
رياض معسعس *
دمشق أقدم عاصمة في العالم، وخلال قرن كامل كانت أيضا عاصمة العالم، تكنى بالفيحاء لروائحها الزكية من زهور الياسمين، والورد الجوري، وأزهار غوطة دمشق التي تلتف حولها كسوار حول معصم والتي كانت تضوع هواءها بعطر ينفحك مع كل نسيم. ولم يبالغ شاعرنا نزار قباني عندما شبهها بزجاجة عطر.
إذا مررت بسوق العطارين تفوح عليك رائحة المسك والعنبر، وإذا قصدت سوق البزورية شممت روائح التوابل، والزهورات، وإذا نزلت حي باب الجابية تستقبلك روائح الكنافة، والقطائف، وإذا عبرت سوق خان الباشا تنسمت روائح الفواكه الطازجة من تفاح، ودراق، وأعناب، وصلت لتوها من بساتين الشام.
بعد نصف قرن:
وفي كل زاوية من حي تستقبلك روائح الخبز الساخن المنشور على واجهات الأفران… أو تستنشق رائحة الفول عندما بائعي الفول صباحا.. هكذا كانت دمشق، ومثلها حلب الشهباء، وحماة أبي الفداء، وحمص ابن الوليد، وسواها. هكذا كانت سوريا، لا فقيرا معدما، ولا غنيا متخما. وأرخص بلد للعيش في العالم قبل نصف قرن، أو بالأحرى قبل انقلاب حافظ الأسد.
نصف قرن مضى على ذاك اليوم المشؤوم (16 تشرين الثاني/ نوفمبر) وانطلاق ما سمي بـ «الحركة التصحيحية» وبدء انحدار سوريا بلدا وشعبا درجة، درجة نحو الجحيم. بتحول النظام السياسي في سوريا إلى نظام طائفي مخابراتي مع جرعة كبيرة من الفساد على أعلى المستويات، والسيطرة على الاقتصاد من قبل عائلة الرئيس، ثلة ضباط، وبعض المقربين، وبعض النفعيين المتسلقين من خارج الطائفة الحاكمة. ما أدى إلى اقتصاد الاحتكارات، والنهب المنظم، وبروز طبقة مهيمنة تلعب بالمال والأعمال، وتضخم الطبقة الفقيرة، وتقلص الطبقة المتوسطة.
روائح الدم والكيميائي:
حسب تقرير صادر عن مركز الجسور للدراسات لعام 2020 يمكن أن ندرج سريعا الوضع السوري اليوم مقارنة بالعام 2011: «سعر الدولار حوالي 3000 ليرة سورية، تضاعف وسطي للأسعار: 12 مرة، الصادرات: 500 مليون دولار فقط. الاحتياطي النقدي: 400 مليون دولار فقط. البطالة: 60 في المئة. عجز الميزانية 35 في المئة. نسبة الفقر: 85في المئة».
منذ عشر سنوات تغيرت روائح دمشق، والمدن الأخرى. في الغوطة الغناء، وخان شيخون، وريف حلف، وخان العسل، ودوما، وجوبر، وأشرفية صحنايا شم الأطفال غاز السارين، في محافظة حلب، ومارع انتشرت روائح غاز الخردل. في سرمين، وعدرا، وزملكا، وحرستا، وترما.. ومدن وبلدات أخرى انبعثت روائح غاز الكلور. قتل في هذه الهجمات آلاف الأطفال عدا الأشخاص الآخرين. هذا وانتشرت روائح كريهة من معتقلات وسجون النظام من موتى قتلوا تحت التعذيب وثق «قيصر» أحد عشر ألفا منهم. عدا عن روائح دم حوالي مليون قتيل بقصف قراهم ومدنهم بكافة أنواع القذائف، وبالابتكار الروسي للقتل العشوائي الرخيص على جيب النظام: البراميل المتفجرة.
الكابتاغون والحشيش مصدران للتمويل:
كيف يمكن لدولة مفلسة أن تمول نظامها كي لا ينهار؟ الجواب لدى النظام السوري: الكبتاغون. والحشيش، وربما الهيرويين وأخواته.
في تقرير لصحيفة «الغارديان» يقول: قبل مصادرة السعودية لملايين من حبات الكبتاغون، أُحبطت في السابق على مدار العامين الماضيين عمليات تهريب لهذا المخدر في الشرق الأوسط وأوروبا قدرتها الصحيفة بما لا يقل عن 15 شحنة من الكبتاغون. وكافة الشحنات كان مصدرها سوريا، أو عبر الحدود اللبنانية حيث تشكلت عصابات إجرامية وزعماء ميليشيات وعصابات حدودية تصنع وتوزع كميات كبيرة من المخدرات على نطاق كبير. وقالت إن الحدود بين سوريا ولبنان انعدم فيها القانون وباتت مرتعا لعمليات التهريب والتي يتورط فيها مسؤولون من الجانبين، إذ ينقل المهربون الحشيش والكبتاغون عبر طريق ممتد من سهل البقاع اللبناني ومدينة القصير السورية الحدودية والطرق شمالا عبر مناطق سيطرة العلويين باتجاه مينائي اللاذقية وطرطوس.
في تقرير لمركز التحليل والبحوث العملياتية يسلط الضوء على دور الكبتاغون والحشيش في سوريا بعد انهيارالاقتصاد. وقال إن: «سوريا أصبحت دولة مخدرات لنوعين رئيسيين هما الكبتاغون والحشيش وقد وصلت قيمة صادرات سوريا لهذه المواد 3,46 مليار دولار»
الرئيس يعيد انتخاب نفسه:
حافظ النظام على عادته في تكرار السيناريو الممل الذي يستخدمه كل سبع سنوات لإجراء استفتاء نتائجه ذات الخمسة أرقام كلها تقول نعم، أو انتخابات صورية مع مسرحية مرشحين منافسين ليعيد انتخاب نفسه. لكن انتخابات هذه الفترة ليست كسابقاتها، فبعد أن كان السوري يجبر على انتخاب الرئيس، فإن أكثر من 80 في المئة يرفضون هذه الانتخابات كما حصل في مناطق حوران، وأدلب، والجزيرة شرق الفرات، وبالطبع كل اللاجئين البالغ عددهم أكثر من ستة ملايين نسمة، أما من بقي تحت سلطة النظام شعارهم: «مجبر أخوك لا بطل».
أما دوليا لم تعترف الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي بها، وبالطبع دول أخرى لا تستسيغ هذه المهزلة.
والمسألة الحقيقية ليست في الانتخابات، ولكن في الدول العربية الصامتة، أو الداعمة لها، رغم كل الجرائم التي ارتكبت بحق سوريا والشعب السوري. وفي الواقع المسألة ليست في الانتخابات، فالشعب السوري يعيش هذه المهزلة منذ نصف قرن، ولكن المسألة هي بعد هذه الانتخابات فماذا سيقدم رئيس قتل شعبه بالكيميائي، ويتاجر بالمخدرات، ويطبق عليه عقوبات قانون «قيصر» واقتصاد البلاد منهار، والليرة السورية تتآكل، والغلاء أثقل كاهل المواطن، والبطالة متفشية.. والمستور أعظم.
والأنكى من هذا وذاك هو أن وزير خارجية النظام فيصل المقداد يقول: «الانتخابات الرئاسية لنظام الأسد أفضل من الانتخابات الأمريكية بآلاف المرات، فالانتخابات في سوريا ديمقراطية ونزيهة».
* كاتب سوري
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.