الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أساطير أوكرانيا من “القديسة جافلين” إلى “الريغانية”!

سميح صعب *    

في السرديات الغربية أن الفضل في إسقاط الإتحاد السوفياتي يُعزى إلى الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، لأنه هو من وصف الإتحاد بـ”إمبراطورية الشر” وأطلق “حرب النجوم” ليكسر قاعدة “الردع النووي المتبادل” وزوّد “المجاهدين” الأفغان بصواريخ “ستينغر” التي أحدثت فارقاً في الحرب، وجعلت موسكو تفكر في الإنسحاب، ومن ثم حصل الانهيار.

جو بايدن يحاول الآن أن يكون رونالد ريغان القرن الحادي والعشرين، فيسحب التجربة الريغانية في أفغانستان على أوكرانيا، معتمداً على عقوبات غربية غير مسبوقة على روسيا.. وعلى تزويد كييف بـ”أسلحة فتّاكة” في مقدمها صواريخ “جافلين” المضادة للدروع التي بحسب التقارير الغربية حالت حتى الآن، دون اقتحام الدبابات الروسية للعاصمة كييف أو للمدن الكبرى، وبدأ الأوكرانيون يطلقون عليها لقب “القديسة جافلين”. وإلى “جافلين” التي صارت رمزاً أساسياً من رموز الحرب، تُرسل واشنطن أيضاً صواريخ “ستينغر”، إلى الطائرات المسيرة من الطراز “الإنتحاري”، إلى منظومة صواريخ “إس-300” المضادة للطائرات السوفياتية/الروسية الصنع. ويبدو أن بايدن لن يترك حجراً إلا ويقلبه بحثاً عن هذه الصواريخ، وكأنه يريد أن يهزم روسيا بسلاحها.

وكي لا يترك بايدن الجمهوريين يزايدون عليه في حب أوكرانيا، بلغت المساعدات العسكرية الأميركية لكييف في غضون الأسابيع الأخيرة أكثر من ملياري دولار.

ولهذه الخطوات صلة مباشرة بسعي الرئيس الأميركي إلى إعادة ترميم شعبيته التي انهارت بعد الإنسحاب من أفغانستان، وبفعل زيادة التضخم في الداخل الأميركي في سنة الإنتخابات النصفية، التي كانت التوقعات ترجح فوزاً ساحقاً للجمهوريين فيها، مقدمة لعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2024. وأتت أوكرانيا لتشكل حبل النجاة لبايدن والديموقراطيين، الذين يعتبرون أن في إمكانهم قطف ثمار التعبئة الواسعة ضد روسيا، في صناديق الاقتراع في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وكلما اقترب موعد الإنتخابات النصفية، لن يتردد بايدن في تقديم المزيد والمزيد من المساعدات لأوكرانيا والتصعيد أكثر في وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حد وصفه بـ”مجرم حرب”، عاكساً ما ردّده دائماً في خطاباته من هذه الحرب هي “حرب بوتين”، في إشارة إلى أنه لا يستهدف روسيا كبلد وإنما قيادتها، التي سارت بها إلى الحرب.

وفي ذروة المواجهة مع روسيا، لا ينسى بايدن الصين التي كان يعتبرها همه الأساسي منذ دخول البيت الأبيض، لذا فهو يكثر من إطلاق التحذيرات من مغبة إقدامها على إنقاذ روسيا من ورطتها في أوكرانيا، من طريق تقديم أي مساعدة عسكرية أو اقتصادية لها، ويطالبها بأكثر من ذلك، وهو التعبير عن إدانة علنية للغزو الروسي والخروج من المنطقة الرمادية التي تتظلل بها الصين منذ 24 شباط/ فبراير الماضي. ويضع بايدن الميزان التجاري المختل لمصلحة الصين بنحو 360 مليار دولار، فضلاً عن الاستثمارات الصينية في سندات الدين الأميركي والتي تفوق التريليون دولار، على المحك. وفي الخلاصة إما أن تكون الصين مع الغرب فتنقذ اقتصادها أو تختار روسيا فتتحمل العواقب. هذه خلاصة المكالمة الهاتفية عبر الفيديو يوم الجمعة الماضي بين بايدن والرئيس شي جين بينغ، والتي سبقها اجتماع الساعات السبع في روما بين مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان والمسؤول عن السياسة الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني يانغ جيشي.

ومن الأوراق الرابحة في يد بايدن، هو الموقف الأوروبي الموحد خلفه في المواجهة مع روسيا. ولإجراء مقارنة سريعة في ما يتعلق بالتبدل الذي طرأ على هذا الموقف، لا بد من الإشارة إلى أنه عندما زار بايدن أوروبا في حزيران/ يونيو من العام الماضي، لقي استقبالا فاتراً من زعمائها، لأن الحلفاء كانوا لا يزالون تحت صدمة الإنسحاب الأميركي من أفغانستان، مما غذى الشكوك لديهم بمدى جدية بايدن في وضع شعاره “أميركا عادت” موضع التنفيذ، بالاستناد إلى الاستياء الذي تولد لديهم من قرار الإنسحاب المتعجل من أفغانستان والإجلاء الفوضوي الذي رافقه.

هذا كله قاد زعماء أوروبيين وفي مقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل، إلى إعادة إثارة مسألة “الاستقلال” دفاعياً عن الولايات المتحدة، لا سيما بعد الشرخ الكبير الذي أصاب العلاقات بين ضفتي الأطلسي في ظل رئاسة دونالد ترامب.

وعندما اقترح بايدن على حلفائه في بروكسيل العام الماضي أن ينضموا إليه في حملة احتواء الصعود الصيني، وجد صدوداً وتردداً، كيف لا وبكين هي الشريك التجاري الأول للاتحاد الأوروبي. وبالكاد تمكن بايدن من إقناع قادة مجموعة الدول الصناعية السبع بإطلاق مبادرة بمئات مليارات الدولارات لمواجهة ما يربو على تريليون دولار تنفقها بكين على مبادرة “الحزام والطريق” التي تشمل ما يربو عن 60 دولة.

بعد أوكرانيا، سرعان ما تبددت أجواء الشك وعدم اليقين بين أميركا وأوروبا، وتوحد الجانبان على نحوٍ لم يعهداه منذ الحرب الباردة. واستبق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قدوم الرئيس الأميركي إلى بروكسيل، بتبييض صفحة حلف شمال الأطلسي، بالقول إن أوكرانيا كانت بمثابة “صدمة كهربائية” أيقظت الحلف من موته السريري، في استدراك لما قاله عام 2019. والمستشار الألماني أولاف شولتس يستقبل بايدن بإنفاق دفاعي سنوي يزيد عن 110 مليارات دولار (أي ضعف الموازنة الدفاعية لروسيا تقريباً)، والتفكير بشراء مقاتلات “إف-35” الأميركية. وبالكاد تختلف لهجة جوزيب بوريل عن لهجة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، وإذا بالفوارق تذوب بين تكتل اقتصادي وحلف عسكري.

ويذهب الأوروبيون أبعد من ذلك، فهم نزولاً عند رغبة بايدن، بدأوا التفتيش عن بدائل للنفط والغاز الروسيين، وشرعوا في وضع الجداول الزمنية التي يفترض أن يحين معها موعد “الفطام” عن موارد الطاقة الروسية، والتعبير لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الذي يتصرف أيضاً وكأن “بريكست” لم تكن، بينما كان حتى الماضي القريب يتبادل التهديدات مع فرنسا على خلفية حقوق الصيد.

وفتحت الدول الأوروبية أبوابها للملايين من اللاجئين الأوكرانيين من دون تذمر أو شكوى، ولم تكن هذه هي الحال مع اللاجئين الأفغان الفارين من وجه طالبان العام الماضي، أو قبلها مع اللاجئين السوريين والعراقيين. وبصرف النظر عما إذا كانت ثمة دوافع عنصرية، فإن أمر العمليات الأميركي يقضي باستقبال الأوكرانيين وإكرام وفادتهم، كي لا يتسنى للرئيس الروسي استخدام اللاجئين سلاحاً في الحرب على أوكرانيا.

وتتسابق الدول الأوروبية على فتح برلماناتها أمام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ليتحدث أمامها ويشرح قضيته ويكرر طلبه من حلف شمال الأطلسي بفرض منطقة حظر للطيران فوق بلاده، ومن الإتحاد الأوروبي تسريع عملية انضمام كييف إلى الإتحاد. ويبدو الأمر أحياناً وكأن زيلينسكي مقتنع فعلاً بأن الغرب مستعد للموت من أجل أوكرانيا وليس العكس.

الموقف الأوروبي الموحد الذي يتجه نحو زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، يُسعد ولا شك بايدن، لأنه يتيح له الاستمرار في حشد ما يكفي من القوات التقليدية في المحيطين الهادئ والهندي في مواجهة الصين، بينما يتولى الأوروبيون تعزيز قواتهم على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.

طبعاً، كل الإجراءات التي يتخذها بايدن الآن تقوم على افتراض أن روسيا وقعت في الفخ الأوكراني، وأن أمامها سنوات من الاستنزاف العسكري معطوفاً عليها العقوبات الغربية، وهذا كفيل بجعلها تواجه كارثة استراتيجية مشابهة لتلك التي تلقتها بتفكك الإتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود من الزمن.

هل في إمكان الولايات المتحدة الوصول إلى غايتها؟ ذلك يتوقف على الميدان الأوكراني قبل كل شيء.

* كاتب وصحافي لبناني

المصدر: 180 بوست

التعليقات مغلقة.