كه يلان محمد *
الانسياق مع التيار العام، والاندماج ضمن الاتجاه السائد، واستكانة المرء بأنَّ ما يعيشهُ هو الاختيار الوحيد كل ذلك يؤدي إلى هيمنة النمطية على التفكير وضمور النشاط العقلي وبالتالي ما يبدو جديداً على المستوى الثقافي ليس إلا تدويراً للأنساق المُستهلكة. هنا ما يمكنُ التعويل عليه للخروج من النفق المُختنق هو الفلسفة، باعتبار أن وظيفة الفلسفة هي صناعة الأسئلة وتثوير العقل، ومن ثمَّ الارتياد نحو دروب غير مطروقة. لذلك، لا استغراب من العودة إلى «سقراط» كلما يكونُ النقاشُ قائماً عن دور الفلسفة. ومن المعلوم أنَّ النشاط الفلسفي منفتح على الشارع ولم يعد قيدَ الفضاء النخبوي مع سقراط، الذي أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وهو أولَّ من عّدل عن دراسة الطبيعة ليصرَّ على عدِّ التفكير الفلسفي تفكيراً يهتم بالشؤون الإنسانية.
وكان سقراط يجوبُ بمظهره المتواضع في شوارع ’أثينا‘ وما أن يصادف أحد المارة في الطريق حتى يسأله عن مفهوم الخير أو العدالة، وأراد بهذا صياغة أفكار جديدة من خلال الحوار مع المقابل. إذن كان سقراط منعطفاً في تاريخ الفلسفة لن يدركه الخسوف. حتى أن خصمه اللدود «نيتشه» قد سلك منهجه في مسعاه الفلسفي. طبعاً ما أضاف بعداً استثنائياً لشخصية سقراط هو موقفه الأخير، إذ تحمَّل مسؤولية أفكاره الأمر الذي زاد من قيمة ومصداقية تلك الشخصية المؤثرة على مر العصور، هذا ناهيك عن تواضعه، إذ كان يتنزه عاري القدمين. ويقول كارل ياسبرز بهذا الصدد إنَّ سقراط «ولد ليكون نكاية بصانع الأحذية». ويبدو أنَّ سقراط كان يتمتعُ بطبيعةٍ مرحة. عندما يُسألُ عن سبب زواجه بامرأة مشاكسة يجيب: (إنَّ على مروضي الخيول تجربة ترويض أكثر الحيوانات جموحاً).
إذن فإنَّ سقراط أصبح رمزاً لحب الحكمة، وما نشرهُ الكاتبُ العراقي “علي حسين” بعنوان “أحفاد سقراط“، يشير إلى ما يعنيه سقراط في مضمار الفكر، فعلى منواله قد طمح الفلاسفة إلى التأسيس لانطلاقات حديثة وفتح ثغرة في جدار العقول المغلقة.
النظام الفلسفي:
يستقيمُ النظام الفلسفي على مبدأ التواصل دون الإلغاء بخلاف ما هو معروفُ في المجال العلمي. إذ لا تنشأُ نظرية جديدة إلا على أنقاض غيرها من الفرضيات السابقة، فيما تنحى الفلسفة في تطورها منحىً مختلفاً. صحيح أنَّ النقد هو ما ينطلقُ منهُ كل فيلسوف لإرساء منظومته الفكرية، ولكن هذا لا يعني إعلان نفاد الصلاحية للأفكار والمفاهيم التي يطالها مبضع النقد بقدر ما هو محاولة لاشتقاق مزيد من الأدوات التي ترفدُ عملية النهوض العقلي. إذن فإنَّ الأثر الفلسفي لايُركنُ إلى الرف، وما يدعمُ هذا الرأي هو العودة إلى رواق الفلسفة كلما حلت أزمة بالعالم أو تفاقمت العقد الوجودية لدى الإنسان. من هنا نفهم فحوى ما نقلهُ علي حسين من مذكرات ستيفن جوبز، إذ أبدى الأخير استعداده للتنازل عن جميع خبراته التكنولوجية مقابل قضاء أمسية واحدة مع أبيقور. كما أنَّ جاك دورسي مؤسس «تويتر»، هو من أشدِّ المعجبين بفلسفة صاحب الحديقة. يتناول مؤلف (دعونا نتفلسف) في المقدمة الدوافع وراء الاهتمام بالفلسفة لافتاً إلى آراء بعض الفلاسفة المعاصرين بهذا الشأن، منهم مشيل أونفري الذي يعزو رواج الفلسفة إلى الأزمات التي أخذت بتلابيب البشرية، وهذا الواقع حسب رأي ’آونفري‘ يذكر بازدهار الفلسفة الأخلاقية والعلاجية إبانة العصر الهيلنستي، الذي شهد تحولات كبرى تزامناً مع انهيار الدويلات اليونانية.
بدوره يرى آلان دوبوتون أن الشغف بالفلسفة قد ازداد بعدما خلفت الانهيارات في سوق الائتمان خيبة أمل كبيرة في مستهل الألفية الجديدة. طبعاً إن تفسير ’دوبوتون‘ يحيلنا إلى ما قاله هيغل بأنَّ «منيرفا لا تبدأ في الطيران إلا بعد ان يرخي الليل سدوله». ومن النافلة التذكير بأنَّ منيرفا ترمزُ إلى الحكمة. ويستفيضُ الكتاب بمعلوماتٍ غزيرة عن الفلاسفة الذين لم يكن حضورهم عابراً في التاريخ ولولا مغامراتهم لما شهد العقل البشري ثبات على المستوى المعرفي والسياسي والحضاري. وما يجدرُ بالتأمل في يسرده ’علي حسين‘ عن التيارات والشخصيات الفلسفية هو التجاور بين الفلاسفة التي تفصلُ بينهم العصور والحقب الطويلة، وهذا واضح من الصفحات الأولى.
الفلسفة في المخدع:
لا يصعبُ علي القارئ تأمل الخطوط المتقاطعة بين سقراط وكيركغارد. فالأول كان يدعو الناس إلى معرفة حدودهم وقدراتهم، أما غاية الفلسفة بالنسبة للفيلسوف الوجودي هي أن يعرفَ الإنسانُ نفسه بنفسه، ويُدلي سارتر بدلوه في هذا الإطار معترفاً بأنَّه تعلمَ من سقراط كيف يدخلُ بالفلسفة إلى المخادع كما تنفتحُ الحلقة الثانية من الكتاب للحديث عن أرسطو ولوك فيري وبيرغسون وما يجمعُ بين هؤلاء هو الاشتغال على سؤال السعادة. فبنظر المعلم الأول، يجبُ العمل على أن نكون أحسن وأن نفعل الشيء الصحيح، وهذا ما يجعل الحياة تسير على ما يرام.
ويدور القسم الثاني عن افتتان الفيلسوف العربي الكندي بسقراط كان موافقاً على ما قاله الأخير بأنَّ «الحياة التي لم تخضع للاختبار لا تستحقُ تعاش». ويرى الكاتبُ بأن الفضل في ترسيم خطوط الفلسفة الإسلامية يعود إلى الكندي الذي حاربه رجال الدين، ما أدى إلى فشل مشروعه بإنشاء مدرسة لعلوم الفلسفة.
يفتتحُ صاحبُ «سؤال الحب» القسم الذي يفرده لـ كانط بسؤال مثير: «ما عسانا نصنعُ بكانط في زمن باتمان؟». ومن ثمَّ يضعُ المتلقي أمام المشهد الأخير في الفيلسوف الألماني، لافتاً إلى ما يتذكرهُ جيرانه بشأن حياته ونمط معيشته. والغريب هو ما يقوله الشاعر الألماني هايني عن حياة فيلسوف التنوير، فبرأيه أن «حياة كانط لم تكن إلا حياة رجل أعزب وعجوز فهو كان يضاهي الآلة في تنظيمه مقيماً في شارع هادئ منعزل». ومن جانبه، يؤكد جان هيرش أن كانط هو الذي قد غير زوايا نظر الفكر الفلسفي، لذلك ما انفك يشغل العالم. وما يشدُ القارئ في القسم المكرس لـ هيجل هو متابعة تفصيلات خاصة بمظهر الفلاسفة، وما يعني لهم الملبس والشكل الخارجي. باستثناء افلاطون، لا يوجدُ من بين فلاسفة اليونان من يكونُ مهتماً بمظهره. ومن المعروف أن ديوجين الكلبي قد قضى أكثر من نصف عمره داخل برميل، مردداً عبارة «حين تملكُ حياةً داخلية فمن دون شك لن تعود للمكان الذي تعيشُ فيه أيةُ أهمية».
قال كانط عن الأزياء إنها حمقاء، مع ذلك فإنَّ فكرة الأناقة قد شغلته في سنواته الأخيرة، أما ماركس قد أعجبته المعاطف، فقد رهن معطفه لضيق ذات اليد من أجل وجبة عشاء لعائلته. كذلك، فإنَّ هيغل قد استهواه المعطف ولولا معطفه لضاع كتابه المهم (ظاهريات الروح). وقد شغف رولان بارت بالملابس، فمن وجهة نظره أنَّ الملابس تمثلُ ظاهرة مرتبطة بالثقافة.
بداية مرحة:
الصورة الرائجة عن الفلسفة أنها تبحث وتُدوِّر عن المثاليات وهي منفصلة عن الواقع، كما أنَّ الفلاسفة يكتفون بتفسير العالم. وبالتالي، أنَّ المفاهيم التي يتم نحتها في صومعة أصحاب الفكر لا تفيد الواقع أكثر من ذلك، فإنَّ شخصية الفيلسوف مثيرة للريبة فهي لكائن يفتقرُ إلى المرح. ويُنّسب إلى ستاندال بأنَّه قال: «لتكون فيلسوفاً جيداً يجبُ أن تكون جافاً». وفي الحقيقة أنَّ بداية الفلسفة تناقضُ هذا الانطباع السائد، وذلك ما يتطرقُ إليه «علي حسين»، فقد صاحبت الضحكة المحاولات الأولى في درب التفلسف، فيما كان الفيلسوف الأول يمشي متأملاً السماء فإذا به يتعثَّر. وما إنْ رأت امرأة هذا المشهد حتى أطلقت ضحكة مدوية. وعندما أراد ريمون أرون شرح جوهر الفلسفة الظاهراتية لـ سارتر، أخبره بأنه سيتمكنُ من خلال الفينومينولوجيا إنشاء الفلسفة والتحدث عن كوكتيل المشمش في آن واحد. أضافة إلى ما سبق، فإن ميرلو بونتي كان يعلمُ صديقته مبادئ الوجودية وهما يتراقصان. إذن فإن تأصيل التفكير الذي تقومُ به الفلسفة لا يعني غياب المرح. ما يجدرُ ذكره في هذا المقام، أن ما يضمه كتاب “أحفاد سقراط“، وهو قصة غرام بالفلسفة من أرسطو إلى الفيلسوف الوجودي ميرلو بونتي، من المواد الدسمة عن الفلاسفة وأفكارهم، يزيدُ القارئ وعياً بأهمية هذا النشاط العقلي وضرورة إدراك وظيفة الفلسفـة.
كه يلان محمد
كاتب وناقد كردي عراقي
المصدر: الجمهورية اللبنانية
التعليقات مغلقة.