( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب «من الأمة إلى الطائفة، سورية في حكم البعث والعسكر» بأجزائه الثلاثة كاملاً للكاتب الأستاذ: ’’ميشيل كيلو‘‘.. الحلقة العاشرة: العسكر و”البعث” وهي الأخيرة من الجزء الأول
من الأمة إلى الطائفة
سورية في حكم البعث
قراءة نقدية
ميشيل كيلو
باريس ٢٠١٧/٢٠١٩
العسكر و”البعث”:
نفذت “اللجنة العسكرية” بندين من رؤية عفلق الجديدة، رغم أنها قاطعته وأعلنت سحب ثقتها بقيادته، واتخذت منه موقفها يتفق مع موقف” يساريي الحزب، حملة لقب القطريين، الذين رفضوا مثلها قرار حل البعث، وحافظوا على بعض علاقاتهم خلال الوحدة”(118) ورفضوا، كاللجنة، أي ارتباط تنظيمي به، رغم موافقتهم على موقفه من مصر، ومن ربط كل ما له علاقة بالسياسة بالبعث وحده.
ـ رفضت “اللجنة” دور عفلق في الحزب، وأدانت إلقاءه بالبعث وسورية في أحضان وحدة غير مدروسة، باعترافه بعد الانفصال. ورفضت توليه قيادة الحزب، ورده إلى هويته قبل عام ١٩٥٨، وقررت الحؤول بينه وبين استعادة ثقة البعثيين به، ومد يدها إلى من انشقوا عن “حزبه” من وحدويين اشتراكيين وقطريين واشتراكيين عرب، واستثنت أكرم الحوراني من ذلك، بذريعة توقيعه وثيقة الانفصال، ودعم عهده”(119).
ـ بعد عودة ضباط “اللجنة” من مصر، اعتمدوا هذه المحددات السياسية كخطوط حمراء، وبدأوا بتنظيم أوضاعهم، لأنه “لم يكن قد بقي للبعث في الخدمة العسكرية غير نفر صغير من الضباط، ولان عدد اعضاء “اللجنة” كان عند خروجها من مصر سبعة اعضاء فقط، بينما سرحت قيادة الجيش في آخر يوم من عام ١٩٦١نيفا وسبعين ضابطا معظمهم من البعثيين، بينهم جميع اعضاء “اللجنة” عدا اثنان”(120). وكان التناقض بين قلة أعضائها ككتلة انقلابية، وهدفها الطموح، قد واجهها بتحديات جدية، أولها حمايتهم وتوسعة صفوفها، والتحالف مع كتل عسكرية أخرى، كان الناصريون أكثرها عدداً ورغبة في التعاون مع الرغبين في الإطاحة بما سمي “حكم أو نظام الانفصال”، وأكثرها تسيباً، على الصعيد التنظيمي. وقد التقى الناصريون بـ”اللجنة” في اليوم الأخير من شهر آذار من عام ١٩٦٢، خلال تمرد حمص ثم حلب ضد حكومة دمشق، بوساطة من وحدوي اشتراكي هو “سامي الجندي” (١٩٢١ـ ١٩٦٦)، فظهر التباين في أهداف الطرفين، إذ كان الناصريون عازمين على الإطاحة بالانفصال وإعادة الوحدة، بينما أراد البعثيون الإطاحة به للاستيلاء على السلطة، واستخدامها للحؤول دون عودتها مع عبد الناصر. هذا التباين استمر، رغم تحالف الطرفين التكتيكي، الذي قاده جاسم علوان (١٩٢٨ـ ١٩١٨) عن الناصريين، ومحمد عمران عن “اللجنة”، وأفضى إلى تباعدهما بعد أن أصر الناصريون على مطلبهم بإعادة الوحدة، ورَفضَهُ البعثيون”(121). بيد ان العلاقة ما لبثت أن تجددت بعد تعرض الطرفين لملاحقات أرغمتهما على تجميد خلافاتهما، وتأجيل تسويتها إلى ما بعد اسقاط النظام.
ـ جعلت “اللجنة” الانقلاب على السلطة أولويتها السياسية، وتعديل علاقات وموازين القوى بينها وبين بقية أطراف الجيش هدفها التنظيمي المباشر. ومع أنها قاطعت حزب عفلق، فإنها أفادت من الضباط العاملين والاحتياطيين من أعضائه، وحاولت اجتذابهم إلى صفوفها، مستغلة التحول في موقفه من ضرورة الانفراد بالسلطة بعد الانقلاب عليها. هذا أولاً. وثانياً: راهنت “اللجنة”، بسبب ضعف الحزب الشديد في القطاعين العسكري والمدني، الذي قارب حدود التلاشي، على خطب ود صف الضباط، الذين “كان قطاع واسع منهم يقارب الخمسة وخمسين بالمائة من عددهم علوي المذهب”(122)، وعملت لتعويض حضورها المحدود على الصعيد القيادي بنفوذ وحضور هؤلاء في الجيش، وبدورهم في منع ضباطه غير البعثيين من السيطرة عليه أو استخدامه ضدهم، خاصة وأن شاغلي هذه المراتب سيكونون صلة الوصل بين “اللجنة” والجنود: المستوى العسكري التنفيذي، الذي يقيد ضبطه قدرة الآخرين على تحريك القطعات المقاتلة، ويمد “اللجنة” بقوة تخترق مختلف وحدات الجيش، وتفتقر إليها كتله الأخرى. وثالثاً: بما أن خمسة من سبعة من ضباط “اللجنة” كانوا من العلويين والاسماعيليين، فإن الثلاثي عمران/جديد/الأسد حرص على قيادتها، وتنظيم توسعتها العددية المتزايدة بطريقة لا تهدد انفراده بقراراتها، وإشرافه على تنفيذها. صحيح أن الثلاثة لم يكونوا أول من أسس “اللجنة”، التي “شكلها وترأسها بشير صادق، أعلى ضباط البعث رتبة، وضمت مزّيَد هنيدي وعبد الغني عياش وممدوح الشاغوري ومحمد عمران” (١٩٢٢ـ ١٩٧٢)(123)، إلا أن انتساب بعثيي “الأقليات” إلى إليها، بدل هويتها، ونمط عملها، وعلاقاتها بعفلق و”البعث”، بعد نقل ضباطها الأربعة الأوائل إلى الحياة المدنية، وقيام محمد عمران، أصغر أعضائها رتبة، بإعادة تشكيها، وضم صلاح جديد (١٩٢٦ـ ١٩٩٣) وحافظ الاسد (١٩٣٠ـ ٢٠٠٠) وأحمد المير (١٩٢٢ـ ٢٠٠٧) وعبد الكريم الجندي (١٩٣٢ـ ١٩٦٩) وعثمان كنعان ومنير الجيرودي إليها. هذا الحدث، لم يكن شكلياً أو ظاهرياً، بل كان مفصلياً، من علاماته الرئيسة ما سبق ذكره حول قرار الثلاثي إبقاء قيادة وقرار “اللجنة” في يده، رغم ما ظهر بينه من تباين في المواقف، وخلافات في الخيارات، أخذت لاحقاً شكل تصفيات إدارية انتهت بتصفيات جسدية، كان عمران أول ضحاياها، قبل ان يتبعه صلاح جديد، بفاصل زمني طويل.
ـ لن استفيض في وصف سياسات “اللجنة” ومناوراتها، ودورها في التحالفات التي قادت إلى انقلاب الثامن من آذار عام ١٩٦٣، واستيلائها عليه خطوة/ خطوة. يقول كمال خلف الطويل في تقرير حول تلك الفترة: “كانت المعضلة التي واجهتها “اللجنة العسكرية” للبعث، بعد نجاح الانقلاب، ثلاثية الأبعاد: كيف نتخلص من، أو ندعي التجاوب مع ضغوط الشارع العارمة طلباً لعودة الوحدة مع مصر؟. وكيف نضرب الناصريين في الجيش استباقياً ووقائياً، ولكن بتدرج محسوب؟ ثم كيف نتخلص من عبء الحريري بعد استنفاذ دوره؟”(124). لبلوغ أهدافها، تعاونت اللجنة مع عفلق والبيطار في موضوع الوحدة، فاقترحت وحدة ثلاثية تضم العراق، وفتحت باب مفاوضات مع عبد الناصر انتهى بالاتفاق على إصدار بيان حمل اسم “ميثاق ١٧ نيسان”. بيد أنها بادرت إلى خطوتها تجاه عبد الناصر من أجل التغطية على ما كانت قد قررته من بطش بمناصريه السوريين في الجيش والشارع، ونفذته بعد ثلاثة أيام فقط من توقيع “الميثاق”، عبر تسريح العشرات من الضباط الناصريين، الذين أوفدوا إلى بغداد بحجة مناقشة الوحدة العسكرية بين جيشي سوريا والعراق، وصدر قرار تسريحهم وهم في عاصمة الرشيد. ثم استمرت حملة التسريحات طيلة شهري ايار وحزيران من عام ١٩٦٣، وحين استقال الوزراء الناصريون احتجاجا على سياسات “اللجنة”، وقامت مظاهرات ضخمة ضد اجراءاتها، قمع عسكرها المتظاهرين بقوة السلاح، واعتقلت قادتهم. أخيراً، وبعد ورود معلومات عن محاولة انقلابية ينظمها الناصريون، قررت قيادة “اللجنة” السماح لهم بالوصول إلى مقربة من مبنى الأركان العامة، من أجل القضاء على أكبر عدد منهم أثناء القتال والإعدامات الميدانية والعسكرية التي تلته، وطالت مائة وسبعين عسكرياً، بعد محاكمات دامت دقائق، كما يقول سامي الجندي في الصفحة 130 من كتاب “البعث”. خلال الإعداد لتصفية الناصريين عسكرياً، جرت تصفية كتلة زياد الحريري، رئيس اركان الجيش، بالمكر والخديعة، فقد أُقنع بزيارة الجزائر على رأس وفد عسكري كبير، أوهمه بـ”براءة” مقاصده انضمام المقدم صلاح جديد إليه، لكنه تم تسريح ضباطه في غيابه، وحين عاد إلى دمشق تمت مرافقته إلى المطار لترحيله إلى “عمله الجديد” كسفير في إسبانيا. بعد قليل، ستنقض “اللجنة” على كتلة الضباط الشوام، وتعزز قبضتها على الجيش، الذي طهرته تدريجياً من الآخرين، ومنحت قادتها رتباً رفيعة خولتهم تولي مناصب حاكمة منها رئاسة أركان الجيش، وقيادة سلاح الجو، وجميع الوحدات القريبة من مدينة دمشق.
ـ بإحكام قبضتها المتزايد على الجيش، راكمت “اللجنة” قدراً من القوة سمح لها بخوض الصراع لإزاحة عفلق والاستيلاء على “البعث”، وإنهاء الازدواجية في تمثيله، وفرض نفسها كقيادة شرعية له، تعيد تأسيسه وتنظيمه بأدواتها، وتستخدمه في صيغته العسكرية الجديدة لخوض وحسم معركتها على زعامة العالم العربي.
ـ وكانت قد برزت جهة في الحزب لعبت دوراً كبيراً في تحجيم عفلق، مثّلها تيار يساري قاده عام ١٩٦٣ حمود الشوفي، “الذي انتخب أمين سر القيادة القطرية في أول مؤتمر حزبي عقد بعد انقلاب الثامن من آذار”(125) أوصل أربعة من محازبيه إلى القيادة القطرية في انتخابات أيلول عام ١٩٦٣الحزبية، وأسقط محازبي عفلق جميعهم، بمن فيهم مؤسس الحزب الثاني، ورئيس الوزراء صلاح الدين البيطار، عدا بعثي واحد هو نور الدين الأتاسي، في حين انتخب ثلاثة من أعضاء “اللجنة” في القيادة كان منهم حافظ الأسد.
ـ وجد عسكر “اللجنة” في هذا التيار أداة تصلح للصراع ضد عفلق في سورية، تتكامل مع تيار مماثل برز في العراق، كان قد لعب دوراً مهماً في لجنة إعادة تنظيم الحزب في سوريا قبل نيف وعام، وفاز في انتخابات الحزب في أيلول عام ١٩٦٣ بأغلبية أعضاء القيادة القطرية العراقية. لذلك، ما أن عقد المؤتمر القومي السادس في دمشق عام ١٩٦٣، حتى “وجد عفلق نفسه غريبا عن الحزب الذي أسسه ورعاه طيلة عقدين. حدث هذا، لأن المؤتمر تبنى وثيقة فكرية/ أيديولوجية حملت عنوان “بعض المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي”، تضمنت قراءة مناقضة لقراءة عفلق للواقع وتطوراته واحتمالاته، “مرّكسة” خط الحزب وسياساته، فما كان من عفلق، الذي رأى فيها إجهازاً سياسياً وفكرياً على حزبه، وعليه شخصياً، إلا أن رد بانقلاب عسكري في العراق، استولى على السلطة وأخرج قيادة على صالح السعدي اليسارية منها، وأرسلها إلى إسبانيا.
ـ لن اسهب في الحديث عن تفاصيل الصراعات التي عصفت بالحزب، في هذا الوقت وفيما بعد، وتحالف خلالها بعثيون قياديون في العراق مع جهات معادية للبعث ضد ما عرف بتيار الحزب اليساري، وقاموا بانقلاب أطاح بهم، تزعمه محمد عبد السلام عارف، رئيس الجمهورية المقرب من عبد الناصر، بعد قتال شوارع خاضه الانقلابيون ضد حرس اليسار القومي، فرد اليسار السوري بطرد صلاح الدين البيطار من الحزب، غير أن عفلق رد على ذلك بتعيينه نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة .
ـ من الآن فصاعدا، أخذ كل يوم يمر يأتي بمزيد من الصراع بين “اللجنة”، ومن تدعمهم من البعثيين، وبين أبرز مؤسِسي “البعث”، الراحل ميشيل عفلق، الذي صار هدفاً محبباً لمن تعاونوا ضده، أو تواطؤا عليه، وهم يساريون مرة، قطريون أخرى، خصوم وأصدقاء من خارج البعث كتنظيم سياسي ومن داخله، وصولاً إلى شريكه صلاح الدين البيطار، الذي كان قد أعيد إلى رئاسة الوزارة: “ليُخمد أوار العداوة المستفحلة في أوساط الشعب بغالبيته الناصرية وأقليته المحافظة”، كما يقول كمال خلف الطويل في الجزء الثالث من النص الذي أسهم في تحريره(126).
ـ هذه الصراعات والمناورات، انتهت إلى نتيجة ستتسم بالثبات والديمومة هي:
ـ انقسام البعث إلى عفلقي في بغداد، وعسكري معادٍ لعفلق في دمشق، وبالتالي إلى بعثين أوصلا العداء بين الدولتين السورية والعراقية إلى مستويات لم يسبق أن بلغتها في أشد ساعات الصراع بين العاصمتين أواسط الخمسينات، فرضت عليهما، في نهاية الأمر، “قطيعة شاملة” أدت إلى إغلاق حدودهما المشتركة طيلة عقود، وجعلت “البعث” الأسدي يختم جوازات سفر مواطنيه بجملة تسمح لهم بزيارة “العالم كله عدا العراق”.
ـ بدل أن “يوحد البعث سورية والعراق خلال شهرين على الأكثر، كما قرر مؤتمره السادس الذي انعقد في الخامس من تشرين الأول عام ١٩٦٣”(127)، وضع أنصاره فيهما مشتركاته الكلامية جانباً، وحكموهما صفرية النتائج، بأساليب خلت من التنافس السلمي الإيجابي، وحفلت بصراعات كانت معظم ضرباتها تحت الزنار، كما يقال، إلى أن نجح البعث السوري في حصر عدوه العراقي بينه وبين نظام إيران الإسلامي، وعمل على التخلص من نظامه، ولو تطلب ذلك سحق العراق نفسه . لا غرابة في أن تبلغ علاقات النظامين مستوى من العداء والضغينة لم يبلغه منذ ألف عام، وأن ينخرطا في صراع مبدؤه التنافي المتبادل، الذي أكد أن ممارسات “البعث” كانت عكس ما ضمنه عفلق في جمله من تحسينات لفظية وصفات تنزيهية، وأنه خضع لاعتبارات لا تنتمي إلى ما أعلنه في رؤيته السياسية، تفوق في سلبيتها ما تخضع له أحزاب تنتسب إلى مدارس متعادية، وفئات لا يجمعها جامع سياسي أو مصالحي، كان مصيره التلاشي وبالتالي الاحتماء بأجهزة سلطته القمعية، وتحوله من حزب هو أمة العرب الاستباقية والموحدة لدى عفلق، إلى كيان هزيل ملحق بسلطوي ارتبط مصيره بإرادته، يحكم باسمه دون أن يكون له حق المشاركة في خياراته وسياساته، ناهيك عن الاعتراض عليها، بما أن وظيفته الوحيدة كانت تقديم غطاء عفلق الأيديولوجي له، ومنحه شرعية لم تكن سلطته بحاجة إليها يوماً .
ـ لم يأخذ عفلق هذا التطور في حسبانه، ولم يدرك أن العسكر من رفاقه وتلامذته سيستخدمون خطه الجديد للإطاحة بحزبه، وبه شخصياً. بعد انقلابها على السلطة عام ١٩٦٣، انقلبت “اللجنة” على “البعث”، من داخله، ووضعت يدها عليه، وحولته إلى أداة بيدها، لا حول لها ولا طول، ارتضت أن تكون من أجهزتها المساعدة، التي تلتزم بما يقرر لها .
ـ بانقسام “البعث” السوري إلى حزبين متنافسين، يميني ويساري مزعومين، بيد أحدهما السلاح والسلطة، انخرط طرفاه في صراع إلغائي مارسته “اللجنة” بما امتلكته من قوة لم تتردد في استخدامها ضد خصومها المساكين، رغم ما كان بين ضباطها من مواقف متباينة تجاه عفلق شخصياً. وزاد من حدة صراع الحزبين الاستقطاب، الذي وضع قيادة “اللجنة” في أيدي اعضائها المعادين للناصرية، الذين تولى اللواء صلاح جديد زعامتهم بمساندة من اللواء الآخر: حافظ الأسد، الذي تخلى بدوره عن القيادي الثالث اللواء محمد عمران، الذي كان جمال عبد الناصر قد فاجأه في شهر تشرين الاول من عام ١٩٦٤، “خلال جلسة ضمته مع أمين الحافظ وآخرين من أعضاء وفد سوري بأنه ورفاقه في “اللجنة العسكرية” علويين ويتزعمون تنظيماً علوياً سرياً ملتحفاً برداء “البعث”، يسعى للانفراد بالسلطة ويستعمل أدوات طائفية في الهيمنة على الجيش ومن ثم البلد. تلك المصارحة كانت جواب عبد الناصر على محاولة عمران التقرب منه، وإشارة إلى أمين الحافظ بأن ما حوله غير صحي ومعبأ باحتمالات السوء”(128). بعد عودته إلى دمشق، ولقائه رفاقه في “اللجنة”، الذين لطالما طالبهم بإعادة الوحدة مع عبد الناصر، وتطبيع علاقاتهم مع عفلق، لم يجد الرجل ما يعترض به على قرار رئيس الأركان العامة للجيش اللواء صلاح جديد ترفيع حافظ الأسد إلى رتبة لواء، وتعيينه قائداً لسلاح الجو، غير إعلام القيادة القومية بوجود “لجنة عسكرية” سرية تُخطط للإطاحة بالقيادة المدنية، و”بناء دولة على مقاسها الخاص”(129). بعد الوشاية، حلت القيادة القومية في كانون الأول من عام ١٩٦٤القيادة القطرية، ظناً منها بأن قرارها من شأنه حسم الصراع والإطاحة بـ”اللجنة”، لكنها واجهت ثورة حزبية عارمة أدت إلى استيلاء القطريين على الحزب ومنظماته(130)، وإخراج عمران من سورية سفيراً إلى إسبانيا، وفتح الباب، وقد أدركت أن عبد الناصر كشف أوراقها، أمام حدثين داخلي وعربي سيكونان مفصليين بالنسبة لتطور العلاقة مع مصر، والمجالين العربي والدولي:
ـ أولهما إعلان الاجراءات الاشتراكية، التي يقول سامي الجندي في كتاب البعث “إن شعارها كان دوما: يجب أن نسبق عبد الناصر”(131)، لذلك أريد لها أن تبدو أكثر يسارية من تأميماته، التي رد بها على انفصال الوحدة عام١٩٦١. عمل “البعث” لسحب بساط القضية الاجتماعية من تحت أقدام الزعيم المصري، ولدفع السوفييت إلى إقامة علاقات “مبدئية وثورية” مع دمشق تختلف عن علاقاتهم مع القاهرة: المحكومة بالمصالح. بعد استخدام “الاشتراكية” لترسيخ فصل سوريا عن مصر، وطي صفحة إعادة الوحدة معها، صار من الضروري توجيه سلاح “الاشتراكية” ضد قيادتها، المتهمة بالوسطية والتعلق بالنزعة التجريبية، ولم تحسم أمورها اشتراكياً، وتبدي تحفظات صريحة على التجربة السوفييتية، يخلو موقف نظام دمشق منها .
ـ وثانيهما استخدام الورقة الفلسطينية وإدخال إسرائيل إلى صراع “اللجنة” مع القاهرة. حدث ذلك بدءاً من عام ١٩٦٤، وتكثف بصورة خاصة عام ١٩٦٥، عندما تقرر السماح لـ”حركة فتح” بالعمل انطلاقاً من الأراضي السورية، على النقيض من عبد الناصر، الذي كان يتخذ موقفاً بارداً من الصراع ضد اسرائيل، ويلتزم بالابتعاد عن خوض مواجهة عسكرية معها، ويعمل للملمة أوضاع مصر والعرب، بعد انهيار تجربة الوحدة وما أحدثه من تحول انحداري في أوضاع ومواقف الدول العربية.
ـ بدل التفاهم على موقف يدرس الأوضاع العربية عموماً، ومستجدات الوضع المصري/ السوري خصوصاً، ويأخذ في حسبانه بلورة رد مشترك على النتائج المباشرة، والبعيدة المدى، التي يمكن أن تترتب على خلافاتهما بالنسبة للمعسكر القومي والعربي العام، أخذت “اللجنة” تعد العدة لاستخدام الورقة الفلسطينية في صراعها ضد مصر، فكان قرارها تحولاً استراتيجياً من الابتعاد عن مصر إلى الانخراط في صراع متنوع ومديد معها، بقدرات إسرائيل أيضاً، التي كانت ترى في انهيار الوحدة فرصة ذهبية تتيح لها توتير وتطوير صراعها مع القاهرة، ونقلها إلى طور جديد، بينما كانت واشنطن تراقب المشهد عن كثب، وتعتبره بدورها سانحة فريدة للانقضاض على العرب عموماً، ومصر خصوصاً .
ـ لم تتراجع تناقضات “الصف” البعثي وصراعاته، بل كانت تتجه نحو مزيد من الاحتدام، وتأخذ صورة مؤتمرات حزبية يتناحر الرفاق القوميون والقطريون خلالها، ويتبادلون تسريح واعتقال بعضهم البعض، بينما تسعى كل من القيادتين “القومية” و”القطرية”، إلى تحقيق غلبة حاسمة على غريمتها، حتى ليصعب تصديق أن ما كان يجري دار بين رفاق حزب وعقيدة واحدة، وينتمون إلى جهة تتعهد بتوحيد الأمة العربية، لكنهم يرفضون بعنف وإصرار تطبيع علاقاتهما، التي لم تنضبط بأي معيار أخلاقي أو رفاقي أو وطني أو إنساني . قال الدكتور سامي الجندي، أحد شهود تلك الحقبة وتحولاتها ملخصا تجربته في كتاب “البعث”: بدأ البعث الإنسان العربي وتقديسه…ثم أصبح البعث بلا بعث والبعث بلا بعثيين، يتسابقون إلى القتل والظلم والركوع أمام مهماز الجزمة”(132). أخيراً، وبعد أن بطش أنصار القيادتين ببعضهما، واستخدموا جميع ما في جعبتهم من عنف وغدر واتهامات بالطائفية والخيانة، وجهها أمين الحافظ باسم التيار القومي إلى صلاح جديد وتياره، وهذا إلى أمين الحافظ وجماعته، وتخللها تبادل احتلال الألوية المدرعة في حمص ودمشق، وصولاً إلى شن هجوم يوم ٢٣ شباط عام ١٩٦٦ على منزل اللواء أمين الحافظ، رئيس الدولة والقائد العام للجيش والقوات المسلحة، بقوة من لواء الكسوة المدرع، وكتيبة مغاوير قادها الرائد سليم حاطوم، انتهى بإرساله إلى سجن المزة مع من انتموا الى تياره أو تعاونوا معه من عسكريين ومدنيين، بينما “اختبأ مؤسس الحزب الاستاذ عفلق طيلة شهرين عند أصدقاء، ثم غادر إلى منطقة الساحل السوري فلبنان فالبرازيل، حيث يعيش أحد اخواله”(133)، حسب رواية ابنته السيدة رزان . من جانبه، أعلن صلاح البيطار انسحابه من الحزب وبراءته منه في بيان أصدره من بيروت، وقعه إلى جانبه منصور الاطرش، ابن قائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الاطرش. في ما بعد، تفاقم الصراع السوري/العراقي، وصدر عام ١٩٧١ في دمشق حكم بإعدام ميشيل عفلق، واغتيل مؤسس البعث الثاني: صلاح الدين البيطار عام١٩٨٠بكاتم صوت في مكتبه بباريس! .
ـ بالتأميمات و”الاشتراكية” في يد، وتحرير فلسطين والحرب ضد إسرائيل في يد، وبالقيادة السريةـ حسب وصف محمد عمران ـ التي لم تعرف خلفياتها ومقاصدها، وقصرت دورها منذ مؤتمر القمة في القاهرة عام ١٩٦٤على القضية الفلسطينية كأداة صراع في الساحة العربية، وخاصة ضد عبد الناصر، توافق تيــارا البعث لبعض الوقت على أن إسقاطه وتحرير فلسطين هما شرط عودة الوحدة، ونجاحها .
ـ بذلك، حدث لأول مرة بعد استقلال الدول العربية، انقسام شامل في “المعسكر القومي/ التقدمي”، أنتج خلافات وتناقضات غطت جميع مسائل السياسات وقضايا المجتمعات العربية وحولها إلى مسائل وقضايا خلافية، صعّدها إلى أن غدت صراعية، وأتاحت تدخل الدولتين الكبيرتين في العالم العربي، بينما فشلت الجهود، التي بذلت لتهدئة تجاذبات نظمه، وطال الفشل في ما طاله جهود رئيس الوزراء السوفياتي الكسي كوسيجين (١٩٠٤ـ١٩٨٠) الذي زار القاهرة في شهر أيار من عام ١٩٦٦، بعد نيف وشهرين من انقلاب ٢٣ شباط في دمشق، وانفراد “اللجنة” ونواتها الصلبة بالحكم في دمشق،” طالباً من عبد الناصر أن يكون ظهيراً لنظام دمشق، ويلطف غلوه ويضبط أفعاله”(134). يقول كمال خلف الطويل إن مصر استجابت للطلب، وعقدت في٤/١١/١٩٦٦ “اتفاقية دفاع مشترك” مع دمشق، اعتبرت “كل اعتداء مسلح يقع على أي من الدولتين أو على قواتها عدوانا على الأخرى، لذلك فانهما تلتزمان، عملاً بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن كيانيهما، بأن تبادر كل منهما إلى معونة الدولة المعتدى عليها، وبأن تتخذ على الفور جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديهما من وسائل لرد الاعتداء، بما في ذلك استخدام القوات المسلحة… وتتشاور الدولتان بناء علي طلب إحداهما في الحالات الدولية الهامة التي تؤثر على سلامة اي منهما أو استقلالها، في حال كان هناك خطر حرب داهم أو قيام حالة مفاجئة يخشى خطرها، تبادر الدولتان علي الفور باتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف… كما تم إنشاء مجلس دفاع وقيادة مشتركة من رؤساء الأركان وهيئة أركان مشتركة”(135).
ـ هذه الاتفاقية لم تضبط أفعال نظام دمشق، بل حققت العكس، وعززت ميل “اللجنة” إلى التشدد، وشجعتها على توسيع أعمالها العسكرية والسياسية، بدل أن تقلصها، واستخدمت الغطاء القومي الذي قدمته لها لتنفيذ قرارها بإدخال اسرائيل إلى الساحة القومية كقوة معادية تقليدياً للقاهرة ولدورها العربي . وبدل التهدئة صعدت اشتباكاتها مع إسرائيل، لثقتها بأن مصر ستنجر إلى الاتجاه الذي أرادت دفع الأمور إليه .
ـ لا داعي للقول إن التطور ذهب إلى المآل، الذي كان هدف “اللجنة”، لذلك، لم يتم تطبيق أي بند من بنود الاتفاقية، قبل حرب حزيران أو خلالها، فلا تنسيق ولا تشاور ولا تهدئة ولا تخلٍ عن نهج التصعيد، بل استغلال الاتفاقية للتغطية على العداء المستحكم تجاه مصر، والإفادة من ورقتها بالطريقة التي أرادتهــا .
___________
هوامش:
(118). كمال خلف الطويل: اللجنة العسكرية للبعث السوري ، موقع المعرفة، ٦/٥/٢٠٠٥.
(119). المرجع السابق .
(120). كمال خلف الطويل، المرجع السابق .
(121). كمال خلف الطويل: مرجع سابق .
(122). من حديث حنا بطاطو مع العقيد عبد الحميد السراج في القاهرة، خلال شهر نيسان من عام ١٩٨٠، صفحة ٣٠٥ من كتابه عن “فلاحي سوريا”، مصدر سابق .
(123). كمال خلف الطويل، مرجع سابق .
(124). كمال خلف الطويل: مرجع سابق .
(125). آلاء عوض: حمود الشوفي… نزيه لم تغّره المناصب، شبكة جيرون الإعلامية، ٨/١/٢٠١٧.
(126). كمال خلف الطويل، الجزء الثالث، مرجع سابق .
(127). سامي الجندي، مرجع سابق، الصفحة ١٥١ .
(128). كمال خلف الطويل: مرجع سابق .
(129). كمال خلف الطويل ، مرجع سابق .
(130). هذه المعلومات مستمدة ايضا من مقالة كمال خلف الطويل حول اللجنة العسكرية ، التي يورد فيها تفاصيل كثيرة يضيق المجال عن ذكرها ، اوصي من يريد الاطلاع على وقائع تلك الحقبة الانعطافية بقراءتها.
(131). مرجع سابق ، الصفحة ١٥٢.
(132). سامي الجندي، مرجع سابق ، الصفحة ١٦٢.
(133). غسان شربل : عودة إلى قصة القائد المؤسس … الحياة ٥/٧/٢٠٠٨.
(134). كمال خلف الطويل، مرجع سابق .
(135). مؤسسة الدراسات الفلسطينية، المجلد الثاني، بيروت، ١٩٦٦، الصحة ٥٠٧/٥٠٨.
(136). ميشيل عفلق: القومية العربية والنظرية القومية، في سبيل البعث، الجزء الأول، الصفحة ١٨٨.
(137). كمال خلف الطويل، مرجع سابق .
(138). كمال خلف الطويل: مرجع سابق .
(139). آلاء عوض: حمود الشوفي… نزيه لم تغّره المناصب، شبكة جيرون الإعلامية، ٨/١/٢٠١٧.
(140). المرجع نفسه ، الجزء الأول، ١٣٩.
(141). كمال خلف الطويل، مرجع سابق .
(142). كمال خلف الطويل: مرجع سابق .
(143). آلاء عوض: حمود الشوفي… نزيه لم تغّره المناصب، شبكة جيرون الإعلامية، ٨/١/٢٠١٧.
(144). المرجع نفسه ، الجزء الأول، ١٣٩.
(145). ميشيل عفلق: القومية العربية والنظرية القومية، في سبيل البعث، الجزء الأول، الصفحة ١٨٨.
………………..
يتبع.. الحلقة الحادية عشرة: تطورات سبقت الحرب وهي الأولى من الجزء الثاني
«ميشيل كيلو»: كاتب وباحث ومحلل سياسي سوري
التعليقات مغلقة.