الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في فلسطين أيضاً… هناك إنسان ومقدسات

لطفي العبيدي *

كل المراحل التي تلت لحظة مباركة الحاضنة الغربية لقيام الكيان المغتصب للأرض، ذهبت في اتجاه فرض سياسة الأمر الواقع من جانب بريطانيا وأمريكا أساسا، بهدف تفكيك المشروع العربي لصالح المشروع الصهيوني، اللبنة الأساسية التي أرادوها وسيلة للسيطرة والهيمنة، متخذين من تهويد فلسطين وتحويلها إلى قاعدة متقدمة حجر الزاوية في المخطط الغربي الاستعماري، الذي يعادي النضال التحرري الوحدوي العربي.

ومنذ ذلك الحين، لم تعمل أمريكا ولو للحظة على دعم استقلال فلسطين، وإنّما زادت في تمتين الاستعمار، وترسيخ الاستيطان عبر سياسة «الفيتو» ومساندتها المطلقة لإسرائيل، وتهميشها لكل مبادرات السلام، وقرارات الشرعية الدولية.

وما تدعيه الولايات المتحدة من نزاهة وصدقية وحفظ السلم في العالم، ليست إلا أكاذيب تروّجها لإحكام قبضتها وسيطرتها على الشعوب، وبالتالي استنفاد خيراتها واستعبادها.

والكثير من العمليات الإرهابية التي قامت بها إسرائيل وبتأييد مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، رافقتها التصريحات والمواقف التي كانت تقف وما زالت إلى جانب كيان الاحتلال. يبدو أنّهم يصرّون على أن لا ينتهي زمن «نحن الأسياد وأنتم ماسحو الأحذية». ومثلما استنتج تشومسكي، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تمثلان أكبر تهديد للسلام العالمي من خلال لجوئهما دائما للعنف والاعتداء، ومبادراتهما الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط. كما أن إسرائيل هي واحدة من أكثر الكيانات نفورا ورعبا بين بلدان العالم. وتقرير «هيومن رايتس ووتش» الصادر بتاريخ 27 إبريل 2021، تضمن نتائج تحقيقات ميدانية، تؤكد ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي جرائم ضد الإنسانية، مثل جريمة الفصل العنصري، وجريمة اضطهاد الشعب الفلسطيني. وقد خلص التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تعتمد سياسة شاملة للإبقاء على هيمنة الإسرائيليين اليهود على الفلسطينيين في جميع أنحاء إسرائيل والأراضي المحتلة. ومع ذلك فإنّ مثل هذه التقارير التي تصدر عن منظمات حقوقية وازنة، لا يعتد بها لدى «العالم الحر». لأنّها وبكل بساطة لا تخدم المشروع الغربي والصهيوني، وهي تلفت الانتباه لانتهاك بحق فلسطين والعرب، وهؤلاء ليسوا على أجندة رعاة حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات. وعلى الأغلب ليس هناك تأنيب ضمير، على صمت تجاه قمع وحشي ما زال متواصلا إلى الآن أمام أنظار العالم. هي وصمة عار تفضح ما يدّعونه من قيم إنسانية، ودفاع عن الحرية واحترام لحقوق الإنسان. ورغم توفر الأدلة في معظم الحالات من توثيق لكاميرات مراقبة، ونقل مباشر بالصوت والصورة وغيرها، فإنهم لا يضغطون ولو مرة على السلطات الإسرائيلية الاستيطانية، التي لا تلاحق المجرمين ولا تحاسبهم، لمجرد كونهم مستوطنين يهودا، في حين عندما يقع اعتداء من اليهود على المقدسيين، ويدافعون عن أنفسهم من مختلف الاعتداءات الوحشية، يتم اعتقال المقدسيين ولا يحاسب اليهود المستوطنون. كذلك عندما تردّ المقاومة، فإنّها تصنف إرهابية في نظر الغرب والقوى الداعمة للمشروع الاستعماري الصهيوني، ولا يلاحق مجرمو الحرب الذين يقتلون المدنيين ويقصفون الأطفال والشيوخ ويهدمون المنازل.

أن لا يتعاطف العالم الغربي مع فلسطين، ويطغى الصمت على ممارسات استعمارية وحشية، تعالت الأصوات الغربية سابقا، وتتعالى إلى الآن على مآسي شبيهة بها أو أقلّ منها حدّة، أمور لم تعد تثير الاستغراب.. ولامبالاتهم الصامتة، القديمة والثابتة إزاء شعب يتعرّض إلى الظلم بالقوّة، هي مسألة مفهومة. فهم من تسببوا في زرع هذا الكيان الغاصب، ويوفرون له كل أشكال الدعم، ومكّنوه من أسباب البقاء، ضمن معركة أيديولوجية متواصلة، يتحوّل الكذب فيها إلى وسيلة مشروعة، وتُستخدم الحجج الأخلاقية لتسويغ القرارات التعسفية، وتعطيل الشرعية الدولية، وإعطاء سلوكهم الشائن شكلا مقبولا، أخذا بالاعتبار ما دأبوا عليه من التلاعب بالرأي العام العالمي على قاعدة أنّه لا يمكن خلق تعاطف مع قضية إذا لم يكن لها أساس في نظرهم، هم الذين يزوّرون التاريخ ويشوهون الحاضر، لكن غير المفهوم هو مثل هذا الصمت العربي والإسلامي، وكأنّ القضية لم تعد تعني شيئا بالنسبة لهم. لا يلتفتون إلى حالة التردي والمعاناة التي يعيشها سكان غزة والقدس والضفة، والانتهاكات اليومية، وتدنيس الأماكن المقدسة، ومقايضة السلطة الفلسطينية وابتزازها، وخنقها ماديا، ودفعها للتنازل. لماذا لا يعفون الفلسطينيين، سلطة وشعبا، من هذا الحصار الاقتصادي والمالي الذي يجعلهم تحت رحمة الاحتلال، ويعزّز الإكراهات التي توسع الهوة بين الفلسطينيين، وتتسبب في الانقسامات الداخلية. غريب أنّه لم يسبق أن كان الموقف العربي بمثل هذا القدر من العجز والشلل التام، في علاقة بالقضايا القومية والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص. ولماذا لا يستغل العرب المتغيرات الدولية وتحولات النظام العالمي؟ لا شيء من هذا أو ذاك يحدث، بل تتواصل ضبابية الرؤية وغياب الاستراتيجية والتغافل الكلي عن التحوّلات الإقليمية والدولية الكبرى. وكأنّهم ما زالوا يعيشون في عالم أحادي القطب، أو يريدونه أن يظل كذلك. يمضون قدما في خططهم الرامية إلى التطبيع، ثمّ يبيعون الكلمات التي لم تعد تقدّم شيئا للشعب الفلسطيني. ومثل هذه الأنظمة التي تأتمر بأوامر واشنطن من الطبيعي أن تقف عند حدود التنديد وبيانات العاجز التي لفظتها الشعوب.

أمام متغيرات دولية توصف بالارتباك الاستراتيجي والخطر العالمي، وفي ظل قانون دولي لايزال محاصرا وضعيفا، وشرعيته مثار التباس وريبة، يتواصل تلاشي مشروع تطوير النظام الاقليمي العربي. ويتناسى العالم فلسطين، خاصة دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتفعل إسرائيل ما تريد، تدنّس المقدسات، وتستفز مشاعر المقدسيين بطريقة عنصرية مقيتة، بعد أن تجرأت هي وراعيتها أمريكا على اعتبار فلسطين ضيعة تُعرض في مزاد الصفقات. وما دمنا في عالم لا يعترف إلا بمنطق القوة، وسياسة الأمر الواقع على الأرض. فإنه لا بديل عن خيار المقاومة بمختلف أشكالها، فهي الموجعة لكل مستعمر عبر التاريخ، وهي الوحيدة التي تفرض أهدافا سياسية ووطنية، بما يكفل استرداد الحق المسلوب.

* كاتب تونسي

المصدر: القدس العربي

التعليقات مغلقة.