الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سورية بين الماضي المشرق والحاضر المؤلم

محمد عمر كرداس

      كانت الدولة العربية الأولى التي تنال استقلالها بعد الحرب العالمية الأولى، وبحدودها الطبيعية أي بلاد الشام، والتي تشمل سورية الحالية وفلسطين ولبنان وشرقي الأردن، فأعلنت المملكة السورية عام 1918 وتوج الملك فيصل الأول ابن الشريف حسين شربف مكة وحاكمها الحجازي ملكًا على سورية، إلا أن الدول المنتصرة في الحرب قررت شيئًا آخر للمنطقة، فبعد أن تأسس المؤتمر السوري الذي نتج عنه البرلمان الأول والدستور الأول للبلاد، جاء القرار بوضع سورية الكبرى تحت الانتداب مع تقسيمها إلى أربع دول فلسطين وشرقي الأردن تحت الانتداب الإنكليزي وسورية بحدودها الحالية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وكان إنذار الجنرال غورو الفرنسي إلى الحكومة السورية بمطالب فرنسا التعجيزية التي انتهت رغم قبول الحكومة لها باحتلال دمشق بعد معركة بطولية قادها قائد الجيش السوري حديث التشكيل وزير الدفاع الشهيد يوسف العظمة في منطقة ميسلون التي تقع على الطريق بين بيروت ودمشق ضد الجيش الغازي.

    خرج المحتل من سورية بعد عدة ثورات ضد احتلاله تُوجت بالثورة السورية الكبرى عام 1925 وأعلن الاستقلال في 17 نيسان/ ابريل 1946، وكما قلنا فقد كانت سورية عام 46 أول دولة عربية تنال استقلالها وكانت من مؤسسي منظمة الأمم المتحدة عام 1945 والجامعة العربية أيضًا.

    بعد الاستقلال نشطت الحياة السياسية والثقافية، وكان دستور عام 1950 متميزًا وديمقراطيًا وطنيًا بشكل كبير، فبرزت الأحزاب ونشطت الصحافة والطباعة وعندما رفع رئيس الجمهورية شكري القوتلي علم الاستقلال قال في كلمته أنه لن يرتفع علم فوق هذا العلم إلاّ علم الوحدة العربية، وهكذا كان، فبعد مرحلة من الاضطراب السياسي ووقوع عدد من الانقلابات العسكرية استمرت لعام 1954، عندما استقر الحكم المدني أصبح التطلع إلى مصر التي قام بها حكم وطني تقدمي لقيام وحدة بين البلدين التي أنجزت في 22 شباط/ فبراير 1958 بإرادة الشعبين كحلم كان بعيد المنال، لتأتي طغمة عسكرية عميلة وتفصم عرى هذه الوحدة الرائدة في 28 أيلول/ سبتمبر 1961 .

    لم يستمر حكم العار أكثر من عام ونصف لتأتي حركة 8 آذار/ مارس 1963 وترفع شعار إعادة الوحدة، وليغدر أحد الأطراف بباقي الأطراف، وهكذا بدأت مرحلة حكم حزب البعث وطغمته العسكرية برفعه شعار التجربة الخاصة التي لم تكن سوى الاستيلاء على الدولة وتحويلها إلى سلطة غاشمة، وبعد عدة انقلابات  ضمن أطراف الحزب الحاكم، استقرت السلطة لحافظ أسد الذي حكم البلد بقبضة أمنية تشكلت من 17 جهاز أمن كلها لتراقب المواطن وتراقب بعضها أيضًا، حكم حافظ أسد سورية بالحديد والنار وبتقريب الفاسدين ومحاربة المواطن بلقمة عيشه، وبعد أن كان الدولار عام 1970 بحدود 5 ليرات سورية أصبح عام 1986 بـ 50 ليرة بعد نهب الخزينة من قبل المقربين والمحاسيب، وكانت مجازر حماة وحلب وجسر الشغور التي استمرت منذ عام 1980 إلى شباط/ فبراير 1982 هي النموذج الأوضح لطريقة حكم هذه العائلة لسورية، والتي استمرت بعد توريث الحكم لابنه الذي قال فيما سمي خطاب القسم عام 2000 أنه سيقوم بإصلاح سياسي واقتصادي، وتجاوبت معه فعاليات سياسية واجتماعية واقتصادية التي رأت فيه بابًا يفتح بعد إغلاق طويل.

    لم يطل التفاؤل كثيرا فالإصلاح الاقتصادي والذي سمي اقتصاد السوق الاجتماعي، تيمنًا بالصين التي أخذت تسمية اقتصاد السوق الاشتراكي، لم يكن سوى انسحاب الدولة من السوق وتركه لحيتان المال ولإملاءات صندوق النقد الدولي فارتفعت الأسعار مما أدى إلى تدهور الزراعة نتيجة غلاء الأسمدة والبذار ومشتقات النفط، وترك الفلاحون في الجزيرة والرقة أراضيهم ونزحوا إلى المدن الكبرى كدمشق وحلب ليشكلوا أحزمة فقر جديدة ولتتفاقم الأوضاع المعيشية ولتزداد سطوة الأمن من جديد.

ومع بداية عام 2011 وتفجر ثورات الربيع العربي في كل من تونس وليبيا ومصر ومع زيادة الاحتقان في الشارع السوري وبعد عدة محاولات للتعبير عن مطالب المجتمع السوري من رفع لحالة الطوارئ وإلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تعطي حزب البعث القيادة الحصرية للمجتمع والدولة، ومع حماقة الأجهزة الأمنية في درعا باعتقال عشرات الأطفال بتهمة الكتابة على الجدران لشعارات معادية للحكم، تفجرت الثورة السورية يوم 18 آذار/ مارس 2011 بمظاهرة غاضبة في درعا تصدت لها أجهزة الأمن بالرصاص الحي حيث استشهد أربعة شهداء كانوا بداية الدم السوري في ثورة الحرية والكرامة والعدالة.

    جميعنا يعرف كيف تصدت الأجهزة القمعية للمظاهرات السلمية التي انتشرت كالنار في الهشيم في كل محافظات ومدن وقرى سورية وكيف تصدت لها الأجهزة القمعية بأشد الأسلحة فتكًا من الطائرات إلى المدرعات والمدفعية بشكل لم يسبق له مثيل في عالمنا شرقه وغربه إلاّ من الدول المحتلة لذلك أطلق الكثيرون على النظام الطائفي الحاكم اسم السلطة المحتلة، فهي احتلت المدن بالجيش الذي كان واجبه حماية الوطن وإذا به يحول الوطن إلى مقبرة لشعبه بينما المحتل الحقيقي وهو إسرائيل ينعم بالحرية في سماء الوطن وأرضه، مجازر لاتعد ولاتحصى وقتلى بمئات الألوف ومعاقين ومعتقلين أيضًا من الرجال والنساء والأطفال بمئات الألوف ليشرد نصف الشعب بين لاجئ ونازح ومهجر وليستنجد النظام عندما فقد السيطرة على أكثر من نصف البلاد بإيران ومليشياتها وبروسيا الدولة الاوليغارشية الفاسدة لحمايته ضد شعبه وتتبع سياسة الأرض المحروقة التي بدأها النظام لتدمير البنى التحتية والمدن لتدمر معها سبل العيش لتصبح البلد دون زراعة أو صناعة ولا بنية تحتية ولتنهار كل مقومات الدولة ويصبح الدولار الواحد يساوي 3500 ليرة ويصبح راتب الموظف لايساوي أكثر من 20 دولارًا في الشهر، وفي ظل هذا الوضع يصر النظام على الكلام عن السيادة الوطنية بعد أن قام بتسليم المحافظات المنتجة في البلاد إلى مجموعة من الانفصاليين من شذاذ الآفاق من كرد جبال قنديل الإرهابيين الذين تحالفوا مع الأميركان لاقتطاع هذه المحافظات على طريق الانفصال عن سورية ولتصبح مع المناطق الأخرى الخارجة عن سيطرة النظام تشكل أكثر من 40 بالمئة من الأراضي السورية لم تنجح كل تلك السلطات في أن تكون بديلًا للنظام أو مثالًا يحتذى لمايريده الشعب السوري، وإلى الآن يراوغ المجتمع الدولي في تطبيق حتى قراراته التي قبلها الشعب كحد أدنى للانتقال السياسي والإصلاح الدستورى والإفراج عن المعتقلين والكشف عن المختطفين والمختفين قسريًا ليعود النازحون واللاجئون إلى بيئة آمنة وذلك لن يتحقق إلاّ بقيام سلطة وطنية ونظام ديمقراطي يجتث النظام بكل رموزه ومرتكزاته وليخضع كل من ارتكب جريمة بحق الشعب للعقاب الذي يستحق.

    سورية ذات التاريخ المشرق محتلة اليوم من سلطة مافياوية فاسدة لاوطنية، وكما حررها أبناؤها في الماضي سيفعلون ذلك الآن.

المصدر: اشراق

التعليقات مغلقة.