( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب «من الأمة إلى الطائفة، سورية في حكم البعث والعسكر» بأجزائه الثلاثة كاملاً للكاتب الأستاذ: ’’ميشيل كيلو‘‘.. الحلقة الخامسة عشر: مجريات الحرب
من الأمة إلى الطائفة
سورية في حكم البعث
قراءة نقدية
ميشيل كيلو
باريس ٢٠١٧/٢٠١٩
مجريات الحرب:
ـ بدأت الاشتباكات بين دمشق وتل أبيب بقرار اتخذه نظام دمشق متذرعاً بمنع إسرائيل من تحويل مجرى نهر الأردن، والرد على أي ضربة عسكرية تقوم بها بضربة مماثلة، أو أشد منها. هذا القرار أملته الرغبة في إيصال رسالة إلى القاهرة تبلغها أنها غدت، بعد فصل الوحدة وانقلابي البعث عام ١٩٦٣ في سوريا والعراق، أضعف من أن تضبط الوضع العربي، وأن زمناً جديداً أخذ يفرض قواعده وممثليه فيه. أوصلت دمشق الرسالة إلى مصر عبر اشتباكات مع إسرائيل، لم يسوغها ميزان القوى بين الطرفين، أو الهلع الذي ابدته “اللجنة” على نظامها، بعد تهديدي ليفي اشكول، رئيس وزراء اسرائيل، واسحاق رابين، رئيس اركان جيشها، باحتلال دمشق وإسقاط نظامها، إذا لم يتوقف النشاط الفدائي الفلسطيني في الجليل الأعلى . بعد أيام من التهديد، في الخامس عشر من أيار، أجرت إسرائيل عرضاً عسكرياً في القدس هدفه تصعيد الموقف، وتحدي القرارات الدولية حولها كمدينة منزوعة السلاح.
ـ هل تلقت دمشق ضمانات سوفياتية بعدم السماح لإسرائيل باحتلالها وإسقاط نظامها، أو بإمدادها بالأسلحة الضرورية لإقامة توازن مضمون مع الجيش الإسرائيلي؟. تنفي هذا الاحتمال زيارة رئيس الوزراء السوفياتي إلى القاهرة، السابق ذكرها، التي ما كان ليقوم بها، رغم معرفته بما كان يشوب علاقات البلدين من توتر وخلاف، لو كانت دمشق تستمع إليه. بالمقابل، هل كانت “اللجنة” مصممة على التصعيد، دون الخوف من حرب تسقط نظامها الوليد؟. تقول وقائع وتطورات ما قبل حزيران إن تصميم دمشق على الذهاب إلى الحرب لم يكن من فراغ، بل كان خطوة لتوريط القوة العسكرية العربية الأكبر، التي يحتم المنطق استهدافها قبل سورية، لأسباب منها عداء تل أبيب التاريخي لعبد الناصر، كما عبر عنها دافيد بن غوريون، مؤسس إسرائيل ورئيس وزرائها الأول، الذي طالب في اجتماع وزاري عقد عام ١٩٥٤ بإسقاطه، وبرر موقفه في فترة لاحقة بالقول: “كان لليهود عدوّان تاريخيان هما فرعون في الزمن القديم وهتلر في الحديث، لكن عبد الناصر فاق الإثنين معاً في عدائه لنا، لذلك علينا خوض الحروب من أجل التخلص منه”(60). بينما أكد موشي دايان، وزير الدفاع الاسرائيلي أن “قوة عبد الناصر ونفوذه لم يكن معترفاً بهما في مصر وحدها، وإنما في جميع أنحاء العالم العربي أيضاً، ومشكلتنا معه أنه كان رجلاً بلا رذيلة، مما جعله غير قابل للتجريح”(61).
ـ في زحمة هذه التجاذبات المشحونة بالأخطار واحتمالات الانفجار، أعلنت موسكو دون سابق إنذار عن حشود إسرائيلية ضخمة قرب الحدود مع سورية، وتمسكت بإعلانها بعد أن أمرت تل أبيب “سفيرها في الاتحاد السوفياتي بنفي الخبر خلال لقاء جمعه بكوسيجين، بينما دعا ليفي اشكول السفير الروسي في تل أبيب لزيارة الجبهة والتحقق من عدم وجود حشود”(62). بدوره، “أبلغ مندوب المخابرات السوفييتية في القاهرة يوم ١٣ أيار عام ١٩٦٧ مدير المخابرات العامة المصرية بوجود أحدَ عشرَ لواءً إسرائيلياً محتشداً على الجبهة السورية”(63)، فاعترض اللواء أنور القاضي. رئيس العمليات العسكرية، على إرسال الجيش إلى سيناء، لأنه ليس جاهزاً للحرب، أبلغه المشير عامر “أن القتال ليس جزءاً من الخطة الموضوعة، وما يجري مجرد استعراض للقوة هدفه الرد على التهديدات الإسرائيلية لسوريا”(64). أخيراً، وبعد مناورات سياسية سعى خلالها كل طرف لإلصاق تهمة التصعيد وبدء الحرب الوشيكة بعدوه، أعلنت مصر يوم ٢٢ أيار إغلاق خليج العقبة أمام سفن إسرائيل الذاهبة إلى مرفأ إيلات، فادعت إسرائيل أن الخطوة إعلان حرب، تأكيداً لما كان قد قاله رئيس وزرائها بعد انسحاب قواتها من سيناء عام ١٩٥٧ونهاية حرب السويس، وهو أن إغلاق الممر سيعتبر إعلان حرب .
ـ ومع أن عبد الناصر اكد عدم رغبته في خوض حرب، وطالب الأمم المتحدة بالإشراف على الممر، بينما قدم مندوب مصر في الأمم المتحدة مشروع قرار يتضمن تعهداً بأن لا تكون بلاده البادئة بعمل عسكري، وناشد المجتمع الدولي العمل لإعادة العمل بشروط هدنة عام ١٩٤٩ بين دول الطوق العربي وإسرائيل، ودعا الأخيرة للعودة الى لجنة الهدنة المشتركة، التي ما تزال نافذة. حين طلب أعضاء مجلس الامن إسرائيل بتقديم تعهد بأن لا تكون إسرائيل البادئة بالحرب، رفضت الطلب”(65)، وتذرع جنرالاتها بإغلاق الخليج ليشنوا في الخامس من حزيران هجوماً شاملاً على قواعد مصر الجوية، سبقه ضم مناحيم بيجن والجنرال المتقاعد موشي دايان إلى الوزارة يوم ٣٠ أيار، وتكليف الأخير بمنصب وزير الدفاع، وإرسال وزير الخارجية أبا إيبان إلى واشنطن لنيل موافقة الرئيس جونسون على البدء بالعمل، وحين قابله وجده أشد حماسة لها من أي جنرال اسرائيلي، ويحبذ الشروع الفوري فيها، بعد أن اتفق مع ليفي اشكول، رئيس وزراء اسرائيل، على بدئها تحت اسم سري هو “اصطياد الديك الرومي”. بعد الحرب، تبين أن جونسون تلقى رسالة وصلته يوم ٢٧/١٢/١٩٦٦ من الملك فيصل بن عبد العزيز، ملك السعودية، تحمل الرقم ٣٤٢ بين وثائق مجلس الوزراء السعودي، يقول فيها “… من كل ما تقدم، ومما عرضناه بإيجاز، يتبين لكم أن مصر هي العدو الأكبر لنا جميعاً، وأن هذا العدو إن تُرك يحرض ويدعم العداء عسكرياً وإعلامياً، فلن يأتي عام ١٩٧٠ ـ كما قال الخبير الكبير في إدارتكم السيد كيم روزفلت ـ وعرشنا ومصالحنا في الوجود. لذلك فإنني أبارك ما سبق للخبراء الأمريكان في مملكتنا أن اقترحوه، لأتقدم بالاقتراحات التالية: أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولي به على أهم الأماكن الحيوية فيها، لتضطرها بذلك لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أي مصري رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد علي وعبد الناصر في وحدة عربية. سورية هي الثانية التي يجب أن لا تسّلم من هذا الهجوم، مع اقتطاع جزء من أراضيها، كيلا تتفرغ هي الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر”(66). وقد استند الأمير فهد، رئيس الجانب السعودي في اللجنة الأميركية/السعودية المشتركة، المكلفة بإدارة الحرب في اليمن ضد القوات المصرية، إلى هذه الرسالة ليوافق على الخطة التي بلورها الطرفان حول شن حرب على مصر، وطالب في اجتماع عقد في كانون الأول عام ١٩٦٦ أن توعز واشنطن لحليفتها إسرائيل بشن هجوم كبير على قطاع غزة أو سورية، فإن تصدى عبد الناصر له، وجهت ضرباتها إليه، أما إن لزم الصمت، فإنه يخسر الكثير من شعبيته، ويخف ضغطه العسكري على السعودية في اليمن”(67).
ـ سأكتفي من تفاصيل الحرب بذكر بعض وقائعها: قبل بدء العمليات، وبعد العرض العسكري الإسرائيلي في القدس، زار رئيس أركان الجيش المصري محمد فوزي دمشق للتنسيق بين البلدين تنفيذاً لبنود معاهدة الدفاع المشترك، فـ”لم يستطع الحصول على معلومات من الجهات العسكرية والسياسية السورية تؤيد المعلومات الروسية، ولم تُظهِر الصور الجوية التي اضطلع عليها أي تغيير في مواقع القوات الاسرائيلية يومي ١٢و١٣ أيار”(68)، مع ذلك، قدم مندوب سورية في الأمم المتحدة في اليوم التالي كتاباً رسمياً إلى مجلس الأمن يتهم اسرائيل بإعداد هجوم على بلاده. هذه الرسالة، وتصريحات الوزير ماخوس في القاهرة حول ضرورة بدء الجهاد ضد العدو، طرحا سؤالاً بقي دون جواب هو: إذا لم تكن هناك حشود اسرائيلية، لماذا أرسِلت الرسالة ودعا ماخوس القاهرة إلى الجهاد، وما الذي يفسر إرسال المذكرة غير الرغبة في المزيد من توتير الأجواء، والإمعان في توريط مصر خشية ابتعادها عن الفخ، بعد أن قامت بالخطوة الأولى نحوه، ولم يبق غير دفعها إليه، قبل أن يتجاوب العالم مع ما قدمته من أدلة تؤكد عزوفها عن الحرب، ورغبتها في تحاشيها، رغم أنها كانت قد أرسلت جيشها بأكمله إلى سيناء، واستدعت الاحتياط وأعلنت التعبئة العامة؟
ـ وكانت إسرائيل قد أكملت حشد خمس فرق على حدود سيناء. من جانبها، أرسلت أميركا أسطولها الخامس إلى مقربة من شواطئ مصر وفلسطين. في حمأة هذه التجاذبات، “أبلغ الجنرال ياريف، رئيس استخبارات إسرائيل العسكرية، رئيس أركان جيشها الجنرال رابين أن عبد الناصر لا ينوي مهاجمة إسرائيل، فرفض الأخير ما أسماه تخمينات جهازه”(69).
ـ لماذا أصرت روسيا على وجود الحشود، وامتنعت عن إرسال مندوب عنها إلى الحدود مع سورية، لإثبات صحة معلوماتها؟. ولماذا أبلغت مصر بوجود ما أكده العسكريون السوريون لرئيس أركان جيشها الجنرال فوزي أنه ليس صحيحاً: أعني انتشار أحدَ عشرَ لواءً إسرائيليا قرب الحدود السورية؟. ولماذا أيقظ سفير الاتحاد السوفياتي عبد الناصر في الثالثة والنصف من فجر الخامس من حزيران ليحذره من بدء حرب شنتها إسرائيل بعد ساعات قليلة، كما قال عبد الناصر في خطاب استقالته يوم التاسع من حزيران؟. أليس من المنطقي الافتراض أن موسكو كانت تعرف موعد بدء الهجوم من استخباراتها في إسرائيل، أو من صور أقمارها الاصطناعية، التي كانت تمسح المنطقة يومياً؟. ولماذا لم تتخذ موسكو أي تدبير لمنع العدوان غير التهديد بقطع علاقاتها مع إسرائيل، التي قطعتها فعلاً، ولكن بعد الحرب؟. وهل أقنع الكرملين نفسه أن البعث هو حقاً بديل ثوري لعبد الناصر، كما قال منظروه عن “طريق التطور اللارأسمالي”، لمجرد أنه أضعف منه وأقل قدرة على مقاومة تلاعبه به؟. أم أنه وافق على خطة أميركا للتخلص من عبد الناصر، في سياق هجومها على حركة الحياد الايجابي وعدم الانحياز، التي ايقنت موسكو أن عائدها السياسي لا يسوغ تكلفتها الاقتصادية الباهظة بالنسبة لاقتصادها المريض، فقررت التخلي عنه؟. وهل كانت المسألة مجرد سوء تقدير، وخطأ في الحسابات كثيراً ما تقع فيه الدول العظمى، أم أنها كانت نوعاً من تواطؤ أملاه إصرار موسكو على وجود حشود لم يكن انتشارها قرب الحدود السورية مؤكداً، وعدم مد يد العون إلى عبد الناصر، رغم التصعيد المتزايد الخطورة، الذي كان يُقرِب يومياً الحرب من الانفجار؟.
ـ شهدت الحرب ما يسمونه أحداثاً كاشفة، كانتهاج دمشق سلوكاً أكد إحجامها عن المشاركة في الحرب، واستبدال الحرب بالسلاح بحرب إعلامية صاخبة دمرت العدو، وجسدتها بلاغات عسكرية حملت اسم حافظ الأسد، الذي سبق أن قال في تصريح إذاعي إن تحرير فلسطين هو الحد الأدنى المقبول لديه، واكتفى جيشه الآن بقصف مستعمرتين حدوديتين هما شيرياشوف ودان، واحتلال الأولى لساعات قليلة، وإرسال طائرتين في يوم القتال الأول قال بلاغ عسكري إنهما دَمّرتا أهدافاً حيوية للعدو ومصفاة حيفا، التي تبين أنها لم تقصف.
ـ ما أن بدأ الهجوم الجوي الاسرائيلي في الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الخامس من حزيران، حتى أحجم الجيش عن القيام بأي جهد هجومي، وبدأت بعض قواته الوثيقة الارتباط بالسلطة تنسحب بعد ظهر اليوم الثاني من مواقعها المتقدمة على الجبهة، كالكتائب الهندسية المكلفة بمساعدة القوات على اجتياز بحيرة طبريا. بتدمير سلاح الجو السوري وهو مصفوف بانتظام على أرض مطاراته، دون أن يعترض إطلاقا طائرات إسرائيل المهاجمة، استهدفت إسرائيل الجولان بضربات جوية متواصلة ومكثفة دمرت وحداتها أو شلت حركتها”(70).
ـ امتنع الجيش عن خوض الحرب، بقرار من وزير الدفاع حافظ الأسد، الذي أمره بالانسحاب من جبهة كان يستطيع القتال طيلة أشهر وهو منتشر فيها، بما تضمه من تحصينات قوية، وتختزنه من مؤن وذخائر وعتاد حربي. لكن الأسد قرر التخلي عن الأرض للمحافظة على جيش هو أداة الحكم والسلطة، ويعني دماره سقوطهما.
ـ لم تطبّق دمشق اتفاقية الدفاع المشترك، رغم أنها طالبت مصر بتطبيقها بعد المعركة الجوية التي خسرت فيها ست من طائراتها. ولم تنفذ أمر عبد المحسن مرتجي (١٩١٦ ـ ٢٠١٣)، قائد القوات البرية المشتركة، والفريق علي علي عامر بتخفيف الضغط عن الجبهة المصرية، لكنها أصدرت سبعة بلاغات في الخامس من حزيران تؤكد أن “الطيران السوري يقوم بقصف شامل لمطارات العدو شمال فلسطين، وأنه دمر الجزء الأكبر من المجهود الجوي للعدو، وشوهدت الطائرات العدوة وهي تحترق على الأرض، بينما بدأ جيشنا زحفه، واحتل مستعمرة شيرياشوف وكبد العدو خسائر كبيرة جداً فيها، ويخوض حالياً معركة حامية مع قوات معادية تقاوم تقدم قواتنا داخل الأرض المحتلة . من جانبه، أذاع الرئيس نور الدين الأتاسي بياناً يعلن أن ساعة النصر قد دقت “على أعداء العروبة”، وأن الصهاينة الغزاة المتآمرون مع الاستعمار العالمي حفروا قبورهم بأيديهم، عندما أغاروا على الجمهورية العربية المتحدة”(71). في اليوم التالي، وبعد بدء جيش مصر ترك مواقعه والتوجه نحو قناة السويس، أصدر حافظ الأسد بلاغاً نسي تماماً انجازات الأمس المختلقة، وتحدث عن “المؤامرة الانجلو/أميركية الصهيونية على الحق العربي … وأورد معلومات حول انتقال ثلاثة آلاف جندي بريطاني قاعدة أكروتيري في قبرص يوم ٢٨ أيار الماضي إلى المنطقة المحتلة من فلسطين، بينما وصل قبل ذلك بيوم ٢٧ قائد الأسطول السادس الأميركي إلى القاعدة البريطانية(72). وكان الأسد قد أكد في بلاغاته أنه تم في يوم الحرب الأول تدمير وإسقاط خمسين طائرة للعدو، إلى جانب الطائرات التي شوهدت وهي تحترق في مطاراته . بعد أيام من الهدوء النسبي على الجبهة، تخللتها معركة واحدة تستحق اسمها جرت في موقع متقدم هو “تل الفخّار”، الذي قاتل ضباطه وجنوده طيلة يوم كامل دون مساندة من بقية القوات التي كانت منهمكة في ترك مواقعها واسلحتها. وما أن لاحظت استخبارات إسرائيل ما يجري، حتى قطعت الشك باليقين، وأبلغت دايان بالوضع المستجد، فأمر جيشه في الرابعة من فجر يوم التاسع من حزيران بغزو الهضبة، على الضد من قرار لمجلس الوزراء، ومستبقاً قراراً بقبول وقف إطلاق النار. أقدم دايان على خطوته بعد تلقيه إشارات تفيد أن موسكو لن تهب لنجده دمشق، وواشنطن لم تتفاهم مع العاصمة الروسية على منع احتلال الجولان، على العكس مما شاع لبعض الوقت، وأن السعودية لا تعترض على ذلك أيضاً .
ـ لم يأمر حافظ الأسد قواته بالقتال، بل أمرها بتنفيذ انسحاب كيفي وترك مواقعها وأسلحتها، والتخلي عن مدينة القنيطرة، وأعلن في بيان بثته إذاعة دمشق نبأ سقوطها بعد “معارك طاحنة”، تبين بعد أيام أنها لم تقع، وأن” وزير الصحة عبد الرحمن الأكتع، زميل الأسد في حكومة الدكتور يوسف زعين، كان جنوب المدينة عندما أذيع نبأ سقوطها، فاتصل به يبلغه أن المدينة ما زالت بيد جيشه، لكن وزير الدفاع قابل اتصاله بغضب شديد وحذره من التدخل في الأمور العسكرية، التي لا تعنيه”(73).
ـ اتضح فيما بعد أن الحرب لم تقع على الجبهة السورية، وان الجيش لم يقم بأي هجوم، بل انسحب يوم التاسع من حزيران، بعد أربعة ايام من نشوبها، حين قرر الجيش الإسرائيلي احتلال الجولان. بما أن الأسد أعلن سقوط القنيطرة وأمر جيشه بالانسحاب صبيحة اليوم ذاته، وقَبِل في اليوم التالي وقف إطلاق النار، فإن أي حديث عن مشاركة جيشه في الحرب لا يعدو أن يكون محض كذب، والصحيح ما قاله الضابط السابق في المخابرات العسكرية، ومؤلف كتاب “سقوط الجولان”، الرائد خليل مصطفى، الذي اعتقل بعد نشره وبقي في السجن رغم انقضاء فترة سجنه لخمسة عشر عاماً، التي قررتها المحكمة، ولا شك في أنه لاقى وجه ربه، وهو أنه “لم تكن هناك نية لدى النظام السوري لخوض أية معارك… والدليل أنه لم تجرِ فعلاً مواجهات حقيقية بين الجيشين السوري والإسرائيلي”(74). هذا القول أكده مقاتلون فلسطينيون من حركة “فتح” تعاونوا مع استطلاع الجيش السوري، وكانوا في منطقة شمال فلسطين طيلة فترة الحرب”(75) . كما أكده مؤسس إسرائيل دافيد بن غوريون، الذي كتب في مذكراته: “باندلاع حرب الأيام السته، كان تصرف السوريين متزناً، فقد أرادوا أن يظهروا وكأنهم مشتركون في الحرب، لكنهم فعلوا في الوقت نفسه كل شيء لتجنب الدخول فيها”(76).
___________
هوامش:
(60). في مئوية الزعيم … أبرز ما قيل عن جمال عبد الناصر، موقع البوابة، ١٥/١/٢٠١٨.
(61). قالوا عن جمال عبد الناصر، الموقع السابق.
(62). محمد حسنين هيكل: ١٩٦٧ الانفجار، حرب الثلاثين سنة، القاهرة ، مركز الاهرام للترجمة والنشر١٩٩٠، ص ٤٤٣.
(63). المرجع نفسه.
(64). جيريمي بوين: ستة ايام، كيف شكلت حرب ١٩٦٧ الشرق الاوسط (نيويورك، مطبوعات سانت مارتين ٢٠٠٣) صفحة ٣٩.
(65). الموسوعة الفلسطينية: حرب ١٩٦٧ في منظمة الامم المتحدة. ٢٩/١/٢٠١٤.
(66). حمدان حمدان: عقود من الخيبات. كيف وصلنا إلى هنا، دار بيسان للنشر، عمان ١٩٩٥ ، الصفحتان ٤٨٩/٤٩٠.
(67). د. غازي حسين: الدور الاميركي في حرب حزيران.. موقع نبض الوعي العربي، ١٣/٦/٢٠١٨. وحمدان حمدان، مرجع سابق ، الصفحة٤٩٠ .
(68). جيريمي بوين ، مصدر سابق، ص ٣٩.
(69). محمود محيى: بعد خمسين عاما على حرب حزيران: اسرائيل تفرج عن وثائق نادرة، موقع اليوم السابع، ٨/٧/٢٠١٧.
(70). الكنيست الاسرائيلي : حرب الايام الستة، موقع الكنيست.
(71). تيسير خلف: مرجع سابق .
(72). اليوميات الفلسطينية، المجلدان ٤و٥، مركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت ١٩٦٧ الصفحة ٥٥٠.
(73). خليل مصطفى: سقوط الجولان، دار النصر للطباعة الإسلامية، القاهرة ١٩٨٠، نسخة مصورة، الصفحة ٩٩.
(74). خليل مصطفى، مرجع سابق.
(75). احمد ابو مطر: هل باع حافظ الاسد الجولان ما قال السادات؟. وهو ينفي في دراسة طويلة ما قاله السادات. موقع إيلاف، ٧١/٤/٢٠١١.
(76). موضوعات سياسية : سورية من الاستقلال إلى حافظ الاسد. موقع المقاتل.
………………..
يتبع.. الحلقة السادسة عشر: نتائج الهزيمة
«ميشيل كيلو»: كاتب وباحث ومحلل سياسي سوري
التعليقات مغلقة.