الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الــتــقــريـــر الــعـــام للاتحاد الاشتراكي العربي لعام /1968/ القسم الثالث

الاتحاد الاشتراكي العربي

     الاقليم السوري

                                    المؤتمــر العــام الرابـــع 1968

                                            التــقريــر العـــام

                                    الـقــســم الـثــالـــــــــــــــــــث

                                         (  3 )

          لقد كان أمام المؤتمر مهمات أساسية يؤكد بها بداية انطلاقة جديدة، مُثبتاً أنه أصبح قادراً على الانطلاق من ذاته وعلى التصـرف بوحيٍ مـن تجربته ونضاله.. لقد كان علينا أن نعيـد النظر في نظامنـا الداخلي على ضـوء التجربة التنظيمية التي مر بها الاتحاد، ولقـد حـددنا بــعض الأسس التي تقوم عليها إعادة النظر هذه، علماً بان نقائصنا التنظيمية لم تكن من أحكـام نظامنـا السـابـق، بـل كـانت من عــدم تطبيقـه أو من سـوء تطبيقـه.. وعلينــــا قبـل ذلك، أن نعيـــد النظــر في منهــاجنــا المرحلي، توفيقـاً بين أهـداف نضالنا ومنطلقات فكـرنا وعقيدتنـا من جهة، وبين الظروف الراهنة التي يمـر بهـا النضال العربي والحـركـة الثوريـة العربيـة.. علينا أن نـرسم اسـتراتيجية عامـة، أي خطـة عمل بعيـدة المــدى، وعلى ضوء تلك الاستراتيجية تتحــدد مواقفنـا السياسـية وأعمالنــا النضاليــة.

  وإعادة النظر هذه توجب تلك الوقفة الناقدة أمام التجربة الماضية التي مـر بهـا الاتحــاد.
وأول سـؤال يطرحـه هذا النقـد هــو مـا هي مهمتنــا ؟؟
ومـا هي المهمـة التي تقـدّمَ الاتحـاد لحــمل أعبائهــا ولأدائهــا ؟؟
فبالقياس إلى هذه المهمة يكون الحساب على مدى أدائنـا لهــا والوفــاء لمتطلباتهـا، ويكون أيضاً التقديــر لما يجـب أن نكــون ولمـا يجـب أن نعملـه لنكـون جديريــن بهــذه المهمـــة.

  (1) – أراد الاتحاد أن يكون المنظمة الثورية الطلائعية التي تقود نضال الجماهير الوحدوية كلها في سورية، وأراد في الوقت ذاته أن يضم في إطاره وأن ينصهر في تنظيمه جميع القوى والمنظمات الناصريـة التي تقول بعودة الوحـدة وراء قيـادة عبد الناصـر.

  (2) – وضع الاتحاد منهاجه المرحلي على أساس هـدف اسـتراتيجي محدد، هو اسقاط الانفصال البعثي وإعادة الوحدة مع المتحدة. وهو في الوقت ذاته قد قرر أن لا يكون طريقه إلى إسقاط الانفصـال وإعادة الوحـدة وإلى تحقيـق أهدافه الكـبرى التي هي أهداف الحركة الجماهيرية الثورية العربيـة فــي الحرية والاشتراكية والوحدة، طريق الانقلابات العسكريـة والمغـامـرات، فهـي ليسـت بالطـرق التي فشـلت فحسب، بـل وهي ليست بالطريق الثورية، فالاتحاد يعتمد طريق النضال الشعبي والثـورة الجمـاهـيريـة الشامـلــة.

  (3) – والاتحـاد الاشـتراكي العربي في هذا الإقليم، نواة للحزب الثوري العربي الواحد الذي يكون إطار عمله ونضاله الوطن العربي كله، والذي يهدف إلى بناء دولة عربية اشتراكية موحدة ومتقدمة. وقام الاتحاد الاشتراكي وهـو يحمل هـذا الاسم، وبحسبانه أنه يتحول إلى فرع من تنظيم واسع، وأن اتحادات اشتراكية مماثلة ستقوم في عدد من الأقطار العربية، تقوم قاعدتها الجماهيرية على تحالف قوى الشـعب العامل، وتكـون لهـا طـلائعهـا الثـوريــة المنظمـة وقيادتهــا الموحــدة التي تلتف حـول قيـادة عبد الناصــر.

  (4) – والاتحاد لا يقصر جهده ولا استراتيجيته بعملية اسقاط الانفصال وإعادة الوحدة، بـل يريد أن يكون الجهاز السياسي الشعبي الذي يبني دولة الوحدة ويحميها، وأن يبنيها على أسس و قواعد ثابتة، وفي هـذا السـبيل لا بـد وأن يكــون لـه منهاجــه الصريـح الواضـح، حول التطبيق الاشتراكي وحول ديمقراطيـة التنظيم الشعبي وأجهزة الدولة، وحول التوجيه الفكري والعقائدي، ولا بـد أن يكون جهازه القيـادي مهيــأ لحمــل هــذه الأعبـــاء.

          مـن هذه الأهداف الكبرى ومن تلك الآمال العريضة أخذ اتحادنا منطلقاته، واليوم وبعد التجربة التي مر بها الاتحاد وبعد الشـوط الـذي قطعـه، نلمس أن بعضـاً مـن هـذه المنطلقـات تحمـل تناقضـاً في ذاتهـا أو أنهـا بالأحـرى لم تثّبت على أرض الواقـع ولم تتلاءم مع تطور الظروف، ولو أن المنطلقات والأهداف الأساسية تظل صحيحة وثابتة، إذ هي أهداف صنعتها وتصنعها حركة الجماهير التاريخيــة الصـاعــدة.. فالإطـار الذي وضع الاتحاد الاشتراكي نفسه في البداية، هل كان إطار صحيحـاً وسـليمـاً؟ وفكـرة البـدء من الدمـج والاندمـاج بين قـوى مهمـا تكن قـرابـة تطلعاتهـا، كانت تخـتلف في مفاهيــم كثيـرة، بـل وفي طبيعـة تكوينهـا، هـل كـان من الممكــن أن تنجــح؟؟

  لقــد وضـع الاتحـاد العربـة أمـام الحصـان، ووضـع وحدة العمل الناصري إطاراً من غير أن يستكمل أسـباب هــذه الوحـدة أولاً، واليوم نـرى أن العمـل الجبهوي كــان أسـلم وأجــدى.. وسـنعود لهـذا عنـد البحـث في العمــل الجــبهـوي.

         والارتبــاط بالمتحــدة هــل كـان ارتبـاطــاً؟
والعمـل للوحـدة، هـل كــان يسـير في طـريق الوحــدة؟
وتقســيم المجتمـع الســوري على أسـاس واقعــة 28 أيلول الإجـراميـة إلى وحدوي وانفصالي، هـل عاد اليوم مـن الممكن أن يكون قاعدة العمل وأساس تقييم القوى والمواقف؟

  وهذه أيضاً لا بد من العودة إليها عند البحث في طريقنا إلى الوحدة، بعد أن قدمنا شعاراً، تقدمه القيادة الثورية للمتحــدة منـذ عـدة سـنوات من غـير أن نسـتوعبه كل الاسـتيعاب، إلا في مرحلة متأخرة وهـو شــعار الوحــدة الوطنيـــة أولاً.

  وهـناك تلك الأهداف الكــبرى التي نعلنهـا ونتمسك بهـا، ولكــن أين نحـن مـن تحقيـق هذه الأهداف، ومـا هـو المقياس الزمني لتحقيـق أهدافنـــا؟

  نستطيع أن نجـد الكثير من التبريرات لنفسر قصورنا وتقصيرنا، ويمكننا التعلل بأن أية منظمة ثورية لا بد لهــا من فسـحـة طــويـلة من الـزمن لتبني نفسهـا ولتجمـع مناضليهـا ولــتربي كوادرهـا القياديـة.

  ولكــن الواقــع أيضــاً أن الاتحــاد لم يبـدأ من الصفر، بـل أقام نشأتـه فوق تربة مهيـأة، وعلى قاعـدة جماهــيريـة واسـعة ومسـتعدة للنضــال، ولمهمــات مسـتعجلــة، فمـن أيـن التقصـير وأيـن هي نقـــاط القصــور والعجـــز؟

  ثم أن للزمن قيمة أسـاسية أيضاً، ولا بد للحركة الثورية أن تحسب حسـابه، وإلا تجاوزها الـزمن وتجـاوزتهـا أحـداث التاريخ وخلفتهـا وراءهــا، بـل وألغــت مبــرر وجودهــا.

  وظــروف الوطن العــربي متحركة، وكذلك العــالـم يتحـرك بسرعــة، والحاجـات ملحــة ومستعجلة والتاريـخ يمضي في طريقه قدماً ولا ينتظرنا، والجماهير كما سبق وقلنا، تدعس على أعقاب أقدامنا، وإن لـم نُثبت أننـا مؤهلون لتقدمها وقيادتهـا، تخلت عنـا وتجاوزتنـا.

  لقد جاء حادث ضـخم، محنة كبرى، هي الحـرب.. والحـرب تبــدل مصـائـر الشـعوب وتهــز المجتمعـات من أعماقها، وتُسـقط مـا هو ضعيف ورخو، بل وتُسـقط الأقوياء أحياناً، ولقـد وضعتنا هــذه الحـرب ووضعت الأمـة العربيـة كلهـا أمـام الامتحـــان.

  إن المعركة الخاسرة مع إسرائيل المعززة بالإمبريالية العالمية، وأن النكسة التي ضربت الحركة الثورية العربية، تلزم بنقدٍ عميق ومراجعة جذرية للحركة الثورية العربية. وإن أية محاسبة لأنفسنا أو نقد، وأية مراجعة لمنهاجنا المرحلي ولخطط عملنا، ولمواقفنـا السياسية والنضالية، لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار وقبل كل شيء، ما كـشفته ظروف الحرب والنكسة وما تضعـه أمامنـا اليـوم هـذه الظــروف ذاتهـا من مهمــات، فنحـن مــا زلنــا نعيش حالـة الحـرب، والعـدو يحتـل أرضنــا ويتحــدى إرادة المـائــة مليــون ووجـودهــــم.

  إن أيـة مناقشة اليـوم، وأن أي تخطيط أو عمل، لا بـد أن يبدأ من تلك النكسة، لا بـد ان يأخـذ الدروس والعظـات من مدرسـة الواقـع، وهـذه وقائـع ضخمـة وكاشفـة وخطـيرة، لـم تمــر أمتنــا بأخطـر منها منــذ عشـرات السنيـــن.

  والبـدء مـن النكسـة لا يعني إغفال ما قبلهـا، فهي لم تسمى نكسـة إلا لأنهـا أصابت نقاط ضعـفٍ فأحدثت ’’شرخـاً‘‘ وهـي لـم تـأتِ إلا نتيجـة لنقائـص وثغــرات كـانت قـائمـة من قبـل في نظـمنـا ومنظماتنـا.. وجعل النكسـة وظروف الحـرب، بداية جديدة في تحديد المهمات والأعمال لا يعني تغـيير الأهـداف، فالعـدوان لم يـأتِ إلا ليعـترض سبيل تلك الأهـداف، أهـدافنـا في التحـرر الكـلي، أهـدافنــا في الاشـتراكية العلمية، وهـدفنا الاساسي الكبير في تحقيـق وحدتنـا القومية وبناء دولتنا العربية الاشتراكية الديمقراطية الموحـدة.. هـذه أهـداف صنعتها جماهـير شعبنا العربي ثمـرة لكـفــاح عشـرات السنيــن.

  إن تصـدي الامبرياليـة العالمية لحـركة الجماهير العربية نحو تحقيق هذه الأهداف، وإن تصدي الدولة الامبريالية الكبرى، دولة الولايات المتحدة الأمريكية، ومقاومتها الشرسة الباغية لأهدافنا التحررية، كما تقاوم أية نزعـة تحررية في العالم وأسلحتهـا التآمـر والعدوان والتدمـير والحـرب، الحرب بالسلاح والحرب الاقتصادية، وإن دعمهـا للعدوان الصهيوني بكل قواهـا، هـذا العدوان الذي جـاء يستبق مسيرتنا ليقطـع الطريـق على أهدافنـا، كل ذلك دلالـة كـبرى على صحـة تلك الأهـداف وعلى قوتهـــا.

  ثم إن وضـع النكسـة وعواملهـا، وتقـديـم البحث فيهـا على كل شيء آخـر، لا يعني أن كل شيء يبدأ منهـا، ولكنهـا كانت المحـك والكـاشف، وهـي تضعنـا في ذروة الخطـر، وتضعنا في سباق مع الزمن الذي لا يمهـل والذي تماهلنــا فيه، وهي تطـالب بالإجراءات السريعة والمواقف الحاسمة القاطعة، فما جـــاز قبلهــا لا يجــوز بعدهــــا.

  وإن استيعــاب ظروف النكسة وعواملهـا وكشـف الثغـرات التي نفـذت منهـا واستيعـاب مسؤوليتنـا ومسؤوليـة جميـع المنظمات التقدمية العربية عنهـا ومسؤوليـة الأنظمة ’’ الثورية والتحررية ‘‘ بل ومسـؤولية القيادة الثـوريـة ذاتهـا، أمـرٌ أسـاسي ولا بـد منــه.

    قبل العــدوان بعـدة سنوات كنا نشعـر جميعـاً بالظروف الخطيــرة التي تحيـط بحركـة التقـدم العـربي وحـركة الثورة العربية، كنا نشعر بالتـآمر الاستعماري الصهيوني الرجعي الكبير الذي يتهدد تقدم أمتنا، ومسـيرة جماهيرنا الاشتراكية الثوريـة الوحـدويـة.. بـل وكنا ندرك جميعاً، أين يكمن الخطر ومن أين ستــأتي الضربـة، ومـا هي القـوى التي تحركهــا، فالعــدوان لـم يـأتِ بغتــة ولا مفـاجــــأة.

    لـربما كانت هناك مفاجـأة بما تكشف عنه العدوان الإسرائيلي من خبـث ومن قـوة ومن عتـاد ومن إحكـام في الضربة، فقـوة الامبرياليـة العالميـة وعقولهـا وخبراتهـا كانت تعـززه وتدعمـه.. ولكن تلك المفاجــأة كـانت أقل بكثـير من المفاجـأة التي تكشف عنهـا ضعفنا، تكشف عنها تفــرق المـواقف العـربية وعـدم وحدتهـا، تكشف عنها ضعف مستـوى قيادات الجيوش العربية ونقائصهـا، بـل وتخـاذل بعضها وهزيمتهـا.. والقيادات السـياسية وقـع أكثرها في العجـز وطاش صوابها، ولم تستطع أن تمسك بزمام الأمور ولا تسـتوعب أبعـاد العـدوان ولا الظـروف الدوليـة المحيطـة بـــه.

  وعشنــا بحالة ذهول هنـا في سوريـة، عندمـا ضرب العـدوان ضربتـه ورأينـا القوى تنهـار بسرعــة والهــزائم تتـوالى، وكنـا في الوقت ذاتـه نعيش إحساسـاً بالعجز مضنياً وقاتلاً، ووقفنا جميعاً لا ندري مـاذا نعمل.. لقـد كان موقـف السلطـة وقيـادات البعث الحـاكـم مُـخزيـاً ومُـدانـاً.. ورأينـا منــاط الأمـل العـــربي، قــوة المتحـدة تنهـار تحت ضـربات الغــدر، ورأينـا جبهـة الأردن تسقــط من غــير مقـاومـة كبـيرة وجدية، ورأينا جبهة سورية الحصينة تسقـط كألعـوبة وبغـير قتـال، بـل وبمـا يشـبه التواطـؤ.. وكـانت الجماهـير هنـا في سورية تتمـزق غيظـاً وحنقـاً، ولا تعرف إلى أين تتحرك ولا مـاذا تعمل.

     في مثـل تلك الظـروف كـان لا بـد أن يسـودنا الشـعور بضآلـة ما عملنـا، وبضـعف قوتنــا وبأننــا في تنظيمنـا وفي خطـوات سـيرنا وجهـودنا، متخـلفون كثــيراً عن الحـاجـات والضـرورات.

    لقـد وقف جـناح اليمين الـذي عُـزل مؤخـراً عـن الاتحـاد؛ وقـف بعـد العـدوان وبعـد خلافنــا معــه، ليُحـملنا مسؤولية عجـز الاتحـاد عن التحـرك وعن مواجهـة ظروف العـدوان… بل وصاغ ذلك الجناح التُهـم وأنزلهـا في نشـرات واتخذ من عدم إرسال قيادة الاتحاد برقية تأييد لعبد الناصر ومن عدم رفعه مذكــرة للحكم البعثي، وثائـق اتهـامـه لنــا باللا نـاصـريـة وبالتـآمـر على الاتحـاد… فلـيعيشـوا هــم على البرقيـات وعلى التـردد على السفـارات، وعـلى اجتــرار الكــلام، فالناصرية كما أجبنـا على دعـاواهم البـاطـلـة، ليسـت بـرقيـات وكــلام، بـل هـي نهـجٌ في التفكـير وطـريقٌ في العمـل وخلّـقٌ في النضـال، ومـا أبعدهـم عن هـذا كله.. لقد سألنـاهم ماذا قدمـوا للعمل الوحـدوي الناصري غير التفاهة والعقم.. إن هـؤلاء وأمثـالهـم من الفئات والعقليات المتخلفة والمتواكلة التي تسلقت على العمل الثوري العربي، أو عشـشت في قيـادات منظمـاتـه وأجهـزتـه، كانت عامـلاً كبيراً من عوامل تعطيل مسيرة الحركة الثورية العربيـة.. ومقابلهـا يأتي العمـل التخريبي الآخـر للثـورة، عمل عقليـة الحكـام البعثييـن وأضـرابهـم من حـاملي لواء المـزايدة بالثورية، والذين لم يحملوا أيضاً إلا العُـقم والهزيمة وقتل معنويات هذا الشعب.

    ولسـنا هنا في معـرض مناقشـة حكـم البعث ومحاسبتـه، فرأينـا في هذه الحـركـة وموقفنـا من هـذا الحكـم أصبــح واضحـاً ومعروفـاً، وكـذلك رأيُـنـا فـي مواقفـه قبل الحرب وأيامهـا وبعـدهـا، وكـذلك رأيُـنـا في دوره في تعطيل الحركة الثورية الجماهيرية وضرب وحدتها الوطنية في الداخل، ودوره في إيـذاء الحركة الثورية العربية الناصرية ومعارضته بحـركـة ثوريـة مصطنعـة وكاذبـة لا تحمـل أي رصـيد مـن الصـدق أو مـن ثقــة الجمــاهـير بهـــا.. وإنمـا ننـاقـش أنفسنـا ونحـاسب حركتنـا.. ننـاقـش الحـركة الناصـرية، أي الحركة الثوريـة العربيـة الملتفـة حـول قيــادة عبد الناصـر داخل المتحدة وعلى مــدى الوطن العربي، تلك التي ضربتهـا النكسـة الكـبرى، كمـا أصابتها من قبل عثرات ونكسات.. إنها الحركة التي صـعدت، والقيـادة التي تقدمـت على جميـع القـوى والقيادات العـربية الأخرى، ووضعت فيهـا الجمـاهـير العربية أملهــا، وأعطتهـا أكـبر رصيد من ثقتهـا ودعمهـا.. وهي اليـوم مطـالبـة أمـام الجمـاهــير، أن تواجـه ظــروف النكسـة بقــوة وصـراحــة، وأن تتحمـل مسؤوليـاتهــا تجـاههــا، وأن تـــدل إلى طـــريق الخـــلاص.

       لقد أصـدر الاتحـاد عـدة دراسـات ونشـرات عن النكسة ودروسها وعواملها وطرق مواجهتها، ونرجـو أن تكـون حاضرة في الأذهـان ونحـن نتابــع البحـث والنقـاش هنـا، لكي لا نحتــاج لإعـادة وتكــرار ما جــاء فيهــا مـن رأي ومـن نقــد ومــن مواقــف.

  والسـؤال هنـا، هـل كـل ما كتبنـاه وما نشـرناه كافيــاً ومتعمقــاً إلى الحـد الـذي نؤكــده الآن؟

  الواقــع أننا في جميع ما كتبنا ومـا قلنـا، لم نقف بعـد الوقفـة الناقـدة والنافـذة إلى جميع أبعـاد أزمتنـا، أزمـة الحركـة الثوريـة العربية.. وما قلنـاه ليس إلا جـزءاً من الحقيقـة، وليس كافيـاً لتوعيـة جماهـيرنا وتثقيفهـا وتزويدهـا بالرؤيـة الواضحـة.. وما فعلنـاه هنا أقل بكثـير مما قلنـاه، وهو لا يكـفي في شيء لأن تثـق الجماهير في قدرتنا على قيادتها نحـو أهدافها، أو بقدرتنا على وضع شعاراتنا وأفكارنا موضع الفعل والتطبيق.. لقد طرحنا مثـلاً شعـار الوحدة الوطنية قبل شهور عديدة من العدوان، فالأخطار كانت ماثـلـة وكان لا بد من طريقـة لمواجهتهـا، ولكننـا لم نستطـع أن نسير خطوة نحو تلك الوحدة الوطنية.. صحيـح أن الحكم البعثي يعترض بشراسته وإرهابه طريقها، ولكننا لم نقو، لا نحن ولا سوانا على أن نفعل شيئاً في هذا السبيل.. وبعد العدوان أخذنا ننادي بالجبهة الوطنية، جبهة القوى والمنظمات الثورية والتقدميـة والوطنيـة، ومـازال شعـاراً معلقــاً في الفـــراغ.

       نحن هنا في الاقليم السوري، كحزب اشتراكي وحدوي، يعتبر نفسه جزءاً من حركة ثورية عربية جماهيرية واسعة في الوطن العربي- ولـو أنها لم تنظم بعـد كحركة منظمة وموحـدة- نريد من نقدنا ومحاسبتنا لأنفسنا وللآخرين، أن نصل إلى تحديد موقعنا في هذه الحركة وأثرُنا فيها، وما نريده لهذه الحركة وما نـريده منهـا.

  ولــرُب سائل يـرُد هنا، كيف نحصر المسؤولية والحساب بالحركة الثورية، ونترك الرجعية جانباً وما قامت به من أدوار تآمـرية وتخـريبية، وكيف نترك البعـث أيضاً وما لعبه من أدوار، وكيف نترك القــوى الأخرى التي ترفـع شعـارات التقدميـة والثوريــة…؟

  إن قائــد هـذه الحـركـة الثورية، عبد الناصـر، في مواقفـه التاريخيـة وكلماتـه قـد كـفـانا مؤونـة ذلك.. ولقـد حاسب نفسـه والنظـام الذي يقوم عليـه أقسـى حسـاب، لقد وجه أقسى النقد الذاتي، وكشف الثغرات التي دخلت منها النكسة، ولقـد أسقط دولة الأجهزة والمخابرات ونادى بقيام دولة الشعب، الشعب الذي هب في وجه النكسة يومي 9 و 10 حزيران، ولقد دلنا عبد الناصر على طريق الصمود وعلى طريق الكـفـاح؛ والعـدوان لم يحقـق غرضـه الأسـاسي في اسـقاط قيادتنـا الثورية ولم يقتل إرادة الصمود لدى الحركة الثورية العربية وإرادة المقـاومة والقتـال.. ومـع هـذا كله، فإننا نرى أن أزمتنـا، أن نكستنا لـم تعالـج بعـد المعالجة الصـائبـة في كليتهـا وفي جميـع أبعادهـا.. إن هنـاك عمـل جدي من القيـادة الثورية لمعالجتهـا في إطـارها القطري، لقـد جـددت وعـززت قوتها ومنعتهـا من الوجهـة العسكرية، وأنعشت آمـال الجمـاهير وبعـثت إرادة الصـمود والقتال عنـدها، ولكـن مشـكـلة الجمـاهير وطـريقـة تعبئتهـا وتنظيمهـا وطـريقـة الديمقراطيـة الشعبية وفـرض إرادة الجمــاهير واشـرافهـا على أجهزة السلطة التي تكشفـت نقائصـها، كــل ذلك لـم يُسـتكمـل بعــد، بـل ولــم تُـقـلّ الكــلمـة الكـافيــــة فيــــه.

  ثم إن الرجعيـة ونظمهـا مُـدانة في نظر الجماهير.. لقد أدانتها الجماهير وتجاوزت بفكرها وتطلعاتها نظمهـا منذ نكسة 1948 وقيـام اسرائيل.. والرجعيـة في معركتنا الأخيرة مع اسرائيل ما كانت تُحسب كـرصيد ولو جـزئي أو خلفي للمواجهـة العربية، بل كانت تُحسب كرصيد للعـدو وكمطيـة للاسـتعمار.

  أما البعـث الذي يحكم اليوم سورية ويتحكم فيها، وأما ’’البعـــوث‘‘ التي حكمت وتحكمت من قبله في سورية والعـراق، وأما الأنظمة التي تقوم على شعارات التقدمية والثورية والاشتراكية في الوطن العربي، مـن الجـزائـر إلى العـراق، فهـي متخلفـة كلهـا عن نظام المتحـدة، وهي تقع كلهـا وراء قيـادة عبد الناصـر لا أمـامهـا ولا جنبهـا، أياً كانت الأقــوال والادعـاءات، بـل إن هـذه الأنظمـة والقــوى، قـد قامـت وعاشـت تحـت مظـلة الناصــرية والحكـم الثوري في المتحــدة.. حتى التي عارضـت الحكـم الناصـري وعادتـه، ظلت بشكلٍ أو بآخــر، تحــتل مواقعهـا تحـت حمايتـه، منـذ أن وضـع عبد الناصـر نفسـه في المقدمـة للتصـدي لمواجهـة هجمـات الاسـتعمـار والصـهيونيـة والرجعيـة، ولـدعـم النضــال العــربي التحــرري في كــل مكــان.

  ولولا وجـود المتحـدة وقوتهـا، ولولا قيادتهـا الثوريـة، لما استطـاعت أن تقوم حركـة 14 تمـوز في العراق وأن تحكـم، ولا أن تقـوم حركة 8 شبـاط من بعد انتكـاسة 14 تمـوز وأن تحكم أيضاً، ولا أن تقــوم 8 آذار في سورية، ولا أن يقـوم هذا النظام الجمهوري في اليمـن ولا أن تقـوم هذه الجمهورية الشعبية لليمن الجـنوبي، بـل ولا أنظمــة الثـورة في الجزائـر.

  ولكن هذه المواقع المتعددة التي أخذتها تلك الأنظمة العربية التقدمية، والمنظمات المختلفة التي تنطلق منها وتسير عليها، هـذه الثـورات وأشبـاه الثـورات التي تأخذ مواقع متباعدة عن بعضها، بل ومتنافرة أحياناً ومتضاربة، لماذا مشت هكـذا ولمـاذا لم تتحقق الثورة العربية الواحـدة ولمـاذا لم تتوحـد الحركة الثوريـة الجماهيريـة العربيـة وهي التي تسعى وتنـاضـل في سبيـل أهـداف واحـــدة؟؟؟

  ثـم لمـاذا تعجـز القواعـد الجماهيرية الوحدوية الواسعة، في هـذه الأقطار جميعاً، هـذه القواعد المتطلعة للحرية والاشتراكية والوحدة ولقيادة عبد الناصـر، ثم لماذا عجزت خارج المتحدة وتعجز، عن أن تقـوم بثورتهـا وعن أن تحقق وحدتهـا ووحدة منظمتها، بل ولماذا تفشل محاولاتها وتبقى دائماً حائرة متـرددة وتتلـقى الضـربـات وتتـراجــع وتتمـــزق؟؟

  تلك أسـئلة تجـد جوابهـا، ليس فقط في المقـاومات الكثـيرة والعقبـات الكبيرة التي تعترض طريق هذه الحركة الثورية، وليس فقط في شدة أعدائها وقوتهم، ورأس هؤلاء الأعداء الامبريالية العالمية، وإنما تجـد جوابهـا أيضاً في نقائص هـذه الحـركة ذاتهـا وثغـراتهـا، في عـدم تصميم قيادتهـا حتى الآن في أن تتحـرك لتجعـل منهـا قــوة واحـدة ومنظمة واحـدة، وفي عدم قدرة القواعد المتفرقة لهذه الحركة في أن تصـنـع وحـدتهــا بنفسهـــا.

  إنها منذ معركة تأميم القناة عام 956 أصبحت الحركة الجماهيرية العربية التي تصعد في التاريخ، منذ أن وقـف عبد الناصر في الاسـكندرية في 26 تمـوز يعلـن تأميـم القنال ويخـط الطـريق الفعـلي للتحـرر الوطني والتحـرر الاجتماعي متحـدياً قوى الاستعمار ومصالحه، ومنذ أن صمد عبد الناصر بعدها في وجه العدوان الثلاثي، وما كان العدوان يومها يريد غير رأس عبد الناصر، كما كان هدفه في العدوان الأخير، منذ ذلك اليـوم، أخذ عبد الناصر الرايـة من يـد جميع الحـركـات السياسـية التقدميـة في الـوطن الـعربي، وتقـدم عليهـا وأصبحـت الجمـاهير وراء قيادته، ومن خلال التفاعل بين هذه الجماهير وبين عبد الناصـر في معارك النضال المتعـددة وفي معـارك البناء والإصلاح والتأميم، صنعت هذه الحركة وُجهتهـا وأهـدافهـا وجــاءت نكسـة الحــرب والعــدوان الأخــير لتهــز كــيان هـذه الحـركة ولتمتحـن قـابليتهـــا للبقـــاء وللتجـــدد والحيــــاة.

  لقـد كانت قضيـة فلسطين، ومنذ ابتليت بالغـزو الصهيوني، قضية العرب الأولى والجرح النازف في صـدر الأمـة العربية، ومحـور الصـدام الأول مـع الامبرياليـة العالميـة التي خلقـت اسـرائيل وعـززت وجـودها لتكون قلعـة من قـلاع الاستعمار ومعسكراً من معسكـراتِ بغيـه وتـآمره وعدوانه على حرية الشعـوب وعلى تقدمهـا.. وهـذه القضيـة كانت دائمـاً ومـازالت كاشـف ثغرات الأمة العربية والتحدي الكبـير لإرادتهـا، ولكنهـا في الوقـت ذاتـه ومن خـلال التهديد الكبير لمصائرنا، لا بـد وأن تكون أيضاً المحـرك لثـوريـة جماهـيرنا، ولتـأكـيد قابلـية هـذه الأمـة للنـهوض والحيــاة.

  مـن هذه النقطة للصدام، طـرحت الجماهير العربية كـبرى أهدافهـا وقضـاياها.. فنكسة عـام 1948 وهـزائم الجيوش العربية أمام عصابات الصهيونية، كشف الأنظمة الرجعية، كشف أن هذه الأنظمة القائمة على تحالف الاقطاع مـع رأس المال لا يمكـن إلا أن تكون خاضعة للنفـوذ الاستعماري، وأنـها لا يمكـن أن تحقـق استقــلالاً حقيقيـاً، ولا يمكن ان تخرج بالبلاد من التخلف والتبعية.. وكشـفت تلك النكسة للجمــاهير أعداءهـا بشكـلٍ سافـر: التجـزئة والتخــلف والرجعيــة والاستعمـار، وإسـرائيل أداة هـذا الاستعمار ورقبـة جسـر يمتد بهـا لتمكين التجـزئة والتخـلف… ووضـعت تلك النكـسة الجمــاهير على طــريق أهـدافهـا، فمنهـا أُطلـق المـد الوحــدوي الاشـتراكي لـــدى الجمـــاهـير في المشـرق العــربي، وبسببهــا سـقطـت أنظمــة وزالــت عـــروش وقامــت ثــــورة 23 تمـــوز.

  والصدام حول السويس عام 1956 هو صِدام النظام الثوري الناشئ في مصر مع الاستعمار واسرائيل، نقـلَ لا مصـر وحـدهـا بـل الأمـة العربية كلهــا إلى طــورٍ جديـد، ووضـع قضيـة تحــررنا القــومي في صعيدهـا العالمي والانساني، ووضع قضية الوحدة العربية كمطالب وضرورة وكاستراتيجية دفاع لا بـد منهـا للأمـة العربية لتقـوى على مواجهـة أعدائهــا وعلى تحـريـر أرضهـا المغتصبة ووضع قضية تحــررنا السـياسي ذاتـه على أرضهـا الاجتماعيـة والطبقيـة، فأصبـح طريـق التحويل الاشتراكي طريقاً حتميـاً للثـورة منـذ أن وُضعت القضيـة في يــد الجمـــاهير العـــاملة، وأصبحــت قوى الجمـاهير بالفعل دعامة الثـورة وقاعدتهـا وحاميتهـا.. ومعركة السويس وما جاء في أعقابها، وضع مصر بالضرورة، وكأكـبر قطر عربي في طاقاته البشرية وفي قدرته وامكانياته في الطليعة، ووضع عبد الناصـر بحق في مكانـه كقائـد لثورة الجمـاهير وكـرمز لنضالهـا التحرري على مـدى الوطـن العـربي.

  ولم يتوفر لأي حكم عـربي ولا لأي حزب أو قيـادة عربية، مـا توفـر لقيادة عبد الناصـر من قوة جمــاهيرية، من ثقة ومحبة وتقدير في نفوس الجماهير العربية، كما لم يتوفر في التاريخ العربي ومنذ مئــات السنيــن، قــائـد عــربي في مستـوى عبد الناصـر من الإرادة الصادقـة والعـزم والتضحية والإقدام، ومن الانفتاح على روح العصـر وعلى الجمـــاهـير.

  ومن التفاعـل العميـق بين عبد الناصـر والجمـاهير العربية، ومن تجاوب عبد الناصـر العميـق مع إرادتها في صيغ عمل وانجـاز نشأ ذلك التيـار الناصـري الجمـاهيري في الوطن العربي، وحدد طريقه وأهدافـه.. لم يكن هـذا التيار في ذلك الحين يسـمي نفسه ناصـرياً، ولا عبد الناصـر كان يوافق على أن يوصف كـذلك، بل الغـرباء عنه والأجانب هم الذين سموه كذلك ووصفوه.. ولكن هذا التيار المتجاوب دائمـاً مع قيادة عبد الناصـر، كان محور الحركة الثورية للجماهير في الأقطار العربية كلها.. ولكنه ظل يحمـل قصـوراً أسـاسياً في تكوينـه، وهـو أنه لم يتبـلور فكـراً وعمـلاً في تنظيم سـياسي ثوري، أي في حــزب، لا في مصـر ولا على مسـتوى الوطـن العـربي.

     ذكرنا في مطلع هـذا التقريـر منطق اللا حـزبيـة الذي سـاد منذ بدايات ثورة 23 تموز وبعدها، والآثــار السلبية التي أحدثهـا لـدى القوى الناصـرية في سـورية هـذا المنطــق.. إن الكثير مـن المنظمات الحزبية التقدمية في الوطن العربي كانت تأخذ على عبد الناصر وعلى الحركة الناصرية عموماً أنها لم تسلك الطريق للتنظـيم الحزبي.. لم تقـم بين قيادتها الثورية وبين قواعدها الجماهيرية روابط منظمة، تتحقق فيه مشاركة فعلية للجمـاهير في الإشـراف على أجهـزة الدولة أو في إبداء رأيها في قياداتها، ولم تخلق الجـو الملائم من العمل المسؤول الذي تتربى فيه القيادات وتصعد من قواعدها، الطبقات الكادحة، إلى المستـويـات المسـؤولـــة.

  ولكـن اللا نـاصريين، الذين أخـذوا على الحركـة الناصـرية عدم انتظامهـا في حـزب ثـوري، ما كـانوا يوجهــون هـذا النقـــد إلا ليبـــرروا لأنفسهــم، وهــم المتخــلفـون عــن قيــادة عبد الناصـر، أن يقدمــوا أنظمتهــم وتنظيماتهــم بديــــلاً لهــــا.

  لقـد سـلك عبد الناصـر طريـق الديمقراطية المباشرة حسب التعبير، أمام الإطار العام للوحدة الوطنية وللعمل الوطني الشعبي في مصـر، أقام مجالس منتخبة… ولكنه في الوقت ذاته أبقى بينه وبين الجماهير ذلك السـد من الأجهـزة البيروقراطيـة والعسكريـة والإداريـة والبوليسيـة.. وهذه الأجهزة كانت أيضاً السبيـل إلى التعـاون والتعامـل مع القوى الوطنيـة والحركـات النضاليـة في الوطـن العـربي.

  والذي حافظ على هذا الاتجاه السليم للثورة، سواء في القمة لدى قيادتها العليا، قيادة عبد الناصر، أو لـدى القاعدة الجمــاهيرية، هـو أن مصـر مـن قبل ومن ثـم المتحـدة تعيش مرحـلة ثورية حقـاً في جميع أبعادهـا، وأن القائـد في الأزمـات الكبرى وفي الظروف الهامة والحاسمة، يلتقي بالجماهير، كما يلتقي بها كل يوم، في فكـره وفي ’’الجوابات‘‘ التي يتلقاها والشكاوى.. ولكن هذا لوحده لم يكن كافياً، ولا يمكن أن يكـفي، فالأجهـزة البيروقراطيـة ولـو أنهـا تصعد من حـزب ثوري منظـم، تشوه النظام وتشوه وجـه الثورة، كما حصل في الاتحاد السوفيتي أيام سـتالين، فكيف إذا كانت هذه الأجهزة البيروقراطية لم تتربى في قلب الجمـــاهير ولم تتعـلم منهـا، بـل تربـت في قلـب مطامـع السـلطة والنفـوذ، أو فـي تـربة البرجـوازيــة وروابطهــا المصلحيـة والشخصيــة؟

  ولقـد أراد البعـض التميـيز بيـن مصـر الثــورة ومصـر الدولـة، وفـي صيغـة تلاقيهمـا عنـد قيــادة عبد الناصـر السياسية والثـورية.. ولكن الدولة هي دولة الثورة، ولا بـد أن تكون دولة الجماهير، ولا حمـاية لهـا إلا بتمكين الجمــاهير مــن قلبهـا والإشـراف عليهــا.. لقد سقطت اليوم دولة الأجهزة والمخابرات، ولكـن دولـة الأجهـزة سادت طويـلاً، وعطلت مسيرة الثورة كثيراً، وجعلت قيادة الثورة في ظــروف خطــيرة أسـيرة تلك الأجهــزة البيروقراطية مـن عسكرية ومدنية.. ومع ذلك فــإن التيار الجمـاهيري الثـوري الوحدوي، وإن قيــادة الثـــورة، قـد منعــا أشياء كثيرة، لقــد صنعــا دولــة الوحـدة، دولة فرضتها الجماهير العربية من خلال أزمات، ولمواجهة أخطار ومعالجة تناقضات وقعت بخاصة هنـا في سـورية ولطـالما تحــدثنـا عنهـا.. لقـد قامـت دولة الوحـدة بإرادة الجمــاهير العــربية وإجمـاعها، وقـامت تستمر وتصعد في طريق تحقيق أهداف الجمـــاهير.. ولكــن دولـة الوحــدة أقـامت سلطة الأجهزة هنـا في سورية، ووضعت قضية الجماهير في يـد الأجهزة، لا الأجهزة بيد الجماهير.. والأجهـزة لم تحـمِ من التآمـر، بـل ولـم تكشـف عن أبعـاد التـآمـر الانفصـالي الرجعي الاستعماري الـذي عشـش داخل الأجهـزة وداخل الجيش.. فضـرب الانفصال ضربتـه وانقسمت وتمـزقت دولـة الوحـدة.

      لقــد ظـل ذلك التيـار الجمـاهيري الواسع يقارع أعداءه على مستوى الوطن العربي، ويقارعها من مواقع متفرقة وفي إطار مجموعات متعددة.. وهكذا ظل ومازال يقارع الرجعية ويقارع الاستعمار ويقــارع الأنظمـة الإقليميـة.. وظـلت قيـادة عبد الناصـر قيادتـه دائمـاً ومناط أمله.. ولكن ذلك الارتباط الصميمي، الارتبـاط الثوري المنظـم بين القيادة والطلائع الثورية للجماهير لم يقم، وظلت فكرة الحزب الثوري العربي مؤجلة أو مستبعدة، وظلت الثغرة الكبرى التي تسدها الأجهزة ولكنه السد الذي لا يُمـلأ ولا يعـي، فمنـه نفـــذ التــآمـر الانفصـالـي، ومنـه أصــاب ’’ الشـرخ ‘‘ حصـن الثـورة عنـد العــدوان.

     ولكن الجمـاهير هي التي نزلت لشوارع القاهرة، في زحفٍ كبيرٍ جبار في 9 و 10 حزيران لتسد الشـرخ ولتحمي الثـورة وترفـع عبد الناصـر من جديد.. ولقد انتصرت تلك الجماهير يومها على دولة الأجهـزة، وقفـت في وجه دولة المخـابرات، وقفـت في وجه البيروقراطية العسكرية المهزومة، وأعلنت إرادتهــا في أن تتجـدد الثـورة.. وثبـت أن لا حــامي للثـورة وقيادتهــا إلا الجمـــاهير.

     إن هـذا التحـرك الجمــاهيري الجبـار في المتحـدة في 9 و 10 حـزيران، فاجـأ قيـادة الثـورة، قيـادة الجمــاهير ذاتهـا.. وفي سـورية من قبل كانت نكسة أيضاً قبل هذه النكسة الأكبر، كانت نكسة الانفصال عـام 961 ونـزلت الجمــاهير إلى الشـوارع تعـلن غضبتهـا ولكنها حُطمت ودُمرت، وفي أعقاب 8 آذار عام 963 نزلت الجمـاهير ذاتها إلى الشوارع وبقوة أكبر وأعظم، تعلن رفضها لحكم البعـث وتطالب بحكم الوحدة وعودة الوحدة، ولكنها مُزقت أيضاً وشُتت ودُمرت.. فحركة الجماهير في المتحـدة قد تقدمت وفرضت إرادتهـا وانتصرت، و حركة الجماهير الوحدوية هنا سُحقت ودُمرت، ليس ذلك لأن القيـادة الثـورية للجماهير حاضرة هناك وغائبة هنا فحسب، وإنما لأن الجماهير هناك، رغم الأجهزة ورغم العقبات، استطاعت أن تصنع وحدتها الوطنيـة وأن تجــد طــرق التعبير عن إرادتهـا ومن يجسـد هــذه الإرادة.. ولكن هـذا التحرك العفـوي للجمـاهير، إذا ما أكد وعي الجمـاهير وثوريتهـا و قدرتهـا، فهـو في الوقت ذاتـه يدين قيـادات المنظمات الثـورية التي تتنطح لقيادة الجمـاهير، لتخلفهـا عن ثورية الجماهير، بل هو يدين الأجهزة القيادية للاتحاد الاشتراكي العربي في المتحدة ذاتها.. فالجمــاهير الكادحـــة أعـطـت كـــل شيء أعطت جـهدهـــا ودمهـــا، والقيـادات لا تتقدمهـا بـل تعــوق مسـيرتهــا، مـن خـلال فــرض وصايتهــا العــاجزة عليهـــا.

      فلا يكفي أن يكون عبد الناصر في القمة، يرفع بيده راية الثورة ويحدد أطرها وأهدافها الصحيحة والسـليمــة.. فلقـد ثبــت أن التكوينـات القياديـة القائمـة تحـت سلطـة عبد الناصـر لـم تكــن في مستــوى مسؤوليتهـا، ولا في مستوى المهمات والأخطار، ولقد ثبت أن حسابات عبد الناصر يمكن أن تخطئ وعبد الناصـر يمكـن أن يُخــدع، فالعصمـة لا يمكـن أن تعطى لأي قـائـد، ولقـد ثبـت أيضـاً أن الأجهزة البيروقراطيـة التي قامـت لتكون عين القيـادة التي تبصـر بهـا كل شـيء وتحيط بكل شيء، كانت وفي عديـد منها أجهـزة خديعـة وتضليل للقيادة، بل وثبت أيضاً أن هذه الأجهزة يمكن أن تخون الثورة وأن تخون عبد الناصـر، وبعضها خان وانحرف بالفعـل، ومـا مـن سبيل اليوم لإزالة سيطرة الأجهزة وإسقـاط دولة المخابـرات وإقامـة دولـة الشعب، إلا بـأن تتجسد ’’الديمقراطية المباشـرة‘‘ فعـلاً، وأن يقـوم الجهـاز السـياسي الشـعبي، الحـزب الثـوري الـذي يربـط بقواعد راسخة ثابتة بين القيادة الثورية وقواعدهــا، ويحقــق إشـراف الجمــاهير على الدولـة لا تسلــط أجهــزة الدولـة على الجمـــاهير.

    والواقع أن القيادة الثورية في المتحـدة، قـد حققت خطوات كبرى وهائلة، في هذه الحقبة الزمانية القصيرة التي مرت بعد العدوان، لقد انعتقت من إسار الكثير من الأجهزة؛ لقد أعادت بناء الجيش بمعزل عـن الأجهزة، ليكون جيشاً قوياً وطنياً مقاتلاً، وحررته من القيادات العتيقة والبيروقراطية، ومن الولاءات الشخصية والفئوية.. وبخطوات جبارة استطاعت أن تسـترد طاقـاتها الدفاعية بأقوى مما كانت، رغم التحطيم الكبير الهائل الذي أصابتها بعد ضربة العدوان.. ولكن المشكلة ليسـت مشكلة المتحدة وحدها، ولو أن قوتها ومنعتها يبقى الرصيد الأول للأمة العربية كلها في هذه المعركة.. وما كان تركيز النقد عليهـا، إلا لأنها الطليعة، ولأنها تعطي القدوة والمثل.. وليس لنا ولا لغيرنا أن يُحملها اليوم همّـه، أو يطالبهـا اليوم إلا بأن تكون قوية ومنيعة.. ومنعتها الأولى في ثورية جماهيرهـا.

  ولكن الكشف عن الثغرات التي نفذت منها النكسة للمتحدة، هي درس أيضاً لنا ولجميع القوى الثورية في الوطن العربي، أما الثغـرات التي نفـذت منهـا النكسة للأقطـار العربية، فلقد كانت أضخم وأوسع.. والمتحدة تعمل لسد الثغرات بينما السلطات الحاكمة الأخرى في الأقطار العربية الأخرى، الأقطار التي من المفروض فيها أن تُسهم في المعركة وأن تحمل قسطها من أعبائهـا ومسؤولياتهـا، هـذه السلطـات تُمــوه تلك الثغــرات وتتســتر عليهـــا.

     إن القطر العربي الجزائري الذي تقدمت قيادته بعد النكسة، قيادة بومدين ’’لتُـوبـخ‘‘ الآخرين ولتعطيهـم الدروس في المقاومة والصمود، ولتتقـدم وكأنهـا بعيدة عن اللـوم وعن النكسة، قد كشفت أزمتها الأخيرة للجميع، عما في نظامها من ثغرات كبرى، وعما يعشش في داخل حكمها من صراع على السلطة.. والسؤال الذي يُطرح على قيادة الجزائر، ما الذي قدمته وماذا تُقدم للمعركة فعلاً؟.. إن العتاد الذي مـن المفروض أن يصان ليرسل لساحة المعركة مع العدو، قد يدمّر ويحّرق على أرض الجزائـر، في ذلك الصراع الدامـي على السلطـة، وقوى الجيش لا بـد أن تبقى هناك وتُجمع لحمايـة حكم بومدين!.. والصورة في سورية أقسى وأبشـع، ولقد قلنا فيها وعنها الشيء الكثير، وما يُعلم عن ثغراتها أكبر وأوسع بكثير مما يقـال، والسلطة تعيش في عزلة عـن الشعـب، بل وضده وفي خوفٍ منه، والأجهزة تعيث فساداً واستبداداً.. والصورة في العراق ليسـت أوضح من غيرها ولا أصلح، فالسـلطة تعيش أيضاً في خوف، والصراع على السلطة قائم على قدم وساق.. إنها الأقطار الثلاثة المعّتَمدة بعد المتحـدة لمواجهة العدوان ومحو آثاره، ولكن هل هي تسير على هذا الطريـق فعـــــلاً؟؟؟

  وأياً كانت صورة السلطة والحكم في هـذه الأقطار الثلاثة، فإن الحكم فيها يبقى ذا طابع عسكري محض.. وهذه مصيبة ابتلينا بها، كما ابتليت الكثيـر من الشعـوب المتخلفة، وهي في أن تصبح القوة التي أقامتها من قوت يومها وعلى حساب فقرها لتكون أداة لتحررها وحامية لأرضها وكرامتها، أن تصبح قوة مسيطرة وتسلط عليها، ومصالح طبقة جديدة من الحكام وأتباعهم تحل قوة السلاح عندهـم محل قـوة الـرأي، وإرادة من يقــود المـدرعـات أو سـرب الطـائـرات، محـل إرادة الجمــــاهير.

  والجيش ولو أنه من البنية الطبقية للمجتمع، ولو أن الغالبية العظمى من جنوده ومن صف ضباطه، بل وضباطه أيضاً، ينحدرون من الطبقات العاملة والكادحة، فإن هذا كله لا يكفي لأن تُجسد إرادة هذا الجيش إرادة تلك الطبقات، لأن الجيش ليس حزباً ولا يمكن أن يشكل حزباً بالمعنى الصحيح، فهو يتحرك بأوامر الأرفع رتبة، والكتل الأقوى ناراً والأمضى سلاحاً، هي السائدة فيه، وعندما يحكم الجيش بقيادته كجيش، يقع بالضرورة في دوامة الصراع على السلطة ولو سمى هذا الجيش أو كتلة منه نفسه كما فعل البعـث ثم أصبح يصفي صـراعاته الداخلية وأجنحته المتصارعة على السلطة بالمدرعات والمـدافع، وليعقد مؤتمـراته الحزبية في الثكنـات، وليكون التصويت للقرارات تحت تهديد المسدسات.

  لقد لعب الجيش وبخاصة في سورية أدواراً وطنية كبرى، ولكن عندما لا يكون هناك حزب ثوري يتمتع بجماهيرية واسعة أو عندما لا تكون هناك جبهة أحزاب أو قوى معززة بإرادة جماهيرية واسعة وواعية وعندما تصبح قـوى الجيش لا أداة تبديـل بإرادة الشعب أو قوة تحت قيادة حزب أو جبهة بل تصبح هي الحاكمة وتصعد طبقة من القـادة إلى السلطة، ويبدأ الصراع بينها، ويلغـي دور الجمـاهير وتُسحق إرادتها، فعندهـا يصبح الجيش أداة سلطة ويمثل مصالـح هـذه الطبقة الجديـدة، ويفقـد دوره الــوطـني، ولا يعـود مـؤهـــلاً لأداء دوره الكبيـر في حمـايـة الوطــن عنـدمـا يتهــدد الـوطــن الخطــر.

       هكذا كان الجيش العقائدي للبعث الحاكم يوم الحرب، لقد خاف ومازال يخاف من أن يتسـع الجيش ليضـم جميع الطـاقـات العسكرية المدرعة والقادرة على القتـال، لئـلا يفقـد سيطرته الكاملة عليها وبالتالي سيطرته على الحكم، وهـو الـذي تخلص من أكثر الطاقات والامكانات العسكرية من خلال الصراع على السلطة، ترك جبهة القتـال ليحافظ بقواه على السلطة وما يسميه بالثورة، واليوم والعدو يحتل أرضنا، ونرفع شعار إزالة آثار العدوان وتحرير الأرض المغتصبة ونتوقع أن يُستأنف القتال مع العدو وفي مهلة ليست بالطويلة، هـل بمقدورنا، وفي ظل هذه السلطة، أن تُهيأ لنا إمكانيات أفضل من تلك التي كانت لنا يوم تركنا الجبهة الحصينة وأسقطنا القنيطرة كذباً وانهزمنا، ليصمد جيشنا اليوم ويقاتـل…؟؟؟

      لقد عمد عبد الناصـر، في مصر قبل الوحدة، وفي الإقليم السوري بعدها، إلى معالجة هذه المشكلة، عن طريق إخراج الضباط الكبار، المتطلعين إلى السلطة وإلى العمل السياسي من الجيش ليستلموا مهمات في الدولة وفي الأجهزة السياسية، وليبقى الجيش جيشاً وطنياً وجيشاً لا تلعب فيه الأهواء السياسية ولا الكتل والأحزاب.. ولكن هذه المعالجة لم تحل إلا جزء من المشكلة، فالانفصال قامت به قوة عسكرية لعب بها التآمر ومطامح السلطة، والقيادة الثورية كما ثبت بعد النكسة، لم تستطع أن تزحزح عن مواقع القيادة في الجيش، بعض القـادة الانتهازيين أو المشبوهين في وطنيتهم بسبب حماية بعض الأجهزة لهم، وعندما وقعـت الواقعة وحلت النكسة، تحرك بعض هؤلاء القادة للتآمر على القيادة الثورية حفـاظاً على مواقعهـم وسلطتهــم.

     كل هذه الدلائل اليوم تدل على أن وضع الجيش في المتحدة قد تغير، وأنه قد حُرر من قياداته البورجوازية والانتهازية العتيقة، وحُرر من الأجهزة البيروقراطية، وأنه قد أعيد تكوينه وتنظيمه من خلال المهمات الوطنية الكبرى التي عليه أداؤهـا في حماية الوطن وفي إزالة آثار العدوان.. أما في الأقطار العربية الثلاث الأخرى فلا شيء تغير، لا في الجيوش ولا في الأجهزة ولا في السلطة.. وتبقى المشكلة الخطيرة الكبرى، والتي تبلغ ذروة الخطورة في ظروف الحرب التي نعيشها وهي مشكلة الصراع داخل الأجهزة العسكرية.

  فكيف لا نمزق الجيش شللاً وكتلاً ونحن نتصارع على السلطة، كيف لا نحرق العتاد ولا نستبعد عن الجيش إمكانيات وطاقات دفاع وقتال من خلال الصراع ومن خلال الخوف على السلطة؟ كيف لا نفسح السبيل لتحرك الجمـاهير لتفرض إرادتها ولتسترد ثقتها بنفسها وقضيتهـا ولتتحـرك عندهـا روح التضحيـة وروح البـذل وروح القتـــال؟

      إن هذا لا يجد حله وعلاجه إلا بالديمقراطية، بالديمقراطية الشعبية في إطار من الوحدة الوطنية.. وظروف الخطر تفرض اليوم هـذه الديمقراطية أكثر من أي وقت مضى، ولا يجوز أن تكون ظروف الخطر ذريعة بيد الحكام وأجهزة السلطة لإلغاء الديمقراطية وخنق حرية الرأي وكبت إرادة الجماهير، وهذه قضية سنأتي على بحثها بعد قليــــل.

  و لكـن ما هي عوامل هذه العلل والأدّواء، وقد وضعنا أمام أعيننا أبرزها وأخـطـرهــــا؟

  نستطيع أن نرد هذه الأدّواء والنكسات، كما يفعل الكثيرين من المثقفين اليساريين، إلى عواملها الطبقية وإلى صراع المصالح الطبقية.. وأن نرى في تسلط البيروقراطية العسكرية هنا، أو في أدّواء بيروقراطية الأجهزة هناك علل الطبقة البورجوازيـة الصغيرة وأدّوائها وطبيعـة أخـلاقهـا الفـرديـة ومصالحهـا الانتهـازيـة وأفكـارهـا الوسطيـة المتـأرجحـة.

  نستطيع القول أن هذه البورجوازية الصغيرة، قد ركبت تيار الجماهير الثوري الصاعد نحو الاشتراكية والوحدة، وتبنت أهدافه مرحلياً، وصعدت معه، مع الصدام مع المصالح الاستعمارية ومع تحالف الاقطاع ورأس المال، ولكنها وقد احتلت مراكزها في القيادات السياسية وفي مواقع السلطة وأجهزتها وإدارتها وقيادة الجيوش، أصبحت سداً في وجه الجمــاهير و طبقة سائدة ولا ثورية، تُعطل مسيرة الجمـاهير وتكبت إرادتهـا وثـوريتهـا.

      ولكن البرجوازية الصغيرة كطبقة، إطارٌ واسع وغامض في الوقت ذاته، يمكن تعريفه سلباً، بأنه ليس من البورجوازية الكبرى، وأنه ليس من الطبقات الكادحة والعاملة، العاملة في الأرض أو العاملة في المصنع.. ولكن من صفات البورجوازية الصغيرة أنها لا تؤلف بينها وحدة ولا مصالح طبقية موحدة، ولا تنحصر في مرحلة محددة وإطار محدد ونهائي من تطور وسائل الانتاج والعلاقات الانتاجية في المجتمع.. ولكنها طبقة تسود في مراحل الانتقال، وهي واسعة وسائدة في ظروف المجتمع المتخلف حين يبدأ نهوضه، مستنداً على الانتاج الجزئي أو المُجزأ، بل وفي المراحل التي ينتقل فيها هذا المجتمع في طريق التحويل الاشتراكي يظل لهذه الطبقة وجودها، بل وفي المجتمعات الاشتراكية نفسها؛ ماذا تكون الأجهزة البيروقراطية والفنية، غير برجوازية صغيرة!.. وهنا عندنا من صغار الكسبة وأصحاب الدكاكين إلى الأطباء والمهندسين والمحامين، إلى الكُتاب وإلى المدراء والموظفيـن…

        ولكن ما نحن، وما قيادات المنظمات التقدمية والثورية في الوطن العربي، وما أولئك المثقفون اليساريون، من هم المثقفون الثوريون الذين يوضعون في طليعة القوى الثورية، إلا بورجوازيون صغار وضعوا أفكارهم وجهودهم في خـدمة قضية للتحـرر والتقـدم، الفارق بين هؤلاء البرجوازيين الصغار، وبين غيرهـم من البورجوازييـن الصغار الذين يصبحـون قـوى مُـعوقـة ومعـرقـلة لمسيـرة الثـورة، أن الأول قد التزمــوا بأهـداف الجمـاهير الكادحـة وأصبحـوا المُعبـرين عـن أيديولوجيـا الطبقـات الكادحـة.

        ولكن المسألة ليست مجرد التزام وارتباط، ولا نريد هنا أن ننطلق في بحث اجتماعي عن صراع الطبقات، ولكننا أمام مشكلة، هي مشكلة سيطرة الأجهزة من عسكرية ومدنية على السلطة، وسيطرتها بعقلية البرجوازية الصغيرة التي تخضعها لعبودية السلطة.. يقــولــون بفتــح الطــريـق لقيـادات جديـدة من الطبقـات الكادحـة، ولقـد صعّـدت بعضهـا، فـإذا بهــا في إطــار السلطـة العسكـريـة والبوليسيـة أو سلطـة الأجهـزة الإداريــة والخــاصـة، تتحـول أيضـاً إلى بـورجـوازيـة صغيــرة لا في خدمة الطبقة الكادحة، بـل في خدمة السلطة، وفي مطمح انتهـازي لأن تصبح في يدهـا مفاتيـح السلطـة.

       فالمسألة إذاً ليست مسألة تشخيص للواقع الطبقي واعتراف بحقيقته وأنه المحرك لتطور المجتمع والدافع للثورة، وإنما هي في إيجاد الصيغة التي تبقي الملتزمين بخط الجماهير الكادحة مـن البرجوازية الصغيرة وغيرها صاعدين على ذات الطريق، وللمتصدرين لقيادة الحركات الثورية منهم، أن يظلوا ثوريين وأن لا تـرفهـم السلطة.

        وأدّواء البرجوازية الصغيرة، فكرها المتذبذب ومواقفها المتذبذبة، الاندفاع إلى أقصى اليسار أو الارتداد إلى العصبيات البدائية من طائفية واقليمية والارتداد إلى الروابط الشخصية والفئويـة الضيقة التي تحمـل كلهـا سمات الانتهازية والوصول السريع، هذا كله لم يُصب الأنظمة والحكومات، بل وأصاب الأحزاب والمنظمـات ومنهـا تلك التي ترفع شعـارات الثورة البروليتـارية وتـدعي تمثيـل أيديولوجيا الطبقة الكادحة.. لها كلها تعيش صراعات داخلية وانقسامات وتمزقات، وأكثرها يتطلع إلى الإنقـاذ عن طريـق الانقـلابات العسكرية والمفاجـآت.. إنهـا كلها تنادي الجمـاهير الكادحة إليها وتدعي تمثيـل إرادتهـا، ولكنهـا في الواقـع تعيش منغـلقـة على نفسهـا، فـوق الجمــاهير أو في عـزلـةٍ عنـهـا.

          إن أخطر المسائل، تُطرح في الأطر الضيقة المغلقة للقيادات، ولا تُطرح على الجماهير، ولا تستشار الجمـاهير فيها، والمثقفون الثوريون إن صح التعبير، بينهم من تعبَ أو انزوى، وبينهم من سلك سبيل الانتهازيـة، فأصبـح أداة بيد السلطة أو بيد القـوى والكتل العسكرية.. لقد تجاوزوا جميعاً عن قضية الحـرية التي لا مبرر لوجودهم إلا بها، وخلفوها وراء ظهورهم، وأقامــوا العـلاقـات فيمـا بينهم، وفيما بين المنظمات التي يتصدرونها على المزاودات باليسارية والثورية، ومن تلك المزاودات دفع الآخرون بعقلية البورجوازية الصغيرة، وكأنهم ليسوا هم أيضاً منها ومن أخلاقها وتكوينها، إنهم يُلقون بالمسؤوليات على غيرهم في عملية تمويه لستر عجزهم واستسلامهم، وكأنه القدر يحكم ويتحكم ويشتتُ الجميع ويبعثـر القـوى. ولا عـلاج لهذا كـله إلا بالعـودة لتعزيز القيم الأساسية للثـورة كثورة جمــاهير كادحـة، والقيـم الأساسية للديمقراطيـة السياسيـة والاجتماعيــة.

      لقد برهنت الجماهير في تحركاتها العفوية أمام الأزمات الكبرى، أنها سابقة للأنظمة والمنظمات.. هذا ما عشناه في سورية في أعقاب الانفصال وفي أعقاب 8 آذار، وهذا ما عشناه بقوة في 9 و 10 حزيران. الجماهير هي التي قامت ترد على نكسة الانفصال، والجماهير قامت تحمي قيادة الثورة من السقوط تحت ضربات نكسة الحرب العدوانية. فلا حامي إذاً للأنظمة والمنظمات، لا حامي لها من أدّواء البورجوازية الصغيرة ومن تسلط الأجهزة البيروقراطية ولا واقي لها من الانحراف أو الانغلاق على عصبيات القلة والأقليـة، إلا بالانفتـاح الكامل على الجمـاهير، وإلا بإيجاد الصيغ الديمقراطية التي تُمكن الجماهير من الإشراف على الأنظمة والأجهزة، بل والمنظمات ومن مراقبتها، لا بد من إعطائها حرية التأثير فيها، وإعطاء الرأي فيها أيضاً.. وثورية المنظمة أو الحزب، هي بمقدار ما تنفتح على الجماهير؛ بمقـدار ما تشركهـا في قضاياها، بمقــدار ما تستلهم رأي الجماهير، وبمقدار ما تثق بالجماهير فتُكاشـفها وتصارحها وبمقدار ما تثق الجمـاهير بهـا.

          إن نكسة عام 48 طرحت إسقاط الأنظمة الرجعية الخاضعة بشكل مباشر أو غير مباشر للنفوذ الاستعماري، والتي قادت إلى النكسة.. ورغم النكبة الكبرى التي أصابت الأمة العربية في تلك النكسة، فهي قد حركت إرادة التبديل لدى طبقات واسعة من الجماهير فصعدت على طريق الثورة وصنعت أهدافها الكبرى في الحـرية و الاشتراكية والوحـــدة.

          ونكسة 1967 جـاءت ضـربة للحـركة الثورية العربية، وكشفت عن نقـائص وثغرات أنظمة الحكم التي قامت باسم الثورة وباسم أهدافها، ولكن إذا كان الهدف الأساسي للعدوان والذي لم يبلغه ذلك العدوان الصهيوني الإمبريالي، هو إخضاع الحركة الثورية العربية وضربها، فإن هذه النكسة لا يمكن أن تطرح إسقاط الحركة الثورية والأنظمة التي قامت على شعاراتها ولكنها تطرح بالضرورة إرادة التصحيح والتغيير.. وهذه هي اليوم إرادة الجمـاهير.. والتصحيح والتغيير لا بد أن يتم من خلال التطلـع إلى شيئين أساسييـن:

  أولهمـا: المعركـة الراهنـة، معـركـة إزالـة آثـار العــدوان وتحـريـر الأرض المغتصبـة، ومـا تضعـه المعـركـة أمـامنـا مـن مهمـات مستعجـلة وخطيــرة.

  وثانيهما: مواصلـة معـركـة النضـال في سبيـل تحقيـق أهـداف الثورة العربية في الحرية والاشتراكية والوحــــــدة.

  وهما في الحقيقة معركتان لا تنفصلان عـن بعضهما: فالعدوان ما ضرب ضربته والنكسة لم تقع، إلا من خلال تعثر الحركة الثورية العربية وانقسامها وتعثر مسيرتها نحو أهدافهــا.

  لقد نادينا ونادت جميع القوى الثورية في الوطن العربي أن الرد الحاسم على النكسة هو الوحدة، وأن المواجهة الصحيحة والقـوية للعدوان هو توحيد طاقات الأمة العربية كلها لخوض معركة إزالة آثـار العــدوان. و لكـن هـل نحـن على هــذا الطـريـــــق؟؟؟؟

  الجواب طبعاً هـو النفي، وكأننـا نتـرك لقطـرٍ عـربي واحد أن ينصرف لبنـاء نفسه وقـوته لمواجهة العـدوان، وهـذا القـطر هــو الجمهوريـة العربيـة المتحـدة وحـدها ولا شـك.

        إن الشعـارات التي طُرحت قبل المعركة وما زالت تُطرح، شعارات لقاء القوى الثورية في سبيل أن تتـوحـد، ولقـاء القـوى التقدمية في داخـل كل قطـر عـربي، لتصنـع وحدتها الوطنية، ولمواجهة هذه المعـركة الكبـرى من معـارك التحـرر الـوطـني، كـل هــذه الشعـارات مـازالت مطـروحــة، ولكنهــا لا تحمـل حتى الآن أي رصيــد من العمــل والفعـــل.. لـم يكن عبثـاً أن وضعـت الحـركة الثـورية العربية شعـار الحرية في بداية أهدافها وفي مطلعها.. وقالت ’’الحرية هي حرية الوطن و حرية المواطن‘‘ وهـو بالتـالي أن تبـني الـديمقراطيـة السـياسيـة كشيء ملازم للديمقراطية الاجـتماعيـة أو الاشـتراكيــة.

  ولقد قفز الجميع من فوق هذا الهدف، بل هو الذي أصابه التزييف والانتقاص، وقامت أنظمة باسم الاشتراكية وهي معادية لحرية الجماهير ومتسلطة عليها كما هو الأمر هنا في ســــوريـــة.

      ولهذا نقف عند هذا الشعار لنطالب الجميع بتأكيده والانطلاق منه.. فما لم تقم منظمتنا على أساس ديمقراطي، وما لم تقم على ذلك بقية المنظمات التي تقول بالثورة الاشتراكية الوحدوية، وما لم نبدأ من أن نصنع وحدتنا الوطنية، واللقاء بين القوى والتعاون على الأساس من الحرية ومن الاعتراف المتبادل بوجود الآخرين وبحقهم في العمل وفي التعبير عن إرادتهم وفكرهم، وما لم نفسح الطريق رحبة واسعة أمام  الجماهير لتعلن إرادتها وتختار قيادة نضالها وتحررها، نبقى ندور ونلـف حول الشعارات ولا نتقـدم خطـوة نحو الهدف الكبيـر للثــورة، هـــدف الوحـــــــــــــــدة.

                                            ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                             ـــــــــــــــــــــــ                         ــــــــــــــــــــــــــ

يتبع..

التعليقات مغلقة.