الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

غيوم فوق قرطاج

عبد الله السناوي *

تتفاقم الأزمة التونسية إلى حدود منذرة بتغييرات دراماتيكية فى المشهد السياسي.

لا الأوضاع الحالية قابلة للاستمرار ولا الأوضاع السابقة مرشحة للعودة.

الأزمة بمشاهدها وتداعياتها قد تأخذ البلد إلى المجهول.

الدستور الذى أقر بقوة الثورة تعطلت شرعيته بالإلغاء، والدستور المقترح مطعون عليه قبل الذهاب إلى الاستفتاء في (25 تموز/ يوليو) المقبل.

فى الأوضاع القلقة الحالية تتكثف الغيوم فوق قصر قرطاج حيث مقر الحكم ويصعب التكهن بما قد يحدث غدا.

السيناريوهات كلها مفتوحة على المجهول وكمائن الخطر ماثلة فى المكان.

لم يكن الرئيس «قيس سعيّد» وجهاً سياسياً معروفاً قبل انتخابه، كان صعوده لموقعه تعبيراً عن الضجر العام من النخبة السياسية الحاكمة وشبهات الفساد التي تلاحقها.

بدت سمعته كـ«رجل نظيف» تلتف حوله مجموعات شابة تنتمي إلى الثورة التونسية كافية لقطاعات واسعة من الرأي العام للرهان عليه دون نظر في أفكاره وتصوراته لطبيعة نظام الحكم، وقد كانت أقرب إلى «النظام الجماهيري»، الذى أسسه العقيد «معمر القذافي» في ليبيا!

حاولت حركة «النهضة» دون جدوى احتواء الرئيس الجديد، قبل أن تعمل على تهميشه في صناعة القرار الداخلي وتجاوز صلاحياته الدستورية في الإشراف على السياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية.

جرت صدامات سياسية متكررة بين الرئيس المنتخب بالاقتراع المباشر ورئيس الوزراء «هشام المشيشي» المعين من المجلس النيابي، الذي يترأسه ويهيمن عليه «راشد الغنوشي» زعيم حركة «النهضة»! كان الصدامُ محتماً.

اكتسبت إجراءات (25) تموز/ يوليو (2021) الاستثنائية قبولاً شعبياً واسعاً أضفى عليها مشروعيتها أكثر من نسبتها إلى المادة (80) من الدستور التونسي، التي تُخول الرئيس في الظروف الاضطرارية إقالة الحكومة وتجميد البرلمان بما لا يزيد عن عام دون أن يكون من حقه حل السلطة التشريعية والهيمنة على السلطة القضائية.

جرى تأويل المادة الدستورية لمقتضى الصراع على السلطة ولمن تكون الغلبة فى صناعة القرار.

كان لافتاً الدعم الكامل، الذى حازه «قيس سعيّد» من المؤسسة العسكرية والأمنية على خلفية كراهيتها التاريخية لحركة «النهضة» ذات التوجه القريب من جماعة «الإخوان المسلمين».

السؤال الآن: كيف تتصرف تلك المؤسسة إذا دخلت البلاد في اضطرابات لا يمكن السيطرة عليها؟!

أرجو أن نلتفت للدور الذى لعبته التظاهرات الغاضبة على الأوضاع الاجتماعية المتردية وما تبدى من قصور حكومي فادح في مواجهة جائحة «كوفيد 19» في توفير حاضنة شعبية لإطاحة حركة «النهضة».

قبل عام تبدت فرصة مستجدة لتأسيس توافق وطني جديد مع القوى الحية، التي لم تنخرط مع «النهضة» فيما هو منسوب إليها من خطايا فادحة في ممارسة السلطة.

لم يحدث شيء من ذلك وأخذت الأخطاء تتراكم حتى استهلك النظام جانباً كبيراً من مشروعيته الشعبية.

أسوأ ما جرى بعد (25) تموز/ يوليو أن ما هو استثنائي أصبح اعتيادياً، مُددت الفترة الاستثنائية من شهر حسب النص الدستوري إلى شهرين إلى سنة كاملة دون إجراء أي حوار وطني واسع وجدي ودون أية خارطة طريق تصنع توافقاً حقيقياً حول الخطوات التي يتوجب اتباعها، كما وعد «سعيّد» بنفسه.

تَوترَ المجال العام بأكثر مما كان متوقعاً بإجراءات خشنة نالت من الحريات الإعلامية، كما من استقلال القضاء.

لا يماري أحد تقريباً أن فساداً نال من الهيئة القضائية، صدقيتها وعدالتها، حال دون المضي قدماً فى البت بقضايا اغتيالات تتهم «النهضة» بالتورط فيها وقضايا أخرى تنطوي على شبهات فساد.

التطهير ضروري، هذا مما لا شك فيه، الاعتراض الأساسي أن يجري ذلك بمرسوم من رأس السلطة التنفيذية، دون ملف تأديبي أو جزائي، أو أن يكون إعفاء عشرات القضاة عشوائياً بلا قواعد وأصول متبعة.

دخل أكثر من (90%) من قضاة تونس فى إضراب عام تمدد حتى الآن لأسبوع ثالث، وهو وضع لا يحتمله بلد مُنهك اجتماعياً ومأزوم سياسياً.

لم تكن تونس في حاجة إلى توتير إضافي للاحتجاجات السياسية التي تنمو بالتدريج على خلفية الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء على دستور جديد اقترحته «الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل الجمهورية الجديدة»!!

الأخطر من ذلك كله أن شبح الانفجار الاجتماعي غير مستبعد على خلفية تردي الأوضاع الاجتماعية واتساع دائرة الفقر ومخاوف الاستجابة للإصلاحات القاسية التي يطالب بها صندوق النقد الدولي.

كان لافتاً أن الاضراب العام، الذى دعا إليه الاتحاد العام للشغل، نجح بصورة لا يمكن إنكارها، أو تجاهل رسائلها.

تقليديا يعتبر اتحاد الشغل رمانة الميزان فى حسم صراعات السلطة.

دَعمَ الإجراءات الاستثنائية قبل أن يغير بوصلته بأثر السياسات المتبعة إلى المعارضة الصريحة.

هذا إنذار لا يمكن تجاهل رسائله إلى المستقبل المنظور.

في كل تلك التفاعلات الصاخبة مالت «النهضة» إلى شيء من الانزواء، باستثناء مداخلات مصورة لـ«الغنوشي» وبيانات متباعدة باسمها.

تشارك بقوة في المشهد الاحتجاجي دون أن تعلن عن حضورها خشية خسارة معركتها مقدماً.

إنه إقرار صريح بقدر تراجع شعبيتها وأوزانها وكراهية أدوارها في السلطة.

إذا ما عادت «النهضة» يوماً إلى ما كان عليه من قوة وشعبية فإن الفضل يُنسب في هذه الحالة إلى الأخطاء الفادحة التي يرتكبها الرئيس التونسي.

هناك ميل سياسي عام لمقاطعة الاستفتاء على الدستور المقترح ونزع أية شرعية عنه.

لا أحد اطلع حتى الآن على مسودته، كلها تسريبات وبعض ما هو مسرب مزعج بالفعل مثل إلغاء الحق في الإضراب على ما حذر اتحاد الشغل.

هناك مخاوف حقيقية من أي انقضاض محتمل على الحريات العامة، الإنجاز الرئيسي شبه الوحيد للثورة التونسية، والعودة بصورة أو أخرى إلى ما قبلها.

حسب تصريح رئيس الهيئة المكلفة بوضع الدستور فإن نظام الحكم لن يكون رئاسياً ولا برلمانياً، وأنه سوف يكون تونسياً محضاً!

هذا الكلام لا يؤسس لأوضاع مستقرة ولا لنظام حكم يطلب الثقة العامة. الدستور موضوع توافق واسع، وهو ما يغيب بفداحة في الحالة التونسية المستجدة.

من هنا إلى (25) تموز/ يوليو سوف تشهد تونس فوراناً سياسياً واجتماعياً دون أن يكون أحد مطمئناً على مستقبلهـا.

* كاتب صحفي مصري

المصدر: الشروق

التعليقات مغلقة.