( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب «من الأمة إلى الطائفة، سورية في حكم البعث والعسكر» بأجزائه الثلاثة كاملاً للكاتب الأستاذ: ’’ميشيل كيلو‘‘.. الحلقة السابعة والعشرون: (الفصل السابع- التشوه البنيوي، السلطة الطائفية ودولتها)
من الأمة إلى الطائفة
سورية في حكم البعث
قراءة نقدية
ميشيل كيلو
باريس ٢٠١٧/٢٠١٩
الفصل السابع
التشوه البنيوي؛ السلطة الطائفية ودولتها:
ـ الدولة كيان مؤسسي عام وشامل ومجرد، ينضوي تحت سيادته كل ما ومن ينتمي إليه، وهو يسمو على أي مكون من مكوناته، وجهاز من أجهزته، ولا يكون دولة حقاً إلا بقدر ما يخضع كل ما تحت سيادته له، ولا يخضع هو لغير دستوره: السيد الوحيد فيه، ككيان يتمتع بسيادة مطلقة على إقليم جغرافي محدد، وشعب يستمد سيادته منه ويتعين به، فإن خضع أو أُخضع لأي مكون جزئي من مكوناته: حزباً كان أو جماعة أو جهازاً أو مؤسسة، فقد عموميته وشموله وطابعه المجرد، وخضع لما يمليه الكيان الجزئي عليه من سياسات وأهداف ومصالح، وتحول إلى دولة منقوصة الصفة، أو لا دولة، وحتى ضد دولة، ووضع وظائفه الأصلية في يد فئة أو حزب أو طبقة، والأسوأ من هذا وذاك، في يد طاغية يستمد صلاحياته من كيان نافٍ للمجتمعية، كما هي الحال في سوريا، حيث غدت الدولة أداة سلطة عسكرية تجسد طائفة جعلت منها دولة معادية للهيئة المجتمعية العامة، ولذلك، لم تعد كياناً يعلو على مكوناته الجزئية ومصالحها، بل غلبت جزئية مكوناته وأجهزتها عليه، وألحقته بوظائفها اللاغية لعمومية الدولة، المغيّرة لهويتها وأدوارها، والمفككة للمجتمع كطرف ينتفي بدونهِ شمولها، ويتحول إلى جمّعات جزئية، ما قبل مجتمعية، نافية بدورها لما يضمن مساواة المواطنين أمام القانون، ولركن سيادتها الثالث، الذي يفقد صفته وينقلب على دوره، في حال مثّل كياناً جزئياً وجمعياً، فكيف إن اتصف بالسرية، ومثلته دولة عميقة هي تنظيم فئوي يستخدم مؤسساتها لتفكيك وإقصاء من يفترض به تمثيله وضمان مصالحه العليا: المجتمع ككيان تعاقدي تنضوي فيه أجزاء يوفق خصوصيتها مع عموميته: الكامنة في عمومية الدولة، التي تفقد بافتقارها إليها صفاتها ووظائفها ككيان عام وشامل ومجرد، وتتقرر هويتها ومهامها من خارجها، فتتعارض تعارضاً جذرياً مع مصالح وحاجات مجتمعها، وشعبها: مصدر سيادتها، الذي يخضع عندئذ لأغراض تفرض عليه بوسائل وأساليب غير قانونية، عنيفة وتنتمي إلى دائرة نافية للسياسة كتدبير للشأن العام، فما بالك إن كان الكيان الجزئي طائفة احتلت الدولة، وشوهت سلطتها وظائفها، وادعت اكتساب هويتها للتغطية على تغييبها!.
ـ بنى الأسد نظامه على طائفة هي، ككل طائفة، كيان ما قبل مجتمعي، “حولته دولتها العميقة إلى مجتمع خاص يلعب دوراً عاماً معادياً للمجتمع”، أسندته إلى سلطة تنفي جزئيتها عمومية الدولة، وبالتبعية الدولة نفسها، بالنظر إلى أن انتفاء عموميتها يؤدي إلى انتفاء بنيانها ووجودها كدولة، ويشرّعن استخدام سلطة أدواتية ضد الدولة/ المجتمع، التي انقلب عليها عسكر بدأ قضاؤهم عليها بتبديل هوية وبنية ومهام جيشها الوطنية بين عامي ١٩٦٣/١٩٧٠، ليجعلوا منه كياناً سلطوياً ما دون وطني، وبالأحرى ضد وطني، حددوا مواقفه باعتبارات ومصالح مذهبية، مجافية بطابعها وخياراتها لمن لا ينتمي إلى دوائره الطائفية الضيقة، وربطوا وجوده بآليات عمل قسرية مورست على الشعب، لإجباره على قبول شرعيتها كدولة “وحدة وحرية واشتراكية” من طراز جديد: قُطري بالمعنى العفلقي المدان، لكنه صار بفضل جيش دولته الطائفية العميقة وطنياً، بل واكتسب هوية قومية/ اشتراكية، نقلت الطائفة من عالمها المغلق وما دون المجتمعي إلى صعيد الدولة الأعلى، وحررتها من هويتها!. بهذا النمط من التنظير، قالت الأسدية إن سلطتها مثلت نقلة نوعية في هوية الدولة، ولم تقوض أو تبطل وظائفها الأصلية، وإن فرضت عليها التماهي مع دولة عميقة تمثل طائفة ما قبل مجتمعية، تحت، وملة سلطوية ما دون دولوية، فوق.
ـ بنفي الدولة العميقة وطائفتها للدولة المجتمعية، وبتجاوز كل ما يتصل بتعاقدها مع عموم السوريين، وتمثيلها لهم، رفضت الأسدية اعتبار المجتمع مصدر الشرعية، ومحل للشأن العام، ونفت في السياق عينه وجوده الموحد، وذَرَرَته إلى جمّعات تُناقض أدوارها ومصالحها إرادتهُ العامة، كما تتجلي في دولة تحافظ على صفتها بقدر ما تعبر عنها، وحولت سلطته الشرعية إلى سلطة دولة عميقة طائفية الحاضنة والحامل، انصبت جهودها على توحيد “الأقليات”، ودمج ما يتخلق بجهودها من فِرق ومِزق ومذاهب وأخويات في صفها الخاص، وصولاً إلى إبطال ما في المجتمع من جوامع ومشتركات، وتحويل السياسة إلى أداة تقيم أوضاعا تقف فيها “أقليات مسكينة” تتحامى بها ضد “أغلبية” متطرفة، لا سبيل إلى ردعها دون الدولة العميقة، التي تُنشئ لها عصبية تتبعها بالسلطة، وترهن وجودها بولائها لها، والعداء لمن لا ينتمي إليها، أو يعارضها، أو يمتنع عن مساندتها، على أن يترجم كل مكون من مكوناتها مواقفه بواسطة موقعه الخاص، وبلغته الخاصة، ليلبي أتباعه لأجهزتها أكثر الصور امتثالية لها، ولما يقوله ويفعله قائدها.
ـ مثلما انحط النظام بالدولة إلى درك سلطة، وجعل منها إحدى إفرازاتها، وضرب عرض الحائط بقبول الشعب الطوعي بها كمصدر لشرعيتها، وأقام لها أجهزة استمدت وظائفها وبالتالي شرعيتها من قائدها، الذي يعيد انتاجها من القصر الجمهوري، فوق، وليس من المجتمع، تحت، وكان من المحتم أن يتنكر لسيادة الشعب ودولة المواطنة والنظام القانوني والدولة الدستورية، ويرفض حقوق الإنسان والمواطن، وتطبيق الدستور، رغم أنه أقر بالموصفات التي أملاها شخصياً، والالتزام بالقانون، الذي استبدله بحالة الطوارئ والأحكام العرفية، لإنتاج مجال عام لا يعرفه الشعب وعلى مزاجه، لاعتقاده أنه ليس من مصلحة “الوطن” أن يكون هناك مجال عام مستقل أو منفصل عن أهوائه، ونظامه !.
ـ بتَمحوّر السلطة حول الدولة العميقة، نواتها الصلبة، ابتدعت الأسدية عصبية مركبة اختلط فيها الطائفي وما دون المجتمعي بسياسي تعين بمحددات أمنية، وبارتباطات السلطة الداخلية والخارجية ومنطلقاتها الفئوية الخاصة، بمستوياتها المتداخلة مع عمل عام هي الفاعل الوحيد فيه، المؤهل لتكييفه مع تحولات السياسات الدولية وما تكله إليه، أو يكله هو إلى نظامه من وظائف خارجية تنجزها أدواته “الأمنية”، باحتواء وتخطي ما يمكن أن يواجهها من تحديات، لتكون طرفاً فاعلاً وملموساً في سائر قطاعات الحياة العامة، يقنع السوريين أن آلية مجتمعية وشرعية، ولا تنقلب على الدولة، والفرد، والجماعات، والطبقات، والأحزاب، والمجتمع المدني، كما يدعي أعداؤها، أو يحمل تناقضاً ما بين خفي خياراتها وظاهر خطابها، ويخلو مما يتحدى قدرة أي فئة مجتمعية على فهم خلفيات ومآلات مواقفها.
ـ بارتباطها بطائفة بعينها، وباستخدامها ما لديها من وسائل لتأسيس طائفة خاصة بها، عابرة قدر الإمكان للطوائف الأخرى، اخترقت الأسدية المجتمع ومن طيّفتهم من فئاته، دون أن ترتبط ارتباطاً حصرياً بمصالح أي منها بمفردها، وتلزم، بالمقابل، الجميع بالدوران في فلكها بدل أن تدور هي في فلك أي منها، وتتمكن دوماً من إعادة انتاجها وفق حاجاتها، وإجبارها على رؤية نفسها بدلالتها، وبالانكفاء على ذاتها، في أجواء من التوجس من الآخر والعداء له، بينما تُخفي مقاصدها كسلطة تريد إبعاد طائفتها عن أية مؤثرات قد تحرفها عن وظائفها، وأي ميول خارجية أو داخلية قد تضعفها، علماً بأنه من غير الجائز أن يكون بين وظائفها، كسلطة، ما هو أكثر أهمية من استنادها على طائفة بعينها، أسست ملة خاصة بها، لتُوطد بواسطتها تحالف الأقليات، وتجعل منها مجتمعاً رديفاً لمجتمعها الخاص، على أن يكون متماسكاً وطوع بنانها، ليرتبط وجوده بها ويتبنى خطابها ووعودها، ويتغاضى عن ما تمارسه من تمييز بين مكون وآخر من مكوناته، بمعيار قربه أو بعده عن “القيادة” كجهة تمسك بأعنّةْ دولة السلطوية الظاهرة، وأجهزة دولتها العميقة الخفية، وتغطي بقراراتها القضايا والمسائل التي تنضوي في عمل أولاهما عند قمة السلطة، وثانيتهما عند قاع المجتمع، كما تضمن التناسق والانسجام بينهما، بقوة الجيش والاجهزة: ثابت السلطة الأسدية الوحيد، الذي لا يجوز المس ببنيته وهياكله، مهما تبدل قادته ومر به من اختبارات وتعرض له من هزائم، وكلف به من مهام، أو أعادت “القيادة” النظر في مسؤولياته، التي تتخطى مسؤوليات أي مكون طائفي أو مللي متداخل مع السلطة ودولتها، وترفض التقيد بالمصالح المباشرة الخاصة بأي طائفة، أو الاتفاق معها بالضرورة في كل جزئية أو حدث، بما أن عملها كسلطة لا يقتصر على طائفة بمفردها، ويشمل أيضاً مجالات أوسع منها، تضمن لها قدراً من الاستقلالية النسبية عن طائفتها، وعن حلف الأقليات، وتزودها بمرونة كافية في خياراتها وعملها، ترجع إلى ارتباطها بعلاقات تتخطاها ككيانات سابقة للمجتمع، وتمليها الخطوات الضرورية لتعزيز قدرتها على إدراج دولتها العميقة ضمن حاضنة اجتماعية وسياسية واسعة تحجب هويتها الطائفية، واحتواء أطراف تنتمي إلى فئات أخرى عبر ما تحرص عليه كل سلطة من استقلالية نسبية عن طوائفها وطبقاتها ومللها، وكثيراً ما تكون استقلالية واسعة وفاعلة، سواء بالنسبة للمؤسسات البعيدة عن اهتمام الدولة العميقة، أم تلك التي تخدمها بصور غير مباشرة، ومن مناسبة لأخرى. يلقي هذا الواقع الضوء على “وحدة الحال” بين الطائفة والدولة العميقة، الضرورية لتجاوز ما قد ينجم عن استقلاليتهما النسبية من تباين بينهما في هذه المسألة أو تلك، وعلى حجم العِقاب، الذي يجب أن يتعرض له معارضو السلطة من العلويين، ليردع جمهورهم الكبير ويذكّرهم بانتمائهم إلى أخوية عصبوية ما لم تبقى موحدة فقدت قدرتها على حماية نظامها، وحفظ التوازن بين مكونات ملتها السياسية، التي لا تقتصر على العلويين، وتضم مقربين وشركاء من مختلف الاديان والمذاهب، بمن فيهم رجال دين إسلامي تحالفوا معها مقابل السماح لهم بتعاطٍ حر نسبياً مع الشأن العقدي، والتزامهم بقراءات سلطوية للتدين تحولهم إلى فقهاء يمعنون في تأليه وتنزيه رمز السلطة وصاحبها، ويعيدون أسلمة المجتمع بما يتفق ومقاصده، إلى جانب تغريب المسلمين عن دنياهم، وإبعادهم عن أي نهج تنويري أو علماني/ ديمقراطي، وأية مواقف تتسم بالانفتاح على الآخر والتسامح حياله.
ـ تراهن السلطوية على تحقيق هدفيها هذين عبر إيهام أهل السنة أن لهم الغلبة في الدين والدنيا، وأنه لن يبقى لها من خيار، في نهاية الأمر، غير الاستسلام لهم. لم يدرك شيوخ السلطة الأوقافية أنهم يروجون نمط التدين الكفيل بإثارة صراعات هوياتية بين السوريين، توحد العلويين وأغلب الأقليات الدينية والمذهبية الأخرى حول الدولة العميقة، وتُرسخ نمطاً من الوعي والعلاقات، التي تُخرج الاغلبية من الدنيا، وتشد بقية السوريين إلى السلطة كطرف وحيد يستطيع حمايتهم من القتل، بحؤوله دون وصول الأغلبية إلى الحكم، وجعله المذهبية موضوعاً سياسياً بامتياز، يوهم أهل السنة أنهم ليسوا مغلوبين على أمرهم أو مهزومين، وأن في قلوبهم المحصنة بالإيمان ما يعوضهم روحياً عن ما خسروه من وجودهم المادي والمعنوي، الأدنى منه قيمة ومكانة عند الله وفي حياتهم!. تظهر مفاعيل هذه السياسة بصورة خاصة عند المنتفعين بفساد السلطة العابر للطبقات، وخاصة منهم التجار، الذين أضعفت الأسدية صلاتهم التقليدية بالمؤسسة الأوقافية، في إطار سياسي/ اجتماعي حولهم إلى ركن من أركانها، استولت على إرادته، ورمزيته، مقابل منافع تتقاسمها معه.
ـ مثلما ابتدع النظام الأسدي ضد دولة، ابتدع أيضاً ضد طائفة. ومثلما ربط الأولى به، كذلك فعل بالثانية، ومثلما أمسك بالمجتمع من أعلى صعيد سياسي منظم، اخترقه كذلك من تحت: من أدنى صعيد ما قبل مجتمعي حدثه أمنياً. ومثلما يسود الاقتناع بأن الطائفة العلوية تتحكم تحكماً لا قيد عليه بالنظام، وتسيره وفق مآربها، كذلك تشير الوقائع إلا أن علاقته بها تشبه علاقة الدين بالدولة، حيث يعتقد كثيرون أنها تقوم على تحكم الأول بالثانية، بينما تقول الوقائع أن “ضد الدولة” هي التي تتحكم بالدين، وتعيد انتاجه بما يجعل منه أداة في ترسانتها الأيديولوجية الضرورية للتلاعب بالمؤمنين، أي أنها تجعله ضد دين: أو دينا سلطوياً يؤدي الوظيفة التي تكمل وظيفة العلمانية التي ينسبها لنفسه، مع أنها ليست في الحقيقة غير دين سلطة معادٍ لأديان الوحي، كما تبين خلال الثورة من خلال محاولات فرض الأسد الصغير كرب بديل لله، أرغم سوريون كثيرون على الإقرار بأنه ربهم، ودفن كثيرون أحياء لانهم رفضوا القول بذلك، كما أنه معاد أيضا للعلمانية، التي لا وجود لها دون الإنسان الحر والمواطنة المتساوية.
ـ تأخذ السلطة ما يناسبها من هويتيها المعاديتين للدين وللعلمانية، وترفض ما لا يتفق معهما، وتتحكم مذهبياً بالطوائف، وخاصة الطائفة العلوية، لاعتقاد الأسد الأب أنه واجب الوجود بالنسبة لها، وأن فطرتها يجب ان تلزمها بالرضوخ له، بما أنها لم تكن شيئاً قبله وأنه خلقها من عدم، ولن تبقى بعده. لذلك، من غير الجائز أن تخضع السلطة مجسدة في شخصه للطائفة، والصحيح أن تخضع الطائفة لسلطته، وترى في شخصه حاضنة تخصها، ولها وحدها حق الانفراد في تقرير ما يدور في سورية، ومن مصلحتها أن لا تسهم من حيث لا تدري في تقويض الدولة العميقة وسلطتها، بعد أن أنجزت ما لم تكن الطائفة العلوية مؤهلة لإنجازه، وكان يتحدى بنيتها المتخلفة، وما كان لها أن تعيد المجتمع السوري إلى زمن تفكيكي، لو لم تعد السلطة إنتاجها وتحديثها أمنياً، وتوطنها في دولتها العميقة، وتربطها بمن يقرر شؤونها في موقعه فوق المجتمع. ومع أن التماهي بين السلطة والطائفة العلوية كثيراً ما يحجب الفوارق بينهما، وأرجحية السلطة في علاقاتهما المتبادلة والمتفاوتة المستويات والقدرات، وبالنسبة إلى مصالحهما المشتركة والمختلفة، فانه مما لا شك فيه أن السلطة هي التي تحدد، ودون تشاور مع العلويين، مصالح طائفتهم، التي كانت قبلها طائفة بذاتها، طائفة خاماً، وحولتها الأسدية إلى طائفة لذاتها، طائفة سلطة متحكمة، وحملتها رسالة سياسية من طبيعة عامة يعجز أي تكوين ما قبل مجتمعي عن حملها بمفرده. لذلك، إذا كان هناك في سورية من طائفة أسيرة للسلطة، فهي الطائفة العلوية، التي بلغ من ارتهانها لها أنها تموت منذ ثمانية أعوام من أجل أسرة: لم تتمكن من الانفكاك عنها، ولم تعرف، في الوقت نفسه، كيف توقف نحر أبنائها بأيديهم.
ـ لطمس الفروق بين دولة المجتمع ودولة السلطة، بنَت الأسدية أجهزة ضخمة اخترقت بعمق وفاعلية جميع فئات السوريين، وراقبت أنشطتهم، وتشابكت معهم حياتياً ومصالحياً، وحرصت على خلو علاقاتهم معها من أية نقاط ضعف وفجوات تكوينية. وكان الأسد قد بنى نظامه على ركيزتين هما: تنويع بيروقراطيته، وتطييف أجهزة دولته العميقة وتضخيمها إلى حد جعلها أشبه بعملاق كلي القوة، يتربص بفريسة ضعيفة هي مجتمع مبعثر، تتلاعب به كما يحلو لها. أما مركز هذا الجهاز الضخم والمتغول، فهو جيش أضخم من أن تموله دولة محدودة الموارد كسوريا، موله الخليج ليكون أداة تتخطى قدراتها بلادها، كما تبين خلال تمرد جهمان العتيبي في السعودية، والغزو العراقي للكويت. ومع أن الجيش الأسدي لم يبدِ يوماً أي قدرة على، أو رغبة في حماية البلاد من إسرائيل، أو في استعادة الجولان، وقصر جهده على حماية النظام، من الشعب أساساً، فإن الأسد ادعى أنه يبنيه لتحرير فلسطين من الصهاينة، ما أن يُحرر العالم العربي من عملائهم. ولان عدوها داخلي، فقد أسست الأسدية أجهزة مخابرات لا يعرف أحدٌ بدقة أعداد منتسبيها وشيفراتها، وإن كانت بعض التقديرات التخمينية قد اتفقت على أنها تضم أكثر من مليون ضابط، وعنصر متفرغ، ومخبر، ومتعاون ومتطوع أو مكلف حزبي، ممن يعتبرون أنفسهم حراساً للسلطة، ويخطبون ود سادتها بتقديم خدماتهم لأجهزتها، يحذو حذوهم من انضم إليها من أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية”. بينما غطى الجيش وما يسمى “جهاز الأمن”، الذي لم تعرف سوريا الأمن بعد تشكيله، جميع مسامات المجتمع في جميع مناطق الجغرافيا السورية، لذلك، آمن السوريون أن “الرئيس” يراقب كل فرد منهم على مدار الساعة، في نومهم ويقظتهم، ويعيش داخل منازلهم، ويعشش في عقولهم وقلوبهم، وأن من العبث بذل اي جهد للإفلات من قبضته، فهو يمسك بمختلف أوجه حياتهم، ومن المحال التخلص منه بما هو متاح لأغلب شعوب العالم من انتخابات ومطالبات سلمية بالإصلاح والتغيير، أو برأي عام مسيس وصحافة، أو بنظم قضائية، وضغوط دولية واستجارة بالأمم المتحدة ومؤسساتها المدافعة عن الإنسان وحقوقه… الخ.
ـ بنت الأسدية بيروقراطية تكامل عملها مع عمل أجهزة الدولة العميقة، فتداخلت قيادات الطرفين وشكلت كياناً تكاملت وظائفه، ينفذ ما يأتيه من أوامر وتوجيهات، وتمليه الشراكة في الفساد، ويتطلبه استمرارها من حماية أمنية ووحدة سلطوية. هذه البيروقراطية حرصت دوماً على عدم تطبيق القوانين، والّتَفَتْ عليها وكيّفتها مع ما تحتاج إليه الدولة العميقة من اجتهادات قانونية وممارسات إدارية تسوغ وتغطي خروجها عن القانون، وحجب أو تبرير ما ارتكبته من انتهاكات لحقوق الانسان، وتعدٍ على المواطنين وممتلكاتهم، وممارسات تتصل بالفساد، وتغلّب كفة الأقوياء على الضعفاء، والأغنياء على الفقراء، والريفيين على المدينيين، ومن دفع على من رفض الدفع، أو لم يملك المبلغ المطلوب، ومالك رأس المال على بائع قوة عمله، فالقضاء بازار بيع وشراء، ومن لا يحب الذهاب إليه، يستطيع مقاضاة ومعاقبة خصمه بالدفع للأجهزة، بما له وليس بِحججه، ومن لديه رغبة في انتزاع حيازة أو ملكية غيره، يجد دوماً من يساعده على ذلك في الدوائر العقارية والقضائية. هذه البيروقراطية، التي تلتهم معظم موازنة الدولة العادية، وجزءاً لا بأس به من موازناتها الإنمائية، وتشرف على تنفيذ ونهب مشاريع تمولها الرساميل العامة والخاصة، في حين يراد لضخامتها أن تثير الانطباع بأن في سورية دولة بمواصفات الدول الحديثة، فهي عامة وشاملة وغير شخصية، وتلتزم بمصالح المجتمع كأي بيروقراطية حديثة، وإن كانت مجردة إلى درجة تجعلها خارج متناول وإدراك مواطن صار أمنه ووجوده مرتبطاً بانصياعه المفتوح لها، كممثلة حداثة تستهدف إزالة تأخره، ونظام يرفض فوضاهُ [من الفوضى]، وعقلانية معادية لعشوائيته، وحاضر منفتح على مستقبل لا أثر فيه للماضي. هذا الانطباع يثيره لدى الخارج الأجنبي، العارف بأهمية وظائف البيروقراطية من كتابات ماكس فيبر([45]) ما يراه من سيارات حديثة يستخدمها كبار مسؤوليها، ومكاتب تبز في فخامتها ما لدى البيروقراطية في أي دولة متقدمة. ومن يشاهد مبنى محافظة فقيرة كاللاذقية، على سبيل المثال، سيخال نفسه أمام قصر أحد كبار ’المنداران‘ خلال حقبة امبراطورية تشانغ الزاهرة في الصين، أو حيال مقر حاكم استعماري يحتله غزاة يحرسهم أغراب، وسيصدق ما يقوله النظام حول تقدميته وتقليدية، وبالأحرى رجعية، المجتمع، وسيؤمن أن السلطة تحتاج إلى قبضة حديدية لتخرج مجتمعها المتخلف من ركود تاريخي ألِفَ العيش فيه، وأن أجهزتها ليست قمعية، بل تقدمية وحداثية، وتضع نفسها في خدمة الحداثة والعقلانية، وسط قومٍ معادٍ لهما.
ـ كان الأسد يعتقد أن السلطوية تكون فعالة ومرهوبة الجانب، بقدر ما لا تشبه شعبها، وترتبط به شخصياً، وتواجه السوريين بتحديات تستهلك وقتهم وجهدهم، وتصرف أنظارهم عن أي شيء سواها. لذلك، لا بأس إن غرس نظامه قدراً من الرعب في نفوس بناته وأبنائه يحول دون تحررهم من قمقم ذواتهم المذعورة، ودون امتلاكهم بعداً شخصياً أو روحياً يغريهم بتخطي الأوضاع، التي تضمن استقرار السلطة بقدر ما تبقيهم غرباء عن الشأن العام. تحقيقاً لهذا الهدف، أسست الأسدية غربة متبادلة بين أجهزتها والمجتمع السوري، ورسخت التوجس والعداء بينهما، وأضفت طابعاً شاملاً، سرياً أو علنياً حسب الظروف والحاجة، على بطشها بالمواطنين، الذين استهدفهم وجعل أعظم أمانيهم تحاشي الوقوع بين أيديها أو الاصطدام بها، بل وخطبْ ودها، والتظاهر بالتماهي معها، فإن أتاح التمسح بأذيالها الحصول على بعض “فتاتها”، اعتبروا ذلك أعطية شخصية من الأسد، ومكافأة يهبها لهم مقابل شرف المشاركة في عبادته كَوَليّ نِعم رباني، بيده حياة وموت، وإغناء وإفقار من يشاء ساعة يشاء.
ـ كان من الطبيعي أن لا تشتغل بيروقراطية الأسدية حسب أي تراتب إداري تمليه المكانة الوظيفية من صلاحياتها، ويحتمه التزامها بالقانون. كما كان من الضروري أن لا تحترم التسلسل الوظيفي، إلا بقدر ما تمليه اعتبارات غير وظيفية كالقرابة مع أهل السلطة أو التقرب منهم، أو النفوذ المستمد من ثروة أو طائفة أو عائلة أو جهة مخابراتية أو جماعة عصبوية … الخ. وقد شهدت سورية كوارث حقيقية بسبب فوضى البيروقراطية، وتدخل غير المنتمين إليها في عملها، وارتباطها بجهات سياسية وحزبية تابعة للدولة العميقة، وانفكاكها عن مصالح الدولة العليا، التي أخضعتها غالباً لرغبات وأهواء جهات يتوقف استمرار وتوازن السلطة عليها. بهذه الفوضى المنظمة، حيرت السلطوية المواطن السوري، وزادت وظائف وممارسات بيروقراطيتها غموضاً، وتعمقَ انفصالها عن مجتمع أسهمت ضخامتها في إقناعه بأن لعبة الأسدية أكثر تعقيداً من قدرته على إدراكها أو مواجهتها، وأن غموضها يخدمه ويريحه بصرفه عن ما لا يعنيه، ويُفضي تدخله فيه لإغراقه في مشكلات لا قبل له بها.
ـ فتحت الأسدية عدداً كبيراً من الملفات حول أحداث وأشخاص وأحزاب وجماعات ودول في سوريا والمنطقة العربية وخارجها، لاعتقادها أن ملفاتها تمنحها دوراً مهماً بالنسبة لأوساط عديدة: محلية وإقليمية ودولية. لو حاولنا تعداد الملفات التي تولت الأسدية إنشاءها، لعجزنا عن الإحاطة بها والإلمام بمحتوياتها، ولأصابنا الذهول من كثرة عددها وضخامة حجمها وتنوعها، وما أدته الدولة الأسدية العميقة وأجهزتها المختصة من أدوار خفية وغامضة في مختلف المجالات، وقطعته على نفسها من التزامات عانت سوريا والمنطقة الأمَريّن بسببها، لأنها زجت بهما في تشابكات تتجاوز مواجهتها قدراتهما مجتمعتين، ووضعتهما في بؤر صراعات يخوضها عمالقة. من الصعب، إن لم يكن من المحال، أن يكون هناك موضوع سوري أو عربي أو إقليمي أو دولي على علاقة بأي شأن من الشؤون وأي طرف من الأطراف المحلية وبعض الخارجية إلا وله ملف أو أكثر لدى فرع ما من فروع أجهزتها، المنخرطة في جميع أصناف المؤامرات والمغامرات القريبة والبعيدة، بين افغانستان وجنوب أميركا، مروراً بالعراق وموريتانيا وجيبوتي، وموسكو وواشنطن وبكين، وما غطته من قضايا النفط، وعلاقات أمرائه، وملوكه، ونزواتهم الشخصية والجنسية، والأوجه الخفية من علاقات العرب مع إسرائيل، وتشكيل تنظيمات الإرهاب والحرب عليها. هذه الملفات، لعبت دوراً مفتاحياً في المحافظة على الأسدية وتلقيها العون من البلدان، التي ساعدتها على تخطي ما واجهته من مشكلات وأزمات، بعد أن كان من يجهلون مدى انخراطها في عالم السياسة السفلي، يعتقدون أنها ستخرج صفر اليدين من ألاعيبها، أو أن عجزها عن التصدي لمشكلاتها سيسقطها.
ـ لو حصرنا ملفات الدولة العميقة بسورية وشعبها، لاستطعنا القول: إن لكل سوريةٍ وسوري ملفاً، لا يستثنى من ذلك البعثيون السوريون والعرب ومن في حكمهم، ممن وضع رفاقهم في الأجهزة السرية ملفاتٍ لهم، خاصة إن كانوا عسكريين أو في مراكز مهمة، وبغض النظر عن عمرهم، أو منزلتهم الاجتماعية، أو مستوى تعليمهم، أو دورهم المجتمعي، أو علاقاتهم الشخصية، أو السياسية أو ظروف عملهم، أو تجارتهم، وصناعتهم، أو زراعتهم، أو زواجهم وطلاقهم، أو أديانهم…الخ. من أجل ملفاتها، تدخلت الدولة العميقة في كل كبيرة وصغيره، وراقب كل شخص، بما في ذلك حافظ الأسد نفسه، وبذلت جهوداً مضنية لجعل ما في ملفاته متزامناً مع ما يجري في الواقع، فإن طرحت مسألة الإرهاب، أخرجت من جعبتها آلاف الملفات التفصيلية عن الإرهابيين، الذين اصطنعت تنظيمات وقتية ودائمة منهم، استخدمتها، أو لوحت باستخدامها، ضد هذا الطرف أو ذاك، أو تخلت عنها في الوقت الذي تجده مناسباً، أو رفعت حمايتها عنها وسلمتها جزئياً أو كلياً إلى أعدائها، مثلما سلمت منظمة مسلحة أرمنية لتركيا، بعد أن اغتالت مخابراتها رئيسها في لبنان، وقدمت ملفاً بأسماء وصور أعضاء وقادة ومناصري حزب العمال الكردستاني إلى أنقرة، بمجرد أن هدده رئيس وزرائها مسعود يلمز عام ١٩٩٨ باجتياح القرداحة وحلب، فاستجاب النظام لتهديده بطرد الحزب وزعيمه من سورية، مع أن الأسد كان قد أنكر مرات عديدة أنه فيها، ورفض معلومة أوردها ضابط مخابرات تركي في حديث معه حول اختباء أوجلان في بيت أخيه الأصغر جميل الأسد في القرداحة. أخيراً، عندما هدد الجيش التركي بقصف البيت/ المخبأ، أمر الأسد بإخراجه منه، ثم طردهُ من سورية ومعه المئات من أعضاء حزبه، وسلم الأتراك والأميركيين شريطاً مصوراً عنهم فرداً فرداً، وهم يغادرون مطار دمشق الدولي.
ـ تنوعت الملفات الأسدية، حتى صار لها أجهزة ومكاتب متخصصة، تحتفظ كل منها بسرية أعمالها وعلاقاتها الخارجية والداخلية مع زبائنها والتنظيمات الارهابية، وبالأخص منها تلك التي قامت بتشكيلها واستخدامها في مناسبات معينة اختفت بعدها، أو قيل إن الدولة العميقة ألقت القبض على عناصرها، كما فعلت في حالة المدعو أبي عدس، الذي أذيع باسمه شريط وزعته المخابرات ادعى فيه أنه هو الذي اغتيال الحريري. إلى جانب الملفات، ضمت الدولة العميقة مكاتب مارست الإرهاب، واغتالت ديبلوماسيين ومسؤولين في دول أخرى، كسفراء الأردن في تركيا وماليزيا وسفير فرنسا في لبنان، أو زرعت شبكات تابعة لها في مواقع حساسة من تنظيمات اخترقتها، لتكون قادرة على التحكم فيها، وتنفيذ عمليات فورية ضدها أو بواسطتها، بمجرد تلقيها أوامر بذلك من مرجعيتها العليا: حافظ الأسد، الضالع في تخطيط عمليات قتل واختطاف واغتيال تمت تحت إشرافه المباشر في كثير من الحالات والبلدان، وخاصة في الثمانينيات، عندما تعرض لمحاولة اغتيال بالسُم، وحقق بنفسه مع مدبرها الإخواني الطبيب غسان أبو زيد، وذهب إلى سجن المزة للتحقيق مع خمسة طلبة جامعيين أسسوا منظمة يسارية فجرت عام ١٩٧٤ قنبلة بدائية الصنع أسفل بناء فيه مكتب شركة أميركية يديرها خال أحدهم، احتجاجاً على زيارة هنري كيسنجر إلى دمشق. ومن المعروف أن قادة المؤسسة العسكرية كـ حكمت الشهابي وناجي جميل ومحمد الخولي كانوا يحققون مع المعتقلين ويعذبونهم وهم يحتسون الويسكي، ويأكلون ما لذ وطاب من لحوم ودجاج وأسماك.
ـ كان للملفات الأسدية فوائد عديدة، كتنفيذ عمليات إرهابية بأسماء تبدو عديمة الصلة بنظام دمشق أو معادية له، وتقديم معلومات إلى دول كبيرة ترتبط سلامة النظام بها، بحجة أن أجهزته اخترقت التنظيمات المعنية، وجمعت معلومات عنها لخدمة أمن وسلام من يطلبها أو يحتاج إليها في أميركا وأوروبا. ومن المعروف أن العماد آصف شوكت، أحد أكبر جنرالات المخابرات العسكرية السورية وصهر آل الأسد، سلم نيفاً وستة وثلاثين ألف وثيقة إلى الجنرال الأميركي ’جون كايميت‘ رئيس غرفة عمليات جيش الاحتلال الاميركي في العراق، تضمنت معلومات عن تنظيم القاعدة ومنظمات إرهابية أخرى([46])، تبين عند فحصها أن غثها أكثر بكثير من ثمينها، وأن وظيفتها كانت تبرئة النظام من تهمة التعامل مع الإرهاب، وتضييع أطول فترة من وقت الأميركيين على دراستها، بينما كان من دربتهم مخابرات آصف شوكت من إرهابيين ينتشرون في مناطق العراق المختلفة، ويقاتل معظمهم إلى جانب أبو مصعب الزرقاوي.
ـ بملفاته، غدا النظام الامني السوري مصلحة دولية، وجرى التغاضي عن عديد من جرائمه وممارساته ضد الشعب السوري والبلدان المجاورة. وتشابكت علاقاته مع مختلف أجهزة الأمن والقمع في معظم بلدان العالم، التي تبنى ما ناسبه من نظمها الداخلية وممارساتها، ومنح بعضها صلاحية العمل في سوريا، وإجراء اعتقالات وتحقيقات داخل مقرات أجهزة دولته العميقة الرسمية، أو بالتعاون معها، كما نصت عليه اتفاقية أضنه، التي عقدت عام ١٩٩٨ بين المخابرات السورية والجيش التركي، وتعهدت فيها بمنع أي نشاط لحزب العمال الكردستاني من سوريا، والمناطق التي يشرف الجيش الأسدي عليها في لبنان، وباعتبار “الخلافات الحدودية” بين البلدين منتهية، وأن أياً منهما ليس له مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر([47])، بذلك اعتبر استيلاء تركيا على لواء اسكندرون خلاف حدودي، وأقر الأسد بما دأب على إنكاره شخصياً حول وجود حزب العمال الكردستاني وأوجلان في سوريا، وتخلى رسمياً عن جزء من أراضي الدولة السورية، كثيراً ما ادعى أنه لن يتنازل عنه تحت اي ظرف.
ـ فتحت الأسدية ملفات عابرة لحدودها، وأقامت علاقات خارجية جعلت التمسك بها مصلحة دولية، وخاضت معارك متشعبة في كل اتجاه، بذريعة المحافظة على أمن العالم، دون أن تغلق الأبواب الخلفية التي تسمح لها بالتراجع عن أي موقف “مبدئي” تدعيه، كما حدث في الحالة التركية، أو بالتعاون والتنسيق عن بعد مع أي طرف يساعد على استمرار حكمها، بما في ذلك إسرائيل.
ـ أخيراً، يتبنى النظام الأسدي، الشديد التعقيد، موقفاً عاماً من السوريين يضعهم في خانة العدو الأخطر، وفي حالات عديدة، العدو الوحيد، لكونهم الجهة الاكثر تشابكاً معه ومعرفة به، ورفضاً لنمط سيطرته وحكمه، ولخوفه من ذاكرتهم، التي أخبرت جيلاً كاملاً منهم أنه كان لهم ذات يوم غير بعيد وطن وحقوق، وأن انقضاضه عليهم وعليها تم بانقلاب عسكري اتبعه بانقلاب سياسي شامل لم يترك في وطنهم وحياتهم أي مجال لحلول وسط أو تفاهمات، بناه على فكرة ترى إن الشعب عدو، ويجب أن يعامل كعدو، وإن الأسدية لن تنعم بالاستقرار إن فشلت في تفريق صفوفه، وإرغامه على امتلاك أنماط من الوعي المفوّت تضمن امتثاليته، وتغربه عن نفسه وشؤونه، وتجعله خادم سلطة تتوطد بمقدار ما تعظم تفوقها عليه، وتوسع الهوة التي تفصلها عنه.
ـ خلال اضطرابات الثمانينيات، راجت معلومة تقول: إن المارشال جريتشكو، وزير دفاع روسيا، سأل حافظ الأسد عن موقف الجيش والأجهزة من النظام، وعندما أكد ولاءها، قال المارشال السوفييتي: لن اسألك عن موقف الشعب، فهو غير مهم ما دام الجيش والمخابرات معك. بعد حين، زار الأسد مدينة اللاذقية، وأراد أن يصلي في جامع بناه السلطان قلاوون وسط المدينة إسمه جامع العجان، فدعت أجهزة القمع وحزب البعث الناس إلى مشاركته الصلاة، لكن عدد من استجابوا للدعوة كان قليلاً. عندما حضر في الموعد المحدد، اقترب ضابط مخابرات منه معتذراً عن قلة المصلين، فقال له وقد أدرك ما يريد: “المهم أن يكون الأمن حاضراً، الشعب غير مهم”. في كل مرة تصرف الأسد فيها، كان يختلق لنفسه شعباً بديلاً عن شعب سورية، مثلما اختلق دولة بديلة وطائفة بديلة وسلطة بديلة، وعاش في عالم سلطوي أفرغه من السوريين، ومن أي شيء أرادوه أو فكروا فيه، وحقد عليهم بسبب اختلافهم عن الصورة التي كونها لنفسه عن شعب تجب هيكلته بما يتفق ورغبته فيه “كمجتمع طبقة واحدة، وبلا حاجات، تزدهر فيه المقاييس الأخلاقية، وينعدم الظلم، وتسود العدالة، وينتفي الخوف، وتهيمن الطمأنينة”([48] )، فأي مسافة كانت تفصل السوريين عن مجتمع الفضيلة الوهمي هذا، الذي دأب داعيته على معاقبتهم يومياً لأنهم يطالبون به، بينما احتفى ابنه بـ”المجتمع المتجانس وهو يعترف أن ’سوريا‘ (سوريته على الارجح!)خسرت خيرة شبابها”([49]) قبل أن يشكر حزب الله وإيران وروسيا على إنقاذه، بعد أن كاد يخسر حرب دولته العميقة على الشعب السوري، رغم قتل وإصابة وتهجير وتجويع ثلثي “المجتمع السوري” واقتلاعه من جذوره، ليتجانس في العدم!.
ـ إذا كان السوريون ليسوا جديرين بالارتقاء كشعب إلى مستوى الأسدية، فهذا يجعل من ارتباط رئيسها ورمزها حتمياً بالدولة العميقة، وليس بارادتهم العامة، ومن صلاحياته وشرعيته مسألة محض شخصية، تنبع منه وتجسده. بإطلاق إسمه على سوريا، وبدمجها شعباً وأرضاً به، وبلقب “المقدس”، الذي أطلقه الحرس الجمهوري عليه، خرج الأسد من التداول الإنساني، وغدا “مُخلِصاً” وفادياً. يلقي هذا الواقع الضوء على حقيقة أنه لا يوجد سوري واحد يمكنه القول إنه صديق حافظ الأسد أو مقرب منه، أو صديق ابنه أو مقرب منه، فهل صدقَ الأسد الأب أكذوبته كمخلص وفادٍ، وتخلى لهذا السبب عن رفاق الطفولة والشباب وقاطعهم، أو دأب على السخرية منهم والاستهانة بهم والحط من قدرهم، عندما كان يصادفهم في جنازة أو خلال إحدى زياراته النادرة إلى القرداحة، مسقط رأسه. لم يُعرف أيضاً عن الأسد أنه سمح لأحد بالاقتراب منه، ومن المعروف أنه استخدم الذين عملوا معه كأدوات تعمّدَ أن يتلاعب بها بمناسبة وبلا مناسبة، وأن يتابع زلاتهم وسقطاتهم ليسّعد بالأدلة التي تثبت قصورهم المهني أو فسادهم الأخلاقي أو المالي، وينتهز الفرص لإظهار تفوقه عليهم، والشك في قدراتهم وقيمتهم، وليطرح عليهم أسئلة لا يسمح لهم بالرد عليها، أو يطلب منهم استشارة يستدعيهم بعد تقديمها لينتقد ما نصحوا به بجلافة وتجبر. لهذا، كان مساعدوه يعيشون ويعملون في قلق دائم، ويتمنون أن لا يُكلفوا بمهام، وأن يوافق على إبعادهم عن القصر الجمهوري، ليتفادوا شكوكه وسلوكه المفعم بالازدراء والتحقير.
ـ عندما صار الأسد وزيراً للدفاع، كان أول ما فعله هو استدعاء مدربه في الكلية الجوية، وقائد سلاح الجو، الذي نال رتبته كلواء طيار بالاستحقاق والتدرج المهني. حين دخل إلى مكتبه، واندفع نحوه مباركاً له المنصب، نهره وطلب منه مغادرة الغرفة، وطرق الباب، والدخول بعد أن يؤذن له، ثم الوقوف باستعداد حسب التقاليد العسكرية، ريثما يأذن له بالجلوس. وقد كرر وريثه بشار هذا السلوك، فابعد جميع أصدقائه ومعارفه عنه، ربما لأنهم كانوا يسخرون منه خلال فترة الدراسة، ولم يترك مناسبة إلا وذكرهم بأنه لم يعد منهم، بل صار رئيسهم. وعندما ذكرت إحدى الفنانات في حديث إذاعي أنه صديق لأسرتها، اتصل بها موظف من القصر الجمهوري يحذرها من تكرار غلطتها، فـ”السيد الرئيس” كان صديقا قبل توليه منصبه، وله الآن وحده الحق في اختيار أصدقائه. ومن المعروف أن بشار الأسد كان يعامل العماد آصف شوكت، زوج شقيقته، كموظف وليس كمسؤول وقريب للعائلة. وكان غالباً ما يبقيه واقفاً باستعداد في مكتبه، دون أن يدعوه للجلوس مهما طالت مقابلتهما. في هذا النمط من التسلط الجنوني المفعم بعقد النقص والدونية، صار استخدام العنف المادي والمعنوي أداة تنظيم علاقة السلطة بالشعب، ولم يعد مستغرباً أن يستقبل الأسد الأب منتصف عام ١٩٨٢ وفداً من مدينة حماه أتاه راجياً إخراج الوحدات الخاصة من المدينة، وتجميعها في المواقع التي كانت فيها قبل انفجار الصراع المتجدد في شهر شباط من العام نفسه، الذي جرى خلاله قصفها ثم اجتياحها وتدميرها، وقتل ستة وأربعين ألف مواطنة ومواطن من بناتها وأبنائها. حين برر مفتي المدينة، الذي تحدث باسم الوفد، طلبه باستقرار الأوضاع وتوقف الأعمال الحربية، وانتفاء الحاجة إلى انتشار الجيش والمخابرات في الشوارع، تحاشياً لوقوع حوادث قاسية تطال النساء بصورة خاصة. استمع من كان إعلامه يسميه “حبيب الشعب” و”عظيم الأمة” إلى الوفد، الذي ضم ستة وعشرين حموياً، قبل أن يسأل المفتي بصوت خافت، لطالما قيل إنه دليل رحمانيته: استاذي، لو أردت قتلكم، هل كنتم اليوم في عداد الاحياء؟. أجاب المفتي بالنفي، فأضاف الأسد: أما كان من اللباقة أن تبدأ حديثك بشكري لأنني أبقيت على حياتكم. قال هذا، ثم استدعى رئيس المراسم، وأمره بتقديم وجبة غداء لهم، وإعادتهم إلى حماه.
ـ هذه النظرة إلى الشعب والآخر، التي افتقرت إلى أي سند أخلاقي أو إنساني أو وطني، واعتمدت الاستخدام الأدواتي لفئاته وطوائفه وأفراده، طالت الطائفة العلوية أيضاً، التي ربما كانت أكثر عرضة لها من غيرها، بسبب التداخل والخلط بين السلطة وبينها، ورغبة الأخيرة في إثارة الانطباع بأن كل علوي مسؤول عن سياسات الأسد، كأنه هو أيضا رئيس جمهورية وصاحب قرار، ومصدر خطر عظيم في الوقت نفسه، كشريك في الدولة العميقة.
ـ هذا التركيب السلطوي والدولوي المعقد والمشوه، الذي سلّط أجهزة دولة عميقة، طائفية وعنيفة، على مجتمع كَبحَتْ الأسدية نموه السياسي والاقتصادي والثقافي والوطني الطبيعي، وسيره نحو تعايش يعِد بمزيد من التسامح والانفتاح، كان من الحتمي أن يفضي إلى تراجع العمومية المجتمعية أمام كيانات جزئية وسابقة لها، بما عناه ذلك من انهيار للقيم الحديثة، وللحريات والحقوق المدنية. بعد انقلاب عام ١٩٦٣، واستيلاء اللجنة العسكرية على الحكم، تم بناء دولة السلطة، التي أسميتها ضد دولة، ما أن سيطرت على المجال العام وأحلت أساليب إدارتها القسرية للشؤون العامة محل الأساليب القانونية، حتى بدلت موضوعاتها، والطرائق السياسية التي تعتمدها المجتمعات المتراتبة الحديثة، وألغت السياسة كتعبير عن الإرادة العامة، والتعاقد السلمي/ المدني بين الدولة والمجتمع، وسرعان ما غدت ارتكاباتها صفة “الضد نظام” القائم وأهله، الذين بنوا اقتصاد “سلبطة” موازياً للاقتصاد الوطني، بمؤسساته وحراسه وطرقه ومرجعياته، التي هان من أجل مغانمها كل قانون وعرف وتقليد، وخضعت له العلاقات الأسرية والرفاقية والإنسانية، وتعايشت رموزه الأسدية بصورة خاصة مع ما أدى إليه من انحطاط سياسي وفلتان قانوني وأخلاقي، ومن انتهاك لكرامة المواطنين، وتدمير للالتزام بالقيم التي تحافظ على تعاضد الشعب ووحدته، التي غدت نوافل تم التخلي عنها، بعد أن صار انتهاكها وظيفة شرعية للأجهزة والبيروقراطية وحزب البعث، خلال الأعوام الأخيرة خاصة من حياة الأسد الأب، والسنوات العشر السابقة للثورة من حكم ابنه، الذي كان شقيقه باسل قد أخبره، بعد قيامه بسلسلة محاولات للتخلص من مناوئيه بحجة مكافحة الفساد: أن الفاسدين أقوياء لأن والدنا يحميهم. وبالفعل، دافع الأسد الأب في لقاء مع الراحل الكبير سعد الله ونوس عن الفاسدين في أجهزته، وحاول إقناعه بشرعية فسادهم بقوله: عاشوا محرومين طيلة قرون، فما الخطأ إن استمتعوا بسلطتهم، وأثروا؟. قال الأسد هذا رداً على انتقاد الكاتب المسرحي للفساد، واستغرابه أن يستأجر مقدم في الأمن العسكري قاعة في فندق الشيراتون بسبع مائة ألف ليرة سورية، تعادل أربعة عشر ألف دولار أميركي، للاحتفال بعيد ميلاد ابنته ذات الأحد عشر ربيعاً، مع أن راتبه لا يتجاوز مائتي دولار.
ـ بالانهيار الاخلاقي/ القيمي المنظم على أعلى مستوى، وبإثارة تناقضات عززت انتماءات السوريين الدنيا وأعادت إحياء ما كانوا في طريقهم إلى تخطيه منها، ورِدتِهم إلى مجتمع تتراصف أخوياته المتعادية قرب بعضها البعض، وتتناحر أو تتنافس في أجواء بلغت سلبيتها حدود العداء، بينما استولت على السلطة أطراف جسّد أشخاصها عيوب هذا الوضع، وأدى الاقتداء بهم إلى تعميم التهاوي الوطني والإنساني، وإيقاظ أحط الغرائز لدى انصارهم واتباعهم، وتأطيرها بقرارات وأوامر وتوجيهات مخالفة للدستور تصدر عن عصابات ولا تصدر عن دول، كالقرار “الرئاسي”، الذي صدر عام ١٩٨٠ برقم ٤٩، ويَعتبِر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الاخوان المسلمين”([50])، واستثنى من العقاب كل من يقتل إخوانياً، بغض النظر عن صفته، في تخلٍ صريح عن احتكار الدولة للعنف، وتعطيل لحكم القانون، ونشر القتل الإنتقامي والكيدي في كل مكان، ومحو أي أثر مدني أو قانوني في علاقات السوريين. وقد مر القانون دون مناقشة أو اعتراض من أي عضو في مجلس الشعب، أو وزارة العدل، أو الجبهة الوطنية التقدمية، رغم ما ارتكب باسمه من جرائم غطت سوريا من أقصاها إلى أدناها، وسمحت لأي مواطن بقتل أي مواطن آخر، بمجرد ادعائه أنه قتل عضواً في عصابة “الاخوان المسلمين”، رغم أن قصده قد يكون الاستيلاء على منزله، أو أمواله ونسائه، كما حدث في حالات لا حصر لعددها. هكذا، تم “بقانون” نشر إجرام وانفلات الدولة العميقة ومن جندتهم من قتلة مجهولين، وأبيح قتل مواطنين لم توجه أي جهة قضائية أي تهمة إليهم، ولم يجرِ أي تحقيق رسمي حولهم، ولم يكن هناك ما يثبت انتماءهم إلى “الأخوان”، ما دام القتلة ينجزون عملاً يقوم به جهاز فوق المساءلة، قادته هم مرجعية الحق والباطل في كل شأن!.
– في التصور الذي وضعه الأسد لإدارة المجتمع، كان هناك فقرة تقول: لا نريد رأياً عاماً سياسياً أو مسيساً، بل رأياً عاماً نتحكم نحن باتجاهاته، لن يكون له قوام ثابت، أو “تمون” عليه جهة غيرنا، نحن وشيوخ المؤسسة الأوقافية ودهاقنة غرفة التجارة: الجهتان اللتان ستختار أجهزتنا ممثليهما، ليُسهموا في توثين “الرأي العام”، وتوظيفه لإنتاج مواقف امتثالية حيال شخصه وسلطته، على أن تتكامل مع المواقف “العلمانية”، التي تنتجها أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية”، بما فيها “حزب البعث”، وتقوم على التزام الطرفين المعلن هنا، المضمر هناك، بوجهات نظر ومواقف “القيادة”، التي يتحول من يعتنقها أو يتبناها إلى امتداد وأداة للدولة العميقة، يساعد على ضبط الحياة العامة في إطار التسلطية السائدة، وفي قطع التواصل المنظم والعام بين السوريين، بحيث تقتصر الوطنية على ترداد ما يقوله الرئيس، والايمان بعصمته، والولاء لشخصه كما يتماهى معه وطن ستعاد كتابة تاريخه ليصير نضاله وراء كل ما عرفته سورية من تطورات إيجابية، كقيادة انتفاضة حجارة ذكرها الأسد في إحدى خطبه لينسب لنفسه انتفاضة الحجارة في فلسطين، وخروج الانتداب الفرنسي من سورية، متناسيا أنه كان في سن السادسة عشرة، عندما نالت سوريا استقلالها، أما التطورات السلبية، فالويل ثم الويل لمن يذكرها أو يذكّر بها، كحرب حزيران ودوره في تسليم الجولان لإسرائيل.
ـ صاغ النظام الأسدي مفهوماً للوطنية يعزز انفراط عقد الشعب إلى كيانات متحاجزة وتدار من فوق: من الكيان الجزئي، الذي مكنه احتكار السلطة وجبروت أجهزة الدولة العميقة من الاستيلاء على معظم موارد البلاد، والتحكم بوعي المواطنين العام، وإقامة نظام شديد المركزية يدير قاعاً مجتمعياً مشتتاً ومبعثراً، غرّبه عن شؤونه العامة، وأفقده حقه في الاهتمام بأمورها، بما في ذلك الخاصة منها، التي تعينت دوماً في أطر لم يكن له دور في تحديدها، لأنها أخضعت لرقابة سلطوية شاملة أوصلت ما جمعته من معلومات وتقارير إلى الرئاسة، بما في ذلك ما يتم فيها من لقاءات شخصية، وزيجات، وأعراس ومآتم تخلوا من بُعد عام أو سياسي. في مفهوم الوطنية الأسدية، الذي يحتم مرور علاقات المواطنين ببعضهم بواسطة الأقنية التي تحددها السلطة مسبقاً لهم، والتي تأتيهم من فوق، كي لا يكون لهم أي دور في تحديدها أو إقرارها، ولا يكون فيها أي موضوع آخر غير “القيادة” والسلطة. أما ما يخرج عن هذا الفهم للوطنية، فيعتبر مريباً ومشبوهاً، خاصة إن تم بين أشخاص تفترض السلطة أنها شحنت علاقاتهم بقدر من العداء يمنعهم من إقامة علاقات ودية أو مباشرة، فما بالك إن جرت في أجواء حرة اختاروها دون العودة إلى الأسدية وأجهزتها. بفصل السوريين عن بعضهم، وعن قضاياهم، تمحورت الوطنية على الأسد شخصياً، وصارت تابعة له، فما يفعله وطنيٌ حكماً ويعبر عن مصالح الشعب والدولة العليا، ويستحيل أن تتلبس الوطنية صورة أخرى غيره، أما ما يصدر عن غيره فلا بد أن يثير الريبة والشكوك.
___________
هوامش:
[45] انظر ماكس فيبر: اقتصاد ومجتمع، ترجمة محمد التركي ،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ٢٠١٥.
[46] مقابلة مع الجنرال ، اجراها الاستاذ محمد العبد الله معه في الشهر التاسع من عام ٢٠٠٥، عندما كان مندوبا لتلفزيون الجزيرة في دبي.
[47] ما هي اتفاقية اضنة السرية للعام ١٩٩٨؟. موقع المدن الالكتروني ، ٢٤/١/٢٠١٩.
[48] كلمة السيد الرئيس حافظ الاسد في افتتاح المؤتمر العشرين للاتحاد العام لنقابات العمال يوم ٢٠/١١/١٩٨٢، موقع الرئيس الاسد.
[49] بشار الاسد، جريدة العربي اليوم ، ٢٠/٨/٢٠١٧.
[50] القانون رقم ٤٩ لعام ١٩٨٠ المتعلق بالإخوان المسلمين . موقع مجلس الشعب، ٧/٧/١٩٨٠.
………………..
يتبع.. الحلقة الثامنة والعشرون: (الفصل الثامن- السلطة الأسدية)
«ميشيل كيلو»: كاتب وباحث ومحلل سياسي سوري
التعليقات مغلقة.