الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حول تيار المعتزلة

معقل زهور عدي

مع قناعتي بأن الموضوع يحتاج لدراسة معمقة، لكن لفتح النقاش حول هذا الملف الفكري- التاريخي الهام فضلت البدء بهذه النبذة .

بدأ ظهور المعتزلة في نهاية العصر الأموي لكن تيارهم تبلور وانتشر مع العصر العباسي, وما يهمنا هنا هو ذلك الجانب العقلاني في مذهبهم الفكري, وهو وإن كان قد نشأ بعد انفتاح الفكر العربي- الإسلامي على الفلسفة اليونانية والثقافات الفارسية والهندية إلا أنه استطاع تأصيل فكره ضمن تيارات الفكر العربي الإسلامي, وعمل بإخلاص على الدفاع عن الاسلام ضد التيارات الفكرية التي حاولت النيل منه متأثرة بالثقافات والأديان الأخرى مثل المجسمة والمشبهه والزنادقة, مستخدماً الأدوات الفكرية المعتمدة على العقل إذ لا سبيل للنقاش مع تلك التيارات الفكرية باستخدام النص القرآني أو الحديث الشريف وهم لا يُقرون بهما أصلاً .

وربما كان عصرهم الذهبي هو عصر الخليفة المأمون الذي كان يجمع بين السياسة والثقافة والفكر وكان يميل لآرائهم .

ومما أضفى على تيارهم الطابع الفكري- العقلاني ابتعادهم منذ نشأتهم عن السياسة واشتغالهم بالفكر وأدواته الفلسفية, وظلوا كذلك حتى عصر المأمون الذي حاول فرض رأيهم في ” خلق القرآن ” بقوة السلطة السياسية, ولا شك أن الاضطهاد الذي لحق بكثير من العلماء وأشهرهم أحمد بن حنبل الذي سُجن وعذب بسبب رأيه في ” خلق القرآن ” تسبب في شرخ نفسي وفكري بينهم وبين ” أهل الحديث ” ولاحقاً ” تيار ” السنة والجماعة ” لكن تخامد تيارهم جاء مع انتهاء ربيع الفكر العربي- الإسلامي عموماً, فالمجتمع العربي- الإسلامي دخل في طور آخر مع نهاية العصر العباسي, ولذلك أسباب متعددة, فالفكر في النهاية انتاج للمجتمع, ولا شك أن تفكك الدولة العباسية المركزية إلى دويلات أصغر تحكمها أقليات عسكرية كالسلاجقة والأيوبيين ثم المماليك, فضلاً عن التحدي الكبير الذي واجه تيار ” السنة والجماعة ” من الدولة الفاطمية الإسماعيلية التي ادعت الخلافة لنفسها ومدت سلطانها في فترة تاريخية على الشام والحجاز إضافة لمصر وشمال أفريقيا قد دفع تيار السنة والجماعة للمزيد من المحافظة والتشدد, وهكذا أصبحت المعتزلة في نظر أهل ” السنة والجماعة ” فرقة مهرطقة واستمرت تلك النظرة سائدة حتى العصر الحديث حين بدأ بعض المفكرين الإسلاميين بإعادة الاعتبار لها ومنهم الشيخ محمد أبو زهرة الذي كتب في كتابه ” تاريخ الجدل في الاسلام “:

” فكان كل ذلك ..( يقصد اعتماد المعتزلة على العقل ) صدمة للفقهاء لم يألفوها, فجردوا عليهم سيوفهم, واشاعوا عنهم قالة السوء, وما كان المعتزلة في الحقيقة إلا كما قال عنهم أحد العلماء الأوربيين: إنا لم نسمع من المعتزلة صوت مخالفة الدين, ولكن سمعنا صوت الضمير المتدين, الذي يناضل ضد كل ما لا يليق بالله تعالى وعلاقته بعبده .”

المصدر: صفحة الكاتب على مواقع التواصل

التعليقات مغلقة.