
سامح المحاريق *
وبقيت أعتقد لأيام أن الفلسطينيين استطاعوا أن يعيدوا الروح للأمة العربية، وأن الشعوب العربية وجدت ما يجمعها، ولكن يبدو أن وجودي الصغير في مواقع التواصل الاجتماعي، يجعلني أتعامل بالضرورة مع أمثالي من المتحمسين لنضال الشعب الفلسطيني والمؤمنين بالقضية الفلسطينية، وجاءت لحظة الحقيقة عندما وجدت هجوماً من أحد الأصدقاء على كاتب مصري مغترب، أخذ يلقي باللائمة على الفلسطينيين، وكانت كلماته التي تدعي العقلانية تحمل في باطنها اتهامات للفلسطينيين بالنفاق والابتزاز العاطفي، مع وضعهم على قدم المساواة مع الجانب الإسرائيلي، وليست هذه المشكلة، فموسم الهجوم على الشعب الفلسطيني متواصل ومزدحم بوجوه جديدة، ولكن المشكلة في مئات إشارات الإعجاب، ومعها مئات أخرى من التعليقات تمتدح دور الكاتب التنويري!
المعلقون يكتبون بالعربية، وبجولة صغيرة في بعض صفحاتهم هم بشر يفترض أنهم طبيعيون، يعيشون بطريقة عادية، ويمكن أن نصادفهم في السوق أو المطار، وهذه هي المشكلة. ألتمس العذر لمن يقرأون المقال، وأخمن أن معظمهم يشتركون معي في مواقفهم من الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه تجاه الفلسطينيين، ولكن أجد من واجبي أن أدعوهم للتيقظ معي على صدمة التحولات في المجتمعات العربية وبداية عملية جني الثمار، التي يحققها تيار السلام، الذي امتطى صهوة التطبيع المتفائل لنجده بعد ذلك في زاوية الانبطاح الكريه، وإذا كنت لا أمانع من تصور الندية مع الجانب الإسرائيلي وامتلاك الفلسطينيين القدرة على دفع المحتلين للبحث عن الملاجئ والتراكض خوفاً، فإنني لا أتقبل فكرة قولبة الفلسطيني في الخانة الابتزازية نفسها، التي استثمرتها الصهيونية إلى أبعد مدى ممكن في تسويق أفكارها، والضغط على الأمريكيين والأوروبيين، وغير ذلك من تشويه منهجي. الفلسطينيون شعب مثل أي شعب على الأرض، بينهم النبلاء والأرذال، الأبطال والخونة، الشرفاء واللصوص، ولا يطلبون أي صورة ذهنية من الآخرين، وكل ما يطلبه الفلسطينيون بوصفهم مجموعة بشرية متعددة الأديان والأعراق والطبقات هو، ممارسة حقهم الطبيعي في مواجهة الاحتلال، ولكن ذلك ما لم يعد يطيب لأطراف كثيرة أن تقر لهم بهذا الحق، وأخذت تمارس دورها الإملائي على الفلسطينيين، وتحدد سقف مطالبهم والوتيرة المقبولة لأدائهم أمام ماكينة القمع والقهر الإسرائيلية.
«يا فلسطيني يا نذل»، مقال كتبه الباحث الفلسطيني تركي فواز في الستينيات عن ذكريات طفولته ومراهقته لاجئاً في لبنان بعد النكبة، وكيف كانت هذه الجملة تطارده أثناء عمله بائعاً متجولاً، ويختم فواز مقاله: «وكنت أحلم بنفسي عائداً إلى حيفا، حيث لا يوجد من يقول لي: يا فلسطيني، يا نذل، لأن كل شخص هناك يكون فلسطينياً»، وتقريباً يحلم جميع الفلسطينيين بحياة عادية جداً، تجعلهم يعيشون على أرض بين أناس يشبهونهم ويتجنبون من خلال العيش ا،لبسيط هذه الشتيمة، ففي الأرض التي يمارس فواز كل حنينه لاستعادتها، ويتخيلها الفلسطينيون يمكن أن تسمع شتيمة يا نذل، ويا سافل، ويا حقير، ولكنها لن ترتبط بوصف: يا فلسطيني! فهل يمكن أن تتخيل شخصاً في دمشق مثلاً يشتم الآخر، يا سوري يا نذل.
يحمّل فواز البورجوازية العربية المسؤولية، وقبلها الأنظمة التي تاجرت بالقضية الفلسطينية، وجعلتها مبرراً جاهزاً لحالة تعبئة غير منتجة، فالمواجهة المفترضة والمتخيلة مع العدو الصهيوني كانت تجعل التنمية والكرامة والحرية أموراً ثانوية، فلا صوت يعلو على صوت المعركة، وحتى في غزوه غير المبرر ولا المقبول لدولة الكويت كان صدام حسين يحشر فلسطين في خطابه التعبوي، وطبيعي أن إدخال فلسطين للعقل الجمعي العربي، كان يجعل كثيرين يعتبرونها عبئاً، وفي الحالة المصرية للأسف يسري الاعتقاد أن العداء بين مصر وإسرائيل أساسه الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، مع أن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في وجهه الاستعماري ـ الصهيوني كان يستهدف مصر وقناة السويس أكثر مما يستهدف الفلسطينيين أنفسهم. البورجوازية العربية التي استطابت شروطا معيشية استهلاكية، وارتضت العلاقة مع الأنظمة نفسها والفشل المتحقق نفسه، من خلال ممارساتها تجد في الفلسطينيين ما يحرجها ويفكك مقولاتها، وزهدها في تحقيق أي إصلاح أو تغيير جذري، وفي أحضان هذه البورجوازية تشكل «حزب الكنبة/ الأريكة» الأوسع وجوداً في العالم العربي، والذي يرى في الحراك الفلسطيني خروجاً عن الاستقرار المنشود.
يتوزع «حزب الكنبة» بين من يحاولون فرض وصايتهم على الفلسطينيين، ويرتبون الأولويات نيابة عنهم، ومن يجاهرون بإدانة الفلسطيني وعلى الأقل اعتباره مستفزاً ومنغصاً، وتوسع هذا الحزب ليس خطراً على الفلسطينيين ففي النهاية يوجد احتكاك ميداني وتكلفة معروفة مسبقاً يدفعها الفلسطينيون يوماً بيوم، ولكن الخطورة على أعضاء حزب الكنبة أنفسهم، لأنهم سيبقون مكانهم وسيخضعون لتقلبات العالم وتفاعلاته، وسيدركون متأخراً أن الفلسطيني يخوض حربه النموذجية، وأنه يستطيع أن يحول المفردات البسيطة من أدوات كهربائية ومنزلية إلى قوة صاروخية، والفلسطيني يعرف قبل غيره أن هذه الأدوات لن تحقق التحرير ولكنها ستبقيه في معادلة الوجود وستحمل صوته إلى العالم.
* كاتب أردني
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.