
محمد المنشاوي *
دبلوماسي روسي يعمل فى سفارة بلاده بواشنطن قال لي إن «المعضلة الحقيقية فى علاقتنا بالولايات المتحدة محورها اعتقادهم أن الحرب الباردة انتهت بانتصارهم وهزيمتنا، وعليه يتبنون سلوك المنتصر ويتوقعون منا سلوك المنهزم». وأضاف الدبلوماسي «نحن نرى أن الحرب الباردة انتهت دون إطلاق نار، ودون منتصر ولا مهزوم»، وهذا هو جوهر الخلافات بين موسكو وواشنطن فى العديد من القضايا العالمية، وعلى رأسها مصير أوكرانيا، الدولة المجاورة لروسيا والتي لا يعرف أغلب الأمريكيين موقعها على الخريطة.
وتشتكي روسيا من تطور العلاقات العسكرية بين حلف الناتو وأوكرانيا، فى وقت حذر فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الناتو من أن نشر أسلحة أو جنود فى أوكرانيا يعنى تجاوز «الخط الأحمر» بالنسبة لبلاده، معتبرا أن أي تفكير فى ضم أوكرانيا للحلف سيؤدى لرد قوى وغير مسبوق.
تأسس الناتو (حلف شمال الأطلسي) عام 1949 من 12 دولة، ثم انضمت إليه 4 دول وأصبح العدد 16 دولة عند انتهاء حقبة الحرب الباردة فى بداية تسعينيات القرن الماضي. واحترمت الولايات المتحدة والدول الغربية التعهدات السابقة بعدم ضم أي دول من الأعضاء السابقين فى حلف وارسو، أو من الجمهوريات السوفيتية السابقة للحلف.
وفى 12 آذار/ مارس 1999، وقفت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت مع وزراء خارجية بولندا والمجر وجمهورية التشيك فى بهو وزارة الخارجية لترحب رسميا بانضمام هذه الدول الثلاثة لحلف الناتو.
ثم انضم عدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة للحلف فى عدة مناسبات حتى وصل عدد الدول الأعضاء إلى 30 دولة، ولتصل الحدود الرسمية للحلف للحدود الروسية المتاخمة لإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وبولندا.
واستمر الناتو فى التمدد شرقاً، ويصر الحلف العسكري الأكبر فى العالم، على أن التوسع فى عضويته عملية مفتوحة وأن أي بلد يستوفي معايير العضوية مؤهل للانضمام. لكن هذا ليس تماماً ما تقوله معاهدة تأسيس الحلف التي تنص المادة 10 بها على ما يلى: «يجوز للأطراف، بالاتفاق بالإجماع، دعوة أي دولة أوروبية أخرى فى وضع يمكنها من تعزيز مبادئ هذه المعاهدة والمساهمة فى أمن منطقة شمال الأطلسي للانضمام إلى هذه المعاهدة». الكلمة الرئيسية هنا هي «يجوز» وهو ما يعنى عدم حتمية انضمام أي دولة إلى الحلف.
- • •
من ناحية أخرى، تتنافى إجراءات توسيع الناتو مع التعهدات التي حصل الاتحاد السوفيتي عليها من واشنطن وبقية العواصم الغربية فى خلال مباحثات توحيد ألمانيا عام 1990. وخلال لقاء جمع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جيمس بيكر بالزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف، حول مستقبل الأمن الأوروبي، أطلق بيكر جملة شهيرة «لا بوصة واحدة شرقاً» فى تأكيد صريح لعدم نية واشنطن توسيع حلف شمال الأطلسي- الناتو- شرقاً.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وحالة الضعف التي أصابت روسيا أثناء حكم الرئيس بوريس يلتسن، استغلت واشنطن وحلفاؤها الغربيون ذلك وتمدد الحلف شرقاً فى اتجاه الحدود الروسية.
وتُظهر وثائق رُفعت عنها السرية من الأرشيف القومي الأمريكي، واطلعت عليها شخصياً، أن الرئيس السوفيتي الأخير ميخائيل جورباتشوف، قد تلقى ضمانات أمنية شفهية ضد توسع حلف شمال الأطلسي تجاه الشرق من الرئيس جورج بوش الأب، ووزير خارجيته جيمس بيكر، ومستشار ألمانيا هيلموت كول، ورئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.
ولم يكترث جورباتشوف بطلب تدوين هذه الوعود فى صورة مكتوبة موقع عليها من كل الأطراف كي تصبح وثيقة ملزمة لأطرافها فى المستقبل. ويرى بعض المؤرخين أن تدوين وتوثيق الوعود الأمريكية والغربية كان من شأنه تجنب وقوع أزمة أوكرانيا الحالية.
- • •
وفى الوقت الذى ترتفع فيه الأصوات الداعية لتقديم المزيد من الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا، والتبكير بفرض عقوبات شديدة على روسيا بين كبار مسؤولي إدارة الرئيس جو بايدن، تزداد الأصوات المعارضة للدور الأمريكي فى الأزمة الأوكرانية فى الوقت ذاته.
ويطالب عدد من الخبراء والمعلقين إدارة بايدن بالابتعاد عن التورط فى نزاع لا يخدم المصالح القومية الأمريكية، ويشتت جهود احتواء ومواجهة الصعود الصيني المستمر، والذى يمثل تحدياً هيكلياً للهيمنة الأمريكية.
ومن الشائع فى واشنطن إلقاء اللوم على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية. وعلى الرغم من أن الخبراء والمعلقين يؤمنون أن بوتين لا يستحق أي تعاطف بسبب سياساته الداخلية القمعية، وحملاته ضد المعارضين السياسيين الذين لا يشكلون أي خطر على نظامه، إلا أن أزمة أوكرانيا لا ترجع إلى مواقف بوتين فقط.
من جانبه أشار البروفيسور ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، إلى أن هذه الأزمة كان من الممكن تجنبها بأكملها لو لم تستسلم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون للغطرسة والتمني والمثالية الليبرالية واعتمدوا بدلاً من ذلك على الرؤى الأساسية للواقعية. والواقع أن روسيا ربما لم تكن لتستولي على شبه جزيرة القرم، وأن أوكرانيا سوف تكون أكثر أماناً اليوم، لو اتبعت واشنطن سياسات مغايرة فى حقبة ما بعد الحرب الباردة.
وفى تقدير والت فإن «من اعتقد أنه من الممكن إقناع روسيا بنوايا حلف الناتو الحميدة، وأنه من السهل إقناع موسكو بعدم القلق من تسلل الحلف إلى الحدود الروسية، كان ساذجاً إلى أقصى حد».
وأشار والت إلى أنه لو كان صناع السياسة الأمريكيون قد فكروا فى تاريخ بلادهم وحساسياتها الجغرافية، لكانوا فهموا كيف بدا توسيع حلف شمال الأطلسي لنظرائهم الروس.
وتعلن الولايات المتحدة مراراً وتكراراً أن نصف الكرة الغربي محظور على القوى العظمى الأخرى، وهددت، أو استخدمت القوة فى مناسبات عديدة لجعل هذا الإعلان واقعاً. وإذا كان بوسع الجانب الأمريكي أن يقلق كثيراً بشأن دول صغيرة مجاورة مثل كوبا أو فنزويلا أو نيكاراجوا، فلماذا من الصعب أن نفهم ما يساور روسيا من شكوك خطيرة بشأن اقتراب أقوى حلف عسكري فى العالم من حدودها؟!!.
* كاتب صحفي مصري متخصص في الشؤون الأمريكية
المصدر: الشروق
التعليقات مغلقة.