
رياض معسعس *
أثبتت انتفاضة باب العامود صمود الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وبإرادته استطاع، أكثر من مرة، أن ينتصر على عنصرية، وعنجهية الإسرائيليين. وفي الوقت نفسه كشف هذا الانتصار عن واقع الأنظمة العربية التي تخلت عن فلسطين أرضا، وعن الفلسطينيين شعبا يناضل من أجل حريته، وأرضه، ودولته.
القرن العشرون: نضال الأجيال ضد الاستعمار
عاشت أجيال العرب خلال القرن العشرين حلما لم يتحقق: تحرير فلسطين. فالرعيل الأول الذي عايش وصول أولى الهجرات اليهودية مع بداية القرن وتصاعد وتيرة الاستيطان في فلسطين، عاصر أولى الثورات ضد الوجود الصهيوني بعدما انكشف المخطط الصهيو- بريطاني في ما سمي بوعد بلفور. لم يكن في تلك الفترة بلد عربي واحد مستقل عن الاستعمار البريطاني، أو الفرنسي (ليبيا الوحيدة كانت تحت سلطة إيطالية)، وكانت الشعوب تواقة للتحرر من المستعمرين. وقد تجلى النضال الفلسطيني في ثلاثينيات القرن الماضي بثورة القسام. البلاد العربية المحتلة كانت تفتقر لأنظمة لها سيادة القرار وبالتالي لم يكن بمقدورها أن تغير من واقع الاستيطان، والدفاع عن الفلسطينيين من اعتداءات عصابات الصهاينة، أو الضغط على بريطانيا التي تدعم هذه العصابات.
التحرر من الاستعمار:
مع بدايات الأربعينيات بدأت بعض البلدان العربية أن تتحول إلى دول تحكمها أنظمة سياسية بعد أن قامت شعوبها بثورات ضد الاستعمار الفرنسي (الثورة السورية الكبرى)، والاستعمار البريطاني ( ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق)، وتشكلت دول أخرى (لبنان والأردن)، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تستكمل مع الصهاينة بناء دولة “إسرائيل”. واستمرت وتيرة التحرر في الخمسينيات (ثورة الشعب التونسي ضد فرنسا واستقلاله في العام 1956، ونال المغرب استقلاله في نفس العام)، وقامت مصر بثورة تموز- يوليو ضد الملكية في العام 1952.
وفي الستينيات سجلت الثورة الجزائرية انتصارا كبيرا على فرنسا، وبدأت بريطانيا انسحابها من الخليج العربي وعدن. الجيل الذي واكب وشارك في حركات التحرر من الاستعمار ناضل في الوقت نفسه ضد الاستعمار الصهيوني بالحماس نفسه والإرادة التي لم يقابلها صدق النوايا لدى الأنظمة السياسية التي حكمت هذه الدول والتي كانت تستمد شرعية حكمها من رفعها شعارات تحرير فلسطين، وخاصة الأنظمة العسكرية التي سيطرت على الحكم في أكثر من بلد عربي، ولاسيما في مصر وسوريا والعراق، وأثبتت فشلها الذريع، ليس في تحرير فلسطين، بل في الدفاع عن أراضيها التي احتلت بعد ثلاث حروب فاشلة ضد العدو الصهيوني الذي لم يخل بيان ختامي لقمم الجامعة العربية من التأكيد على تحرير فلسطين، وبناء الدولة الفلسطينية.
مرحلة التطبيع:
مع خيبة الأمل الكبرى في التحرير، جاءت خيبة أخرى أشد وطأة وأكثر إيلاما: التطبيع.
وجاء التطبيع من أكبر دولة عربية، وأكثرها مناداة بالقومية العربية، وتحرير فلسطين: مصر.
وبدأت معها مرحلة جديدة اتسمت بمزايدات “قومجية” من أنظمة ما سمي “جبهة الصمود والتصدي” (سوريا، العراق، ليبيا، اليمن) على النظام المصري، وعلى النظام الأردني الذي ركب قطار التطبيع أيضا، والسلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو.
على مستوى الشعوب خلق هذا الوضع شرخا واضحا ما بين جيل التحرير، وجيل التطبيع، بحيث أن رفض فكرة بقاء إسرائيل باتت محط جدل. ومع الوقت سنكتشف أن التيار التطبيعي هو الذي سيتغلب على التيار التحرري حتى لدى الفلسطينيين أنفسهم، وسيمتد إلى دول أخرى لم يكن بينها وبين إسرائيل أي مواجهة عسكرية.
جيل التحرر من الأنظمة:
مع إطلالة القرن الواحد والعشرين بدأ جيل جديد يطالب بالتحرر من أنظمته وخاصة الأنظمة “القومجية” (مصر، سوريا، العراق، ليبيا، اليمن). انطلقت حركة التحرر من سوريا في ربيع دمشق ضد نظام الأسد ووريثه في العام 2001 وتم قمعه سريعا. لكن الشرارة التي جاءت من تونس سرعان ما انتشرت كالنار في هشيم هذه الأنظمة وراحت تتهاوى الواحد تلو الآخر.
هذا الجيل الجديد، جيل السوشيال ميديا، يرغب في حياة أخرى يتمتع فيها بالحرية والكرامة، والعيش الرغيد، ونيل حقوقه كمواطن يحترم، وكان هذه المطالب لا بد وأن تصطدم بأنظمة كانت تخدعه بشعارات زائفة، وأولها تحرير فلسطين لتستمد شرعيتها في الحكم وتبرر كل الأزمات التي يعيشها المواطن في هذه البلاد من بطالة، وغياب الخدمات الصحية والمواصلات، وهشاشة التعليم، وغلاء معيشة، وقمع للحريات.
اليوم وبعد كل الأحداث المتراكمة على كاهل الأجيال المتعاقبة التي فقدت كل شيء لا يوجد نظام عربي واحد يحاول أن يستمد شرعيته من رفع شعار تحرير فلسطين، بل السائد اليوم هو التخلي عن فلسطين دولة وشعبا، وخطب ود إسرائيل.
ومن سخرية التاريخ أن بعض اليهود الإسرائيليين هم من يدافعون اليوم عن حقوق الفلسطينيين.
* كاتب من سورية
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.