه «النظرية» إذا جازت تسميتها «نظرية» أصلاً، في حق كل دولة في ممارسة السيادة المطلقة على الجزء الذى يجري في أراضيها من أي نهر دولي مشترك مع دول أخرى.. ومن البدهي أنه إذا كانت الدولة هي دولة المنبع، فإن هذه «النظرية» تعطيها الحق المطلق في السيطرة الكاملة على مياهه دون باقي دول مجرى ومصب النهر.

وقد ظهرت هذه «النظرية» التي يطلق عليها «فقه هارمون» نسبة إلى «جدسون هارمون Judson Harmon» المدعي العام الأمريكي، في كانون الأول/ ديسمبر 1895، عندما صاغ المدعي العام هذه «النظرية» ليضعها أساساً لحل الخلاف الأمريكي- المكسيكي حول مياه نهر «ريوجراند» الذى ينبع من مرتفعات «سان جون» في جنوب غربي ولاية كولورادو الأمريكية وتنبع كل روافده من الولايات المتحدة، ويبلغ طوله نحو 3040 كيلومترا حتى مصبه في خليج المكسيك.. ونتيجة تزايد حاجة المزارعين الأمريكيين للمياه في المنطقة التي يجري فيها النهر، تم تحويل جزء من مياهه في ولايتي كولورادو ونيومكسيكو الأمريكيتين في العقد الأخير من القرن التاسع عشر لزراعة المزيد من الأراضي.

وبالمقابل، عانى المزارعون المكسيكيون من نقص المياه وبوار أراضيهم الزراعية، وذلك بعد بناء سد «بولدر» في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، مما حرمهم من المياه التي كانوا يعتمدون عليها في الزراعة والشرب، وهو ما دفع المكسيك إلى توجيه مذكرة احتجاج للولايات المتحدة مفادها أن تحويل مياه النهر في الولايات المتحدة أضر بمصالح وحقوق المكسيك.. وطلبت الخارجية الأمريكية من المدعى العام الأمريكي أن يُعد رداً على مذكرة الاحتجاج المكسيكية، فأعد رداً فحواه «أن المبدأ الأساسي في القانون الدولي هو مبدأ السيادة المطلقة التي تمارسها الدولة فوق أرضها دون تدخل من الآخرين».. وتعامل «هارمون» مع المياه التي تنبع من أراضي أي دولة على أن التحكم فيها يدخل ضمن السيادة المطلقة للدولة على إقليمها، حتى لو أدى تحكمها في هذه المياه إلى حرمان جزئي، أو كلي لدول أخرى كانت المياه تجري إلى أراضيها بشكل طبيعي (راجع في ذلك د. على إبراهيم، قانون الأنهار والمجاري المائية الدولية في ضوء أحدث التطورات في مشروع لجنة القانون الدولي النهائي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1997).

وقد استندت الولايات المتحدة جزئياً إلى نظرية السيادة المطلقة التي نادى بها المدعي العام الأمريكي “جدسون هارمون” في تسوية الأزمة المائية مع المكسيك حول نهر ريوجراند في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، حيث تمت تسوية النزاع من خلال معاهدة عقدت في أيار/ مايو عام 1906، وهى معاهدة تعكس اضطراباً في الأساس القانوني بين نظرية السيادة المطلقة، وبين نظرية السيادة الإقليمية المقيدة، أو التوزيع العادل لمياه النهر، فرغم أن مقدمة المعاهدة تتضمن رغبة الولايات المتحدة والمكسيك في التوزيع العادل والمُنصف لمياه نهر ريوجراند، إلا أن المعاهدة تنص على أن تتنازل المكسيك عن كل مطالبة سابقة أو مستقبلية حول مياه نهر ريوجراند، وتؤكد الولايات المتحدة مبدأ السيادة الإقليمية المطلقة التي تعني عدم وجود أي التزام عليها تجاه دولة مصب النهر أي المكسيك.. وتستند نظرية السيادة النهرية المطلقة لدولة المنبع إلى منطق القوة والقدرة على حماية الاستئثار بمياه النهر، وهو سند فاسد يعكس شريعة الغاب، ولا يعبر من قريب أو بعيد عن مقتضيات الحق والعدل في العلاقات الدولية، وفي توزيع الثروات الطبيعية المشتركة بين الدول مثل المياه التي تجرى في نهر دولي مشترك.

ولما كانت معاهدة عام 1906 بشأن مياه نهر ريوجراند بين الولايات المتحدة والمكسيك قائمة على أسس غير عادلة، فإن المكسيك عادت لتطالب بتعديل المعاهدة حتى تم التوصل إلى معاهدة جديدة في شباط/ فبراير 1944 لتوزيع مياه النهر بشكل عادل بين الدولتين، وعلى أساس أن لكلتيهما حقاً في مياهه.. وبرغم ذلك تعهدت الولايات المتحدة في الاتفاقية بإعطاء حصة سنوية من المياه للمكسيك مجاناً، وهى صيغة أقرب إلى المنحة منها إلى الاعتراف بالحقوق المكسيكية في مياه النهر.

وفى أربعينيات القرن العشرين قامت تركيا بتغيير مجرى نهر «قويق» الذى ينبع من أراضيها ويروي أراضي منطقة حلب السورية التي كانت تعتمد عليه أيضاً في الشرب، مما أدى إلى بوار مناطق زراعية كبيرة في سورية.. وفى ثمانينيات القرن العشرين عادت تركيا لتفجر أزمة مشابهة مع سورية والعراق بشأن مياه نهر الفرات مستندة في الواقع إلى ’فقه هارمون‘ حتى لو لم تعلن ذلك رسمياً، حيث إنها تصرفت بشكل منفرد لتقتطع من المنبع ما قررت أنه حقوقها المائية، دون النظر إلى الحقوق التاريخية المكتسبة لكل من العراق وسورية في مياه النهر، والتي ترتبت بناءً عليها الحياة البشرية والحيوانية والنباتية في البلدين، وبالذات في العراق.. لكن الكميات التي كانت تتدفق للعراق، كانت تزيد فعلياً عن حاجته، ولم تكن المشكلة في حصول تركيا على حصة من مياه النهر، ولكن في تصرفها المنفرد.

وتجدر الإشارة إلى أن سد أتاتورك وسلسلة سدود الأناضول التي أقامتها تركيا على منابع وروافد نهر الفرات، قد استخدمت لتخزين المياه لنقلها إلى مناطق سهلية خارج حوض النهر من أجل زراعتها بالطبع، فضلاً عن استخدام تلك السدود في توليد الكهرباء.. ورغم مشروعية حصول تركيا على حصة من مياه الفرات بالذات تلك التي تُهدر في الأهوار وشط العرب، وتذهب في النهاية إلى مياه الخليج العربي، إلا أن ذلك كان لا بد وأن يتم بالتفاوض والتفاهم مع سورية والعراق، على أن يتحدد حجم الحصة التركية بما لا يمس الاحتياجات الضرورية المستخدمة فعلياً من المياه في سورية والعراق.

وهناك نماذج أخرى لم تكتمل لمحاولة بعض الدول اعتماد نظرية السيادة المطلقة في تسوية نزاعاتها المائية مع دول شريكة لها في أنهار دولية مثل النزاع بشأن نهر الغانج بين الهند وبنجلاديش الذى انتهى بتسوية قائمة على الاستغلال المشترك للمياه.. ويمكن القول إن نظرية السيادة المطلقة أو «فقه هارمون» يفتقد لأى مقبولية دولية على المستوى النظري، خاصة أنه لا يستند لأي أسس عادلة يمكن قبولها عقلياً وضميرياً وأخلاقياً، لكن ذلك لم يمنع تطبيق بعض الدول له في الواقع العملي مثل حالة تركيا بشأن نهري قويق والفرات.

وبرغم أن هذا المنهج الفاسد صار مرفوضاً كلياً على الصعيد الدولي، فإن ما تفعله إثيوبيا يندرج تحته، فهي تتصرف وكأنه ليست هناك دول أخرى على المجرى الأوسط والمصب، وتدعي باستمرار أنها لن تمس حصتي مصر والسودان، دون أن تُوقّع على اتفاقية تؤيد موقفها في هذا الشأن، بما يجعل هذا الموقف مجرد دعاية لا تتمتع بأي مصداقيـة.

الحقوق النهرية المطلقة.. التطرف المعاكس:

تُعّتبر هذه النظرية معاكسة تماماً لنظرية السيادة المطلقة أو «فقه هارمون»، وتقضى بأن كل دولة من دول حوض النهر المشترك بين أكثر من دولة من حقها أن تستقبل نفس كمية المياه التي تتدفق من المنابع دون المساس بهذه المياه أو تلويثها.. أو بمعنى آخر تقضي النظرية بأن تترك مياه النهر تتدفق وفقاً لنمط تدفقها تاريخياً.. وهذه النظرية هي في مصلحة دول مصبات الأنهار.. ولذلك كان من الطبيعي أن ترفع هذه الدول لواء هذه النظرية في مفاوضاتها مع دول منابع الأنهار الدولية المشتركة بشأن تقسيم مياه هذه الأنهـار.

والحقيقة أن هذه النظرية متعسفة بالنسبة للدول التي تقع فيها منابع النهر الدولي ومجراه الأعلى، في حين أنها متحيزة للدول التي يقع فيها مصب النهر، حيث إنها بمعناها المشار إليه تمنع قيام دول المنابع والمجرى الأعلى من استغلال مياه النهر في الأغراض الزراعية أو الصناعية، وهو أمر غير معقول أو مقبول، وكل ما يمكن قبوله من هذه النظرية هو ضرورة التزام دول المنابع والمجرى الأعلى بعدم تلويث مياه النهر، أما توزيع هذه المياه فإنه يجب أن يتم بصورة عادلة تراعي الحصص التاريخية المستخدمة فعلياً، والتي ترتبت عليها حياة البشر والنبات والحيوان، وتراعي أيضاً الاحتياجات المتنوعة لكل دول حوض النهر، وهو أمر مغاير بالتأكيد لهذه النظرية غير العادلة.. وإن كان من الضروري الإشارة الى أن هناك حالة خاصة، هي أن يكون النهر يصب في بحيرة مغلقة ترتبت حياة البشر حولها في دولة المصب على أساس الصيد والزراعة الشاطئية، حيث إنه في هذه الحالة تكون حياة البشر وزراعاتهم ونشاطهم في تربية الماشية موضع تهديد في حالة انخفاض المياه المتدفقة من المنابع مما يقتضى نظرة خاصة لحصة دولة المصب في هذه الحالة، وإن كان ذلك لا يعني على الإطلاق تطبيق نظرية الحقوق النهرية، أو التكامل الإقليمي المطلق، لأنها في الواقع تطرف مقابل للتطرف المعاكس الذى تمثله «نظرية» السيادة المطلقة أو فقه هارمون.

الاقتسام العادل للمياه:

تقوم نظرية التقسيم العادل لمياه النهر التي تسمى أيضاً بنظرية السيادة الإقليمية المقيدة، على أساس التوفيق بين المصالح المائية لدول حوض النهر بشكل يتسم بالعدالة، ويأخذ في الاعتبار احتياجات كل دولة، ويراعي الحصة التاريخية لكل دولة من دول حوض النهر كعامل محدد لماهية التقسيم العادل للإيراد المائي للنهر على دول الحوض.. وتشير هذه النظرية في جانب منها إلى أنه لا يجوز تحويل مجرى النهر إذا كان من شأن هذا التحويل أن يلحق ضرراً مهماً بالحقوق المائية للجماعات، أو الدول التي يعبر النهر أملاكها أو يتاخمها.. وهذا يعنى أن دول المنبع والمجرى الأعلى تكون مقيدة تماماً في مسألة تحويل مجرى النهر حيث لا يحق لها ذلك، لأنه يضر بدول المجرى الأوسط ودولة المصب، في حين أن أي تصرف للأخيرة لا يضر دولاً أخرى.. وبالتالي فإن هذه النظرية التي يعتبر الفقيه القانوني السويسري «سوزر هال» من أهم الداعين لها، تتيح لدول المصب حرية أكبر في التعامل مع النهر ومجراه في حدود حصتها من مياهـه.. وتُعتبر هذه النظرية وهى الأكثر واقعية وإنسانية وأخلاقية، هي مصدر وأساس القانون الدولي المعاصر في مجال الأنهار ومجارى المياه الدولية المشتركة.

مصر في مواجهـة حتميـة وآنيـة مع «النهضـة»:

أظهرت مصر دائماً منذ التفكير في مشروعات الري، اهتماماً بعدالة توزيع مياه النهر في ارتباط ذلك بالاستخدام التاريخي لمياه النهر، وليس بالتدفق التاريخي، وبالارتباط أيضاً بما ترتب على الاستخدام التاريخي من حياة للبشر والنبات والحيوان، وما قام على أساسها من مشروعات زراعية وصناعية وخدمية متنوعة.. ولذلك فإن مصر عندما نفذت مشروعات مائية مشتركة مع هذه الدولة أو تلك من دول حوض النيل فإنها كانت تراعى مبدأ العدالة في توزيع عائد تلك المشروعات، رغم أنها في العادة كانت تتحمل كل أو غالبية تكاليف تلك المشروعات، وعلى سبيل المثال فإن مصر تحملت كل تكاليف إنشاء السد العالي رغم أن نحو 60% من الوفورات المائية التي تحققت من ورائه ذهبت للسودان، كما أنها تحملت تكاليف سد «أوين» الذى يولد الكهرباء لأوغندا، والذى لم تحصل مصر من ورائه على أي شيء، لأن الدول المتشاطئة مع بحيرة فيكتوريا، رفضت تخزين المياه فيها لمصلحة مصر، لأن ذلك سيسبب أضراراً لها نتيجة الارتفاع الذى سيحدث في منسوب مياه البحيرة، إذا تم تخزين المياه فيها.

وبرغم أن مصر قد تحفظت على الاتفاقية الإطارية للاستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية والتي أقرتها الأمم المتحدة عام 1997، بسبب ما تتيحه هذه الاتفاقية من إمكانية تعديل الاتفاقيات القائمة، والاتفاق على معاهدات جديدة لتقسيم مياه النهر الدولي، إلا أن هذه الاتفاقية لا تتيح لإثيوبيا وهى دولة منبع، أن تتصرف بصورة منفردة ومؤثرة على الحياة في مصر. وقد وقعت بريطانيا التي كانت تحتل مصر، اتفاقية مع اثيوبيا في 15 أيار/ مايو عام 1902، تعهد فيها “منليك الثاني” ملك إثيوبيا بألا يقوم بإنشاء، أو يسمح بإنشاء أعمال على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها الحد من تدفق المياه منها إلى مصر والسودان إلا بعد الرجوع والاتفاق مع حكومتي بريطانيا ومصر.. كما وقعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقاً في لندن بشأن الحبشة (إثيوبيا)، تضمَّنَ في البند الرابع منه، موافقة الدول الثلاث على العمل معا لتأمين مصالح بريطانيا العظمى ومصر في حوض النيل، وعلى الأخص تأمين وصول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر.

والحقيقة أن الوقت يمر دون أي اتفاق مع إثيوبيا بشأن سد النهضة ومعاملات أمانه وحجم خزانه وسنوات ملئه، وهى تبدد الوقت في مفاوضات مراوغة لا تنتهى، تستغل الوضع السياسي في مصر، وليس أمام مصر سوى البدء فوراً وبشكل تصاعدي وسريع في كل الإجراءات الكفيلة بإيقاف العمل في السد لحين الانتهاء من الاتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا.. ومن الضروري لمصر أن تُعِد ملفها حول السد بصورة جيدة، متضمناً كل الاتفاقيات السابقة مع إثيوبيا، وحقيقة استهلاك مصر لكل قطرة من حصتها من مياه النيل التي تعتمد عليها كلياً حياة البشر والنبات والثروة الحيوانية، لتتوجه به فوراً إلى كل الجهات الإقليمية والدولية المختصة بالتحكيم في هذا الشأن، أو التي من شأنها إيجاد موقف دولي أو إقليمي منه.. كما ينبغي على مصر أن تتوجه إلى الدول والشركات التي تسهم في تنفيذ السد بغرض إقناعها بالتوقف عن التنفيذ لحين توقيع اتفاق بشأنه بين دول حوض النيل الأزرق. أما الخطوات الأخرى التي من شأنها إجبار إثيوبيا على احترام حقوق مصر وحياة شعبها فينبغي البدء فيها بصورة فورية ومدروسة، فشرعية الدفاع عن حياة مصر وشعبها تعلو على كل ما عداهـا.

* باحث وخبير اقتصادي مصري

المصدر: الأهرام

التعليقات مغلقة.