
عبد الله السناوي *
تحت وطأة الأزمة الأوكرانية وتداعياتها المحتملة يجد العالم نفسه مندفعاً إلى ما يشبه المتاهة، البوصلات شبه معطلة والرهانات معلقة على مجهول.
أين نقف وكيف نتصرف؟
هذا السؤال اعترض دبلوماسيتنا فى الجلسة الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي نظرت لقرار إدانة التدخل العسكري الروسي فى أوكرانيا بعدما فشل مجلس الأمن في استصداره بقوة الفيتو الذى تمتلكه.
تساعد مداخلات وأجواء واتجاهات التصويت في فهم ما جرى، وما قد يجري من تفاعلات وتحولات فى بنية النظام الدولي المأزوم.
بظاهر الأرقام، لاقت موسكو هزيمة دبلوماسية لا سبيل إلى التقليل من أثرها الفادح على صورتها، رغم أن القرار بذاته غير ملزم، حيث وافقت (141) دولة على الإدانة مقابل (5) دول، فيما امتنعت (35) دولة عن التصويت.
وزير الخارجية الروسي «سيرجى لافروف» عزا تلك الهزيمة الدبلوماسية إلى حجم الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة وحلفائها بالترهيب والابتزاز.
هذه نصف الحقيقة، النصف الآخر أن روسيا فشلت على نحو ذريع أن تحشد الدول القريبة منها بالتاريخ أو بالمصالح، التي يفترض أنها حليفة، أو مستعدة لتفهم روايتها للأزمة وأسبابها الأمنية.
إذا ما استثنينا روسيا نفسها مع حليفتها بيلاروسيا المتهمة بالضلوع معها فى نص القرار الأممي، فإن الذين صوتوا بـ«لا» ثلاث دول: سوريا وكوريا الشمالية وإريتريا!
خسرت موسكو معركة الصورة بالتضييق الإعلامي وحملات التشويه، التي طالت كل شيء حتى نالت من الإرث الثقافي والفكري والحضاري للأمة الروسية، فكل ما هو روسي ممنوع تدريسه حتى روايات أديبها العظيم «ديستوفيسكي»، كما حدث فى بعض الجامعات الإيطالية.
الهيستريا نفسها نالت من فنون رفيعة كالأوبرا والبالية والموسيقى الكلاسيكية، كأنها مكارثية جديدة فى قلب أوروبا تطارد فكرة الحضارة نفسها.
هذه قضية الإنسانية المعاصرة، قبل روسيا وبعد روسيا.
إذلال روسيا بالتهميش والعزل والعقوبات المفرطة يؤسس موضوعياً لحرب عالمية ثالثة سوف تكون نووية هذه المرة.
لم تكن مثل هذه الهزيمة الدبلوماسية ممكنة، أو متخيلة، فى زمن الاتحاد السوفييتى السابق، الذي تمتع بنفوذ سياسي واستراتيجي وعسكري وأيديولوجي.
لم تنجح موسكو طوال سنوات ما بعد الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتى، فى بناء نموذج سياسي ملهم ومؤثر، ولا بَنَت دولة مؤسسات حديثة تصوب القرار السياسي وفق التحديات الماثلة.
ولا كانت الهزيمة الدبلوماسية تعبيراً عن موازين القوة الحالية بقدر ما كانت انعكاساً لفوضى الحسابات والمواقف فى نظام دولي قديم، لا يريد أن يخلي مواقعه دفاعاً عن مصالحه ونفوذه فيما الجديد لم تتضح معالمه أو تبلورت قواه.
بالنظر فى قائمة الدول التي امتنعت عن التصويت فإنها تضم أكبر دولتين أسيويتين، الصين والهند بكل ثقلهما الاقتصادي والبشري.
امتناعهما عن التصويت فيه درجة من التفهم للأسباب الروسية، دون استعداد للقفز إلى تحالف قبل استكمال مقوماته خشية أية عواقب وخيمة على مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية.
فى توجهات التصويت بدا العالم الثالث بلا عمود فقرى سياسي قادر على تحمل أية ضغوط قبل اتخاذ قرار مستقل.
قائمة الذين امتنعوا عن التصويت ضمت كتلة يعتد بها من القارة الإفريقية، بينها دول لم يكن متصوراً أن تصوت على هذا النحو مثل إفريقيا الوسطى وغينيا الاستوائية ومدغشقر ومالي وناميبيا.
كان لافتاً أن دولة كباكستان تربطها علاقات صداقة وتحالف مع الغرب منذ استقلالها امتنعت عن التصويت، فيما بدا أنه نزوع للخروج عن السرب الأمريكي واحتذاء للجارة اللدودة الهند، لكن لأسباب أخرى تستحق الإجلاء فى عالم مضطرب فى مواقفه وحساباته.
كما كان لافتاً أن إيران، التي بدت أكثر تأهباً واستعداداً للدخول بأي تحالف يضمها إلى روسيا والصين، احتذت الموقف الصيني فى عدم التصويت خشية أية أضرار تلحق بها فى «مباحثات فيينا» لإحياء الاتفاق النووي معها.
هكذا وجدت الدبلوماسية المصرية نفسها داخل متاهة الحسابات المتعارضة.
أين تقف بالضبط؟.. أو كيف تتصرف؟
الأمريكيون والأوروبيون يضغطون عبر قنوات عديدة، قبل أن يتجاوزوا كل أعراف العمل الدبلوماسي بصورة غير مسبوقة!
لم تكن القضية فى استكشاف أين تقف القاهرة، ولا فى الاتصال معها بشأن التنسيق فى المواقف.
الجديد والمثير أن الأمور أفلتت مما هو طبيعي إلى ما هو غير طبيعي باجتماع مجموعة سفراء الدول السبع الكبرى فى القاهرة واستصدار بيان يطلبون فيه من كافة الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة إدانة جماعية لما يحدث فى الحرب الروسية الأوكرانية.
«ليس هناك دولة فى العالم تستطيع أن تقبل المساس بسيادة الآخرين لمجرد أن جارها الأقوى يريد ذلك».
لم تكن لتلك الإشارة أية قيمة وصدقية بالنظر إلى مواقف هذه الدول بالذات إلى قضايا الشرق الأوسط المستباح فى أمنه ووجوده!
تبدت فى البيان إشارتان خطيرتان كأنهما تهديدان أحدهما أمني واستراتيجي والآخر اقتصادي وسياحي.
الأولى: «إن محاولة روسيا زعزعة استقرار النظام الدولي سوف يكون لها صدى أيضاً على منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بما فى ذلك مصر».
والثانية: «إن العدوان الروسي يعني ارتفاع أسعار القمح والسلع الغذائية فى مصر وأفريقيا».. فضلاً عن أنه: «سوف يتعذر على ملايين السائحين الأوكرانيين… القدوم إلى مصر، الأمر الذى يتسبب فى ضرر مباشر لقطاع صناعة السياحة».
فى محاولة للإفلات من الضغوط المتصاعدة، التي شملت دول العالم بلا استثناء، دعت القاهرة إلى اجتماع للجامعة العربية.
شابت ذلك الاجتماع، الذى عقد على مستوى المندوبين، تباينات حادة أفضت إلى موقف وصفه الأمين العام المساعد السفير «حسام زكي» فى حديث متلفز بأنه «حيادي»، «لا نلوم أو ندين ولكننا نرغب فى المساعدة»!
فى تصويت الأمم المتحدة امتنعت ثلاث دول عربية هي الجزائر والعراق والسودان فيما وافقت الدول العربية الأخرى.
كان ذلك تعبيراً مستجداً عن الفجوات العميقة فى المواقف العربية بشأن أية قضية وجودية أو غير وجودية، مهمة أو غير مهمة!
اللافت فى أداء الدبلوماسية المصرية الحيرة التي شابت حركتها، صوتت بـ«نعم»، وأفاضت كلمة مندوبها فى ذكر الأسباب التي دعتها لاتخاذ هذا الموقف، قبل أن تعود لتخفيف أية آثار سلبية محتملة فى العلاقات مع روسيا إلى تبنى موقف آخر ترجمته المفترضة: «الامتناع عن التصويت».
أهم ما جاء فى إيضاح الخارجية المصرية: «أنه لا ينبغي غض الطرف عن بحث جذور ومسببات الأزمة الراهنة»، فيما يعنى نوعاً من التفهم للمخاوف الأمنية الروسية وشرعيتها.
وأقوى ما فيه: «رفض توظيف منهج العقوبات الاقتصادية خارج إطار آليات النظام الدولي متعدد الأطراف من منطلق التجارب السابقة، التي كان لها آثارها الإنسانية السلبية البالغة وما أفضت إليه من تفاقم ومعاناة المدنيين طوال العقود الماضية».
وهو اعتراض صريح من حيث المبدأ على الحصار المفروض على روسيا.
كان ذلك تصحيحاً وضبطاً للمواقف خارج قاعة الجمعية العامة، لكنه ضروري وصحيح ويدعو بمنطقه وظروفه وملابساته لإعادة هيكلة السياسة الخارجية المصرية فى لحظة تحولات عاصفة يقال فيها عن حق إن الأسوأ فى الأزمة الأوكرانية لم يأتِ بعد.
* كاتب صحفي مصري
المصدر: الشروق
التعليقات مغلقة.