
مرهف الزعبي *
إذا نظرنا إلى الخريطة الجيوبولوتيكية للعالم لوجدنا أنًّ الحكام العرب؛ هم الأضعف دولياً على مستوى التنظيم، والتأثير، والقوة رغم امتلاكهم لموقع جغرافي يتوسط العالم، ناهيك عن امتلاكه لموارد بشرية، وثروات باطنية، وحيوانية هائلة، ومنتجات، وغلال زراعية وافرة، ومتنوعة، واستراتيجية. الأمر الذي يجعلهم في مصافِ الدول التي لو سخرت مواردها، واستثمرتها بالشكل الأمثل لوصلت إلى قوة إقليمية عظمى. فبقوا، ودولهم، وشعبهم، في موقع المتلقي السلبي لما يحصل في العالم. فقد تأثروا أكثر مما أثروا، وأضعفوا الشعور العربي، ورهنوا مقدرات شعوبهم، ودولهم لقوى الشر العالمية التي تسيطر عليهم، وتوجههم وفقاً لمصالحها. ونسوا، أو تناسوا بأن التفاعل السلبي ما بينهم وبين شعبهم كان دائماً السمة الغالبة على أنماط العلاقات فيما بينهم.
ومن مراجعة بسيطة لحقيقة العلاقات التبادلية ما بين الحكومات العربية المتعددة، والمتباينة، والشعب العربي الواحد من محيطه إلى خليجه؛ فإننا نجد هشاشة الصلة ما بين الاثنين. فالأولى أتت إلى السلطة بطرق غير شرعية، ووُلدت عن طريق الانقلابات، والدعم الخارجيين، فكانت بعيدة كل البعد عن القاعدة الجماهيرية التي فقدت حريتها باختيار من يمثلها، وحكمت شعبها بالحديد، والنار، واستبعدتها في حق تقرير تمثيلها في الحكم، والقيادة.
ومن خلال ما يعيشه الشعب العربي بشكل عام، والسوري بشكل خاص؛ نجد أنَّ الإرادة الدولية للدول ذات الوزن الثقيل هي التي تنتهك القانون الدولي بغير سند شرعي، وهي التي تفرض ما تشاء من الحكام، والمعارضات بذرائع مختلفة لم تعد تنطلي على الشعب العربي. ولم يكن آخرها من جاء على ظهور دبابات القوى الاحتلالية في العراق، أو عن طريق الانقلابات العسكرية كما في مصر.
فأقصت قوى الهيمنة العالمية تطلعات الشعب العربي في اختيار ممثليه الشرعيين، وضربت قيم الديمقراطية بعرض الحائط دون أن تقيم أي اعتبار لعشرات الملايين المقموعين في الدول العربية ذات النظم الشمولية، ومئات آلاف الضحايا. وملايين المشردين نزوحاً، وتهجيراً، وجوعاً. وأنَّ الوصاية، والتحكم الخارجيين هما أكثر ما تسببا في استبداد الحكام العرب على الشعب العربي، فأضعفا دولهم، وأضاعا قراراتها.
كثيراً ما ذهب هؤلاء منذ انطلاقة ثورات الربيع العربي للاستقواء بالخارج كي يحموا أنفسهم من السقوط، أو يصدًّوا رياح التغيير، أو يبرروا تطبيق قانون الطوارئ لوقت طويل. فكشفت هذه الثورات، وعلى رأسهم الثورة السورية حقيقة النظم العربية، والنظام الدولي الذي ضلَّل الرأي العام العالمي بسياسته المخادعة، فأظهرت التقاربات، والتحالفات الحميمة بين ما يُسمى الأعداء كثالوث إيران- إسرائيل- وآل أسد في سورية، كشفت العلاقات الوثيقة والصداقات القوية فيما بينهم. ولم يكن آخرها عبور ثلاث ناقلات نفط إيرانية نحو سورية أمام شواطئ إسرائيل لتصل لنظام الحكم في سورية رغم فرض حصار اقتصادي على الأخيرة، ورغم العداء الظاهري فيما بين حكام هذه الدول، وميلشياتها العراقية، واللبنانية التابعة لها تجاه إسرائيل والولايات المتحدة. في حين لم تستطع المنظمة الأممية بأن تطلق صراح معتقلين سوريين من أقبية المسالخ البشرية عند المجرم بشار، أو تفرض قيود لفك الحصار عن المدنيين المحاصرين من قبل مافيات أسد، وشبيحته.
ومن مراجعة بسيطة لأحداث ثورة الحرية، والكرامة؛ لا يستطيع أحد بأي مقام يقوم فيه أن ينفي التآمر العالمي على الثورة، والشعب السورييَّن. ولا يستطيع أحد أن ينكر أننا عندما كنَّا مستقلين بقراراتنا، ولم نكن أوصياء عند أحد، ولم نتلق الدعم من أحد؛ حققنا ما لم تتوقعه دول، وأجهزة مخابرات من انتصارات، وتسارع تحرير لمدن، وقرى، ووحدات عسكرية تابعة لأسد. وهذا ما يؤكد بأنَّ عزيمة الثوار أقوى من الإرهاب المتعدد الذي مورس ضدهم منذ بداية الثورة وحتى حينه، وأنهم قادرون بمفردهم على تحقيق أهداف ثورتهم، وتطلعات أبنائهم.
ففاقت بطولة، وشجاعة ثوار سورية كل تصور. فلم يخطر ببال أحد أن يجابه الشعب السوري الحر مخابرات، وجيش، وشبيحة دكتاتور مجرم كبشار أسد بصدورٍ عارية، ومن ثم التصدي لهؤلاء المجرمين القتلة، ومحاربتهم، وتحرير أكثر من ثمانين بالمائة من سورية بأسلحة فردية، ومتوسطة رغم وجود آلاف الدبابات وملايين الذخائر المكدَّسة في المستودعات منذ عقود. ولم يتم توجيهها إلا على الشعب السوري الأعزل. وكادت دمشق أن تتحرر، ويسقط حكم الأسد فيها. لولا تدخل دول عربية، إقليمية، ودولية على الخط مباشرةً لتحميه من الانهيار عبر حلول سياسية، عن طريق بيانات كبيان جنيف1، ومؤتمرات، وإنشاء مجالس، واتحادات، وهياكل كرتونية ضللت بهم الشعب السوري الحر، ووظفت ضعاف نفوس، وأشخاص غير سوريين بالانتماء في هياكل ضد تحقيق أهداف الثورة كالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وما نتج عنهم من موبقات، وانتكاسات، وكوارث عبر أعضائه، ولجانه، ومنصاته، وهيئاته التي أنشأها أعداء الثورة. فأضرت بالأخيرة، فكانت تصب في صالح حكم بشار أسد.
فبدأ التدخل جلياً ضد الثورة السورية من خلال وفود جامعة الدول العربية برئاسة “الأخضر الإبراهيمي” لزيارة المناطق الثائرة، تتبعها مباشرةً وفود المنظمة الأممية برئاسة الجنرال “روبرت مود” للقاء الثوار، وحاضنتهم. ولم نستطع وقت ذاك رغم ضغوطاتنا عليهم بأن نُخرج معتقلاً واحداً، أو نفك الحصار عن المدن الثائرة، أو نأخذ منهم عهداً بدعم ثوار سورية في مواجهة جرائم أسد، وآلته العسكرية بفرض حظر جوي يتيح للضباط الأحرار الانشقاق بعناصرهم، وعتادهم. وهذا ما يدين المنظمة الأممية بالتغطية على جرائم بشار، ومشايعيه ضد ثوار سورية، وحاضنتهم. فكان جُلَّ هدفهم إيجاد نقاط تلاقي بين الثوار وأسد، تتفادى من خلالها انهيار حكم الأخير، وبقائه في السلطة. كما أنَّ التواصل كان يتم بطرق مباشرة مع الثوار المتواجدين على الأرض، الرافضين لأية حلول سياسية، أو تسويات تصالحية مع أسد. ولم تنجح زيارات الوفود بلقاءاتهم المباشرة مع الثوار في تلك الفترة بتحقيق مآربهم لثني سواعد الثوار عن إيقاف المظاهرات والأعمال الثورية ضد قوات بشار. لتنتقل القوى الممسكة في ملف الثورة السورية إلى الاختراقات، وتجنيد الجواسيس، وشراء الذمم عبر الدعم المالي، العسكري، والإغاثي.
نوجِّه رسالتنا إلى القوى العالمية ونقول لهم: إنَّ الشعب السوري الثائر والمتميز بوعيه، والمتسلح بإيمانه بأهدافه، قادر على إحباط المؤامرات، والاتفاقيات التي أبرمت بأدوات تشغيلية. وأنه قادر على اختيار قادة لثورته، من دون وصايات، أو توجيهات من أي جهة. ونذكرهم بأنَّ التدخل في الشؤون الداخلية للدول تتنافى مع مبادئ القانون الدولي العام، وشرعة حقوق الإنسان، والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان. كما أنَّ اختيار ممثلين عن الشعب حكماً، أو تمثيلاً؛ يجب أن يكون باستقلالية بعيداً عن الوصايات الخارجية، وإملاءاتها التي تقودها قوى الشرور العالمية.
* كاتب وإعلامي وناشط سوري
المصدر: صفحة الكاتب على وسائل التواصل
التعليقات مغلقة.