
رياض معسعس *
انتفاضة الشعب الفلسطيني أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة اهتمام شعوب المنطقة وتعاطفها، وخاصة الشعب السوري، فقد كان الشعب السوري دائماً في مقدمة المساندين والداعمين للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وقدّم تضحيات كبيرة في مختلف مراحل النضال الفلسطيني، وامتزجت الدماء السورية والفلسطينية على أرض لبنان والأردن و فلسطين.
يعتبر السوريون على المستوى الشعبي العام أن القضية الفلسطينية هي قضيتهم، ولم يتخلوا عنها يوما، وظلت قضيتهم المركزية والتي من أجلها قدموا كل ما بوسعهم تقديمه منذ بدايات التغلغل الصهيوني في فلسطين، وعز الدين القسام وثورته في ثلاثينيات القرن الماضي خير دليل على ذلك.
الدور الوطني:
واستمرت سوريا حكومات وشعبا يدعمون القضية الفلسطينية بمشاركتهم جيوشا، وأفرادا في نصرة فلسطين.
ولم يخطر على بال أي سوري أن تلعب سوريا دورا غير هذا الدور الوطني تجاه فلسطين. وقد رفع علم الثورة السورية دون غيره إلى جانب العلم الفلسطيني في باحة الأقصى، وأنشد الفلسطينيون في أسواق القدس القديمة أناشيد الشهيد وأيقونة الثورة السورية عبد الباسط الساروت، ولم يكن مصادفة أن يدعو المصلون في باحة الأقصى لخلاص الشعب السوري من الظلم. لكن المتغيرات السياسية التي طرأت على السلطة وأجهزة الحكم في سوريا وخاصة بعد فترة ظهور حافظ الأسد رجل سلطة في سوريا، ثم وريثه بشار الذي استمر على نهجه، وأحداث غزة الأخيرة، وانتفاضة الأقصى أظهرت مرة أخرى مواقف السياسة السورية المتضاربة إزاء القضية الفلسطينية.
بداية الانحراف:
بدأ الانحراف في العام 1970 بتضارب مواقف في صلب القيادة السورية في العام 1970، وتحديدا بين رفيقي البعث واللجنة العسكرية: حافظ الأسد من جهة الذي كان وزيرا للدفاع والمسيطر على الجيش، وصلاح جديد المسيطر على الحزب، عندما أرسل صلاح جديد دعما عسكريا لمساعدة المقاتلين الفلسطينيين إثر معارك طاحنة بين الجيش الأردني والمقاتلين الفلسطينيين الذين قاموا بعدة عمليات لخطف طائرات لشركات عالمية وتفجيرها في الأردن، لكن حافظ الأسد أمر بسحب الجيش وعدم مساندته جويا.
وانتهى الأمر بانقلاب الأسد واستلام السلطة الذي كان بداية تحول كبيرة ليس فقط على المستوى السوري، بل على المنطقة بأكملها.
بداية درب الآلام:
لم يكن الشعب السوري وحده الذي عاني ويعاني من نظام الأسد، فقد تجرع الشعب اللبناني، والشعب الفلسطيني كأس المرارة زهاء نصف قرن من التسلط، والاعتقالات، والاغتيالات، والقتل تحت التعذيب، ونهب الثروات. وبما أن الأسد كان يعلم علم اليقين غلاء القضية الفلسطينية على قلوب السوريين، وكان يعلم أيضا أن السوريين يتهمونه همسا بالخيانة في “بيع الجولان”، قام بنشر شعار كاذب كي يتهرب من المحاسبة:” التوازن الاستراتيجي” أي ننتظر كي تحقق سوريا توازنا استراتيجيا مع إسرائيل كي تبدأ عملية التحرير. وفي الوقت نفسه يرسل الجيش السوري ليحتل لبنان، ويقوم بضرب الحركة الوطنية اللبنانية بعد بدء عملية الاغتيالات بزعيمها كمال جنبلاط ثم بكل الشخصيات اللبنانية المناوئة للوجود السوري في لبنان، والتي لم تنته بعد، ثم بمجازره تل الزعتر والمخيمات الفلسطينية، وفسح المجال لإسرائيل بسحب القوات السورية من المناطق التي سيمر منها الجيش الإسرائيلي ليحتل بيروت أول عاصمة عربية، ويعمل على طرد الفدائيين الفلسطينيين من لبنان في العام 1982، وهو العام نفسه الذي قام به بمجزرة حماة في سوريا.
ونحن كطلبة في المدارس الثانوية كنا نلبس الكاكي “كجيش رديف” تحت مسمى “فتوة” ونردد شعارات البعث كل صباح، (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. وحدة، حرية، اشتراكية) شعارات لم تطبق يوما بل كان الواقع عكسها تماما. فالعداء مع العراق، واللبنانيين، والفلسطينيين كان في أوجه، أما الحرية فلم ننعم بها منذ العام 1970 ودفع السوريون دماء مليون شهيد من أجلها.
العمل على تجزئة المقاومة:
عندما قام الرئيس الفلسطيني الرحل ياسر عرفات بسحب الورقة الفلسطينية من أيدي حافظ الأسد، وحرمه بذلك من “المتاجرة” بالقضية الفلسطينية، حاول حافظ الأسد شق الصف الفلسطيني.
في العام 1983 حاول إحداث انشقاق في حركة فتح باستمالة العقيد أبو موسى (عضو لجنة مركزية)، وطرد عرفات من دمشق الذي قال: “طردني شارون من لبنان، والأن طردني شارون من سوريا”.
وارتبطت فصائل فلسطينية في سوريا (الجبهتان الديمقراطية والشعبية، حماس، الجهاد الإسلامي، القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل). لكن ورغم كل محاولات الأسد بالسيطرة على المقاومة الفلسطينية فشلت.
وضع الفلسطينيين في سوريا:
لم يختلف وضع الفلسطينيين المقيمين في سوريا عن مجمل الشعب السوري، فقد عانى الفلسطينيون من بطش النظام أيضا إذ تم اعتقال الآلاف وقتل الكثير منهم تحت التعذيب، وفي قصف مخيم اليرموك، ومنهم من مات جوعا بعد الحصار الذي ضرب على المخيم. ولكن من ناحية أخرى استخدم الأسد البندقية الفلسطينية في قمع الشعب السوري من قبل قوات أحمد جبريل، (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة)، وجيش التحرير الفلسطيني بقيادة محمد طارق الخضرا. ولواء القدس بقيادة اللواء محمد سعيد، وقوات الصاعقة، وميليشيات أخرى بتسميات مختلفة، هذه القوات وقفت في وجه الشعب السوري، وكل الفلسطينيين المناصرين للثورة السورية.
لقد خدع النظام السوري منذ البداية كل اليساريين العرب، والقوميين برفع شعارات كاذبة في التحرير والنضال من أجل القضية الفلسطينية ضمن سياسة الظاهر والباطن، فما يظهره النظام شيء، وما يبطنه ويقوم به شيء آخر، لقد استخدم هذا النظام الورقة الفلسطينية في كل مساوماته، وتكتيكاته، وبالطبع استخدم البندقية الفلسطينية الموالية له في ضرب الشعب السوري.
* كاتب سوري
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.