الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

لبنان الكبير، في الذكرى المئوية

بسام شلبي*

في مطلع أيلول/سبتمبر عام ١٩٢٠ صدر قرار من المندوب السامي الفرنسي الجنرال غورو بإنشاء ما يسمى دولة لبنان الكبير. وشملت المنطقة التي كانت تسمى متصرفية جبل لبنان التي كانت تتمتع بحكم ذاتي أيام الحكم العثماني وضم إليها أربعة أقضية هي طرابلس وبيروت وصور وبعلبك. ولكن القصة الحقيقية لهذا الفصل بدأت منذ عام ١٨٦٠ إثر الفتنة الكبرى بين المسيحيين والمسلمين في تلك المنطقة التي حصدت أرواح آلاف الضحايا ولا أعتقد إطلاقًا أنها كانت بريئة أو عفوية فقد اجتمعت إثرها الدول الأوربية القوية بمختلف تناقضاتها وصراعاتها (بريطانيا فرنسا روسيا إيطاليا ألمانيا..) وأجمعت على إلزام الدولة العثمانية وقتها بإعطاء الحكم الذاتي لمتصرفية جبل لبنان. التي تضم أغلبية مارونية كبيرة، وفرضت أن يتم اختيار حاكمه بتوافق دولي وليس بفرمان من السلطان العثماني.. وهذا الإجماع طبعًا ما كان يمكن أن يتحقق خلال تلك الفترة القصيرة ما لم يكن مرتبًا مسبقًا.

إن هذا التاريخ الفعلي للفصل سبقته أيضًا جذور أعمق بدأت قبل ذلك بكثير منذ القرن السابع عشر على شكل بعثات تبشيرية ومساعدات عينية ومالية كبيرة للكنائس والأديرة ومنح تعليمية في أوربا.. عدا عن إنشاء جامعات تابعة للكنائس مثل جامعة القديس يوسف والجامعة الإنجيلية..

لقد كان هدف الدول الأوربية الخفي بالأخص فرنسا هو خلق نخب سياسية وثقافية مرتبطة بها.. وخلق أوضاع مختلفة للمسيحيين المشرقيين بالأخص المارونية منها ماديًا وثقافيًا..

وهذه التفاعلات وتراكماتها الزمنية والمادية هي التي أدت الى الاختلال والاضطراب في منطقة كانت متعايشة لمئات السنين.. وكان هذا أول استخدام ممنهج للدين في السياسة في العصر الحديث في منطقتنا العربية.

لكن حدود متصرفية جبل لبنان كانت ضيقة جدًا وإطلالتها على البحر الأبيض أضيق عند خليج جونية.. لذلك عندما قام الجنرال غورو بتوسيع حدود هذا الكيان الهجين فقد خلق تركيبة غريبة ضمت إلى جانب الأكثرية المسيحية طيفًا من المسلمين السنة والدروز والشيعة.. وربما كان من الصعب التصديق أن هذه التركيبة الغريبة يمكن أن تستمر!!

لكن لماذا استمرت فقط هذه الدولة من بين الكيانات الستة التي قامت فرنسا بإنشائها في منطقة استعمارها بموجب اتفاقية سايكس بيكو؟

أعتقد أن الغرب استطاع أن يخلق لهذه الدولة أوضاعًا متميزة جدًا عن فضائها الطبيعي مما أضعف المطالبة الشعبية والنخبوية بالوحدة التي كانت قائمة في البداية بالأخص لدى العرب السنة الذين رفضوا المشاركة في الحكم على أساس المحاصصة المتقرحة من فرنسا، ففي البداية تم تعيين رئيس و رئيس وزراء و رئيس مجلس نواب مسيحيين لعقود حتى تم الاتفاق في الأربعينات على بعض التعديلات الدستورية لمشاركة باقي الطوائف جعلت العجلة تسير من جديد، واستمر هذا الكيان لأن الجذور العميقة التي زرعتها دول الاستعمار عبر زمن طويل وفق عملية تغيير ثقافي واجتماعي ممنهج ومدروس شكلت تاريخًا مختلفًا لهذا الجزء عن فضائه الطبيعي.

كذلك العوامل الجغرافية المتمثلة في سلسلتي جبال لبنان وجبال القلمون التي شكلت حاجزًا طبيعيًا معيقًا للاتصال من الجهة الغربية وانحصر الاتصال في ممر ضيق في الجنوب وممر أضيق في الشمال جهة طرابلس وعكار التي كانت تاريخيًا ومازالت أكبر المعارضين لهذا الانفصال عن الفضاء العربي وسورية الطبيعية.

ولكن رغم الاستمرار فإن هذا الكيان بحكم عوامل التكوين والظروف الموضوعية لا يمكنه الاستقرار الاقتصادي أو السياسي بدون الدعم الكبير والتوافق الاقليمي والدولي الذي قل ما يتم.

 وسوف يبقى عاملًا مزعزعًا للإقليم العربي، وعائقًا في وجه نهوضه واستقراره كما خططت له دول الاستعمار القديم. إن الحلول الترقيعية لن تجد نفعًا وسيبقى مقرًا ومولدًا للأزمات الداخلية والاقليمية.. وليس لها من حل سوى التفكير والتخطيط لاستعادته إلى فضائه الطبيعي على مدى طويل متدرج ومدروس يستطيع اجتثاث الجذور التي زرعت في تربته الخصبة.

بسام شلبي

مهندس وكاتب وقاص سوري عروبي

 

التعليقات مغلقة.