الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عبدالناصر واليمن.. مساجلات الستين سنة

عبد الله السناوي *

اكتسبت الثورة اليمنية في (26) أيلول/ سبتمبر (1962) قيمتها في التاريخ من حجم الدور الذى لعبته في نقل بلد بأسره من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة.

«لقد أغلقت اليمن الأبواب على نفسها ألف سنة فلم يختفِ منها الشعر، ولكن المشكلة الحقيقية هي متى يغزوها العلم؟!».

كانت تلك صورة بلد عربى معزول تماماً عن العالم- كما سجلها «نجيب محفوظ» فى قصته القصيرة «ثلاثة أيام في اليمن»- التي نشرت عام (١٩٦٩) من ضمن مجموعة «تحت المظلة».

«هل ثمة فرصة لأكتب كلمة سريعة؟

أخي العزيز..

كم وددت أن أودعك قبل الرحيل. أذكرك بالحب والإكبار وأنا على وشك العودة إلى أرض الوطن. ستعود إليه ذات يوم منتصراً راضياً بإذن الله. اهنأ الآن بأنك تحارب في سبيل قضية عادلة، قضية التقدم للإنسان العربي. ومهما تكن العوائق ومهما تكن العواقب فإنك بذرت في الأرض بذرة من طبيعتها النمو والازدهار».

كانت تلك رسالة الراوي- «محفوظ» نفسه- إلى جندي مصري يحارب في اليمن.

هناك عشرات الشهادات بأقلام كبار المثقفين اليمنيين عن مدى الصدمة، التي انتابتهم عند الخروج إلى العالم ومعاينة وسائل حياة عادية لم تكن تخطر لهم على بال كـ«المكواة» و«ماكينة الخياطة» وأبسط الأدوات الصحية.

القيمة السياسية لشهادة «محفوظ» أكبر من الأدبية، فهي ليست من أعماله التي تستوقف النقاد والقراء.

المثير أنه نشرها بعد أن وقعت الهزيمة العسكرية في حزيران/ يونيو (1967) ونُسب إلى حرب اليمن ما نُسب.

لم يتردد أن ينشر نصه كما كتبه في حينه، غير أنه عاد عام (١٩٨٢) عبر إحدى شخصيات رواية «الباقي من الزمن ساعة» للتعريض بحرب اليمن:

«أسمعت ما يُقال عن أغنية أم كلثوم أسيبك للزمن! يقال إن الأصل أسيبك لليمن».

التناقض فادح بين النظرتين، الأولى- انطوت على تقدير بالغ للدور الذي لعبته مصر في دعم الثورة اليمنية بالرجال والسلاح «من أجل قضية عادلة».. والثانية- ذهبتْ إلى العكس تماماً حيث استخدم الحدث نفسه في التعريض بثورة تموز/ يوليو والشماتة في هزيمة (1967).

بعد ستين سنة على الثورة اليمنية تحتاج مصر أن تنصف أدوارها وتضحياتها، وأن تنفض عن كاهلها ادعاءات وافتراءات حاولت بدأب أن تكرس في الوجدان العام ثقافة الهزيمة، فكل قضايانا خاسرة وكل حروبنا هزائم.

من الناحية الاستراتيجية ساعد التدخل العسكري في اليمن على تحرير جنوبه من الاحتلال البريطاني والسيطرة على مضيق باب المندب، حتى بات البحر الأحمر عربياً بالكامل.

أثناء حرب تشرين الأول/ أكتوبر (١٩٧٣) أغلق المضيق في وجه الملاحة الإسرائيلية. كان ذلك إنجازاً استراتيجياً هائلاً.

نفس القوى التي حاربت مصر في اليمن سعت ألا يكون لها أية أدوار مستقبلية في استراتيجية البحر الأحمر تمكنها من التمركز والحركة والتصرف إذا ما تهدد أمنها القومي في هذه البقعة الحيوية من العالم.

ومن الناحية العسكرية نُصبت كمائن حتى تكون حرب اليمن مستنقعاً للقوات المصرية يصعب الخروج منه. كانت التجربة صعبة بكل معنى عسكري بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية لليمن وحجم التدخلات المباشرة سعودية وأمريكية وإسرائيلية.

مالت حسابات «جمال عبدالناصر» عندما أطيح بالحكم الإمامي عام (١٩٦٢) إلى أنه لا يصح التردد في الوقوف بجوار الثورة اليمنية، وإلا فإنه إخلال جسيم بالدور الذي تضطلع به الثورة المصرية في عالمها العربي.

بالتوقيت جاء الحدث اليمني الكبير بعد انفصال الوحدة المصرية- السورية وتراجع حركة القومية العربية.

كانت تلك فرصة استراتيجية على البحر الأحمر بالقرب من منابع النفط لرد الضربة بأقوى منها. كان تقديره أن تدخل بعض قوات الصاعقة، وسرب واحد من الطيران يكفي.

وفق شهادة الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فإن الحرب اتسعت «لا لأن هذا الطرف العربي، أو ذاك تدخل فيها، وإنما اتسعت الحرب حينما تدخلت قوى السيطرة العالمية، وفي مقدمتها إدارة المخابرات المركزية الأمريكية، التي جندت للحرب آلافاً من الجنود المرتزقة الأجانب، إنجليزاً وألماناً وفرنسيين وأمريكيين. وقصة هؤلاء ذائعة مشهورة، ولكن ذاكرتنا ضعيفة ننسى بسهولة ما هو حق لنا ونبتلع بسهولة دعاوى الآخرين علينا.. ننسى أنه في وقت من الأوقات كان هناك أكثر من خمسة عشر ألفاً من الجنود المرتزقة الأجانب في اليمن.. وننسى أن لندن- كما حدث في حالة أنجولا- كانت مركز تجنيدهم وتسليحهم وإرسالهم إلى اليمن».

كان «أنور السادات» يتولى إدارة الجهد السياسي المصري في اليمن، لكنه عندما آلت إليه مقادير الرئاسة رعى حملات التشهير، كأنه لم يكن المسؤول السياسي الأول عن الملف!

صبيحة (٥) حزيران/ يونيو (1967) تبدت مشكلة مستعصية مع بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية أن الجيش المصري كان موزعًا على جبهتين بينهما آلاف الكيلو مترات.

كان استنزاف الجيش المصري في اليمن مقصوداً لأهداف استراتيجية تتعدى الصراع في هذه البقعة الاستراتيجية إلى انتظار لحظة انتقام عبر الحدود الشرقية من الدور المصري التحرري.

كان التخلص من «عبدالناصر» على رأس الأولويات في إدارة الرئيس الأمريكي «ليندون جونسون» بعد أن تخلصت في العام السابق (1966) من زعامات كبيرة للتحرر الوطنى في العالم الثالث واحداً إثر الآخر مثل «سوكارنو» في إندونيسيا و«كوامي نكروما» في غانا.

كان الوصف الأمريكي لعملية (1967) بذاته دالاً على أهدافه: «اصطياد الديك الرومي» الذي يتيه بقيادته لحركات التحرر المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل.

أسوأ معالجة ممكنة لحرب اليمن والدور المصري فيها الانتقائية بالأهواء وتصفية الحسابات، فلا نعرف ما الذى جرى حقًا؟

المفارقة الكبرى في ستينية الثورة اليمنية أن اليمن، المُحطم والمُنهك تحت وطأة احتراباته ومآسيه، يستشعر امتناناً لا حدود له للدور الذى لعبته مصر ستينيات القرن الماضي فيما هي لا تدرك ولا تعتز بإرثها التحرري كما يجب أن يكون.

* كاتب صحفي مصري

المصدر: الشروق

التعليقات مغلقة.