الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

جدلية – تساقط – المعارضة ، و- إسقاط – النظام

صلاح بدرالدين *

هل من رابط شرطي بين صعود، وهبوط تيارات معارضة في مرحلة معينة ما، في بلد يحكمه نظام دكتاتوري استبدادي مثل سوريا، وبين بقاء، او زوال النظام؟ وبعبارة أوضح هل فشل- المعارضة السورية- بزعامة الإسلام السياسي خلال العشر أعوام الماضية، في تحقيق اهم اهداف الثورة الوطنية السورية بإسقاط النظام، وإجراء التغيير الديموقراطي يعني أن النظام على حق؟ وأن شعار اسقاطه كان خاطئا؟ وأن أهداف الثورة لم تعبر عن إرادة السوريين؟ وأن البديل هو الارتماء بأحضان نظام الاستبداد والهرولة نحو دمشق؟.

ما نشرناه قبل أيام حول الإسلام السياسي ورأس حربته الاخوان المسلمون السوريون (https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=743345)، ودورهم في تصفية الثورة، وحرف المعارضة عن نهجها، وما كتب عن ذلك العشرات من الوطنيين السوريين، لم يكن الهدف منه سوى إجراء مراجعة موضوعية نقدية في مسار، ومآل المعارضة، بغية معرفة ما جرى، والاستفادة من دروسها، وإعادة بناء معارضة وطنية ديموقراطية، ببرنامج سياسي واضح معبر عن إرادة الغالبية من السوريين، واستخدام أفضل السبل لتحقيقه .

فالصراع بين الشعوب من جهة، وبين النظم الاستبدادية، والدكتاتورية، أزلي تاريخي حتى يعم السلام، والوئام، ويزول استغلال الإنسان للإنسان على الكرة الأرضية، وقد نشبت المئات من الثورات التحررية، ومن أجل التقدم الاجتماعي، والديموقراطية طوال التاريخ البشري وانتصر بعضها، وأخفق بعضها الآخر، ولكن الشعوب أعادت الكَرّة مرحلة بعد أخرى، ولم تنطفئ جذوة الكفاح أبداً، فكبرى ثورات العالم وأقصد الثورة الفرنسية التي أرّخت بظلالها على الفكر التحرري في كل بقاع العالم دامت أعواماً حتى حققت أهدافها، ولو جزئياً.

قراءات مختلفة، من منطلقات متباينة:

أصحاب الثورة السورية ، من ثوار، ومتضامنين، وحريصين، والمؤمنين بأهدافها، من حقهم القيام بمراجعة مسارها لفائدة المستقبل، أما المتربصون بها منذ اليوم الأول، والمترددون، والذين أبدوّ نوعاً من التعاطف الشكلي من قيادات الأحزاب الكردية، تحت ضغط الجمهور الكردي، وفي الوقت ذاته تواصلوا مع أجهزة السلطة هؤلاء جميعاً قاموا بدور- الثورة المضادة- والاحتياطي في الخطوط الخلفية، وأساؤوا للشعب السوري، وللكرد، والقضيتين السورية، والكردية كثيراً.

تياران سياسيان كرديان:

لم يعد خافيا حقيقة وجود تيارين سياسيين داخل الحركة الكردية السورية منذ نشوئها، أحدهما كان ومازال موالياً للنظام، ومعادياً لأي تعاون مع القوى الديموقراطية السورية المعارضة، ولنا تجربة طويلة (كحزب الاتحاد الشعبي سابقاً، وكمجموعات وأفراد لاحقاً) في الصراع مع تعبيرات هذا التيار منذ عام ١٩٦٥ وحتى الآن، حول جملة من القضايا الفكرية، والسياسية، والثقافية، والقومية، وفي المقدمة مسالة الموقف من الأنظمة المستبدة الحاكمة، والتي تحسب في خانة اليمين القومي حتى لو تسترت بأسماء (تقدمية ورفعت شعارات مثيرة)، باعتبارها ساومت على الحقوق القومية أولاً، ووقفت مع النظم المتعاقبة المعروفة بمعاداة الديموقراطية، وتوريث الفساد، وتمثيل الطبقات، والفئات الاجتماعية المستغلة للطبقات الفقيرة.

بعض هذه التيارات استقطب شريحة من المتعلمين من موظفين وأصحاب مصالح كانت ومازالت ترى موقعها الملائم مع أي نظام سائد، وفي تجربة حزب الوحدة كما في تجربة (ب ك ك) على الصعيد الاقليمي العام لعب الانتماء المذهبي دوراً أساسياً في موالاة نظام الأسد الطائفي، ممثل أحد تلك التيارات أخطأ التعبير بالقول: (لم نرفع يوماً شعار إسقاط النظام) بدلاً من القول: [لم نخرج يوماً من تحت عباءة النظام، وكنا أوفياء تجاهه، نزوده بكل ما نحصل عليه من معلومات من شأنها إلحاق الضرر به إن كان من الوسط الكردي، أو السوري].

المنتمون إلى تلك التيارات، والأحزاب، ومن بينهم جماعات (ب ك ك) لم يكونوا يوماً بحاجة إلى ذرائع من قبيل فشل المعارضة أو تساقطها حتى يفتحوا النار على الثورة السورية، وأهدافها النبيلة، أو يتباهوا بادعاء الحق، والحقيقة بشماتة، فهم وقفوا ضد تلك الأهداف قبل قيام الثورة بعقود، وعملوا مع السلطات الحاكمة، ومارسوا الازدواجية في مراحل معينة.

قد يمر البعض مرور الكرام على مسألة موالاة، التيارات، والأحزاب الكردية، للنظام منذ عقود، واعتبارها شكلاً من العمل السياسي، ولكن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فمجرد قيامها بالنأي بالنفس عن النضال القومي الذي يعني عدم مواجهة النظام، أو التعامل معه درءاً للاعتقال، والملاحقة، ليس ذلك قمة الانتهازية، والنكص بالوعود، والعهود فحسب، بل مشاركة مباشرة، وغير مباشرة في الوقوف بوجه التيار القومي، والوطني الكردي الصادق الأصيل المعبر عن إرادة الكرد، وكذلك المشاركة في تحمل مسؤولية تنفيذ مخططات الحزام، والاحصاء، وتغيير التركيب الديموغرافي للمناطق الكوردية، والتحول نحو صف النظام، ومشاريعه، ومخططاته المعادية ليس للكرد السوريين فحسب بل لكل فصائل الحركة الكردستانية وخصوصاً الاشقاء في إقليم كردستان العراق، ومنجزاتهم القومية، والديموقراطية الكبرى.

منذ أكثر من خمسة عقود وهذه التيارات اليمينية، والانتهازية، تتوالد في اقبية الأجهزة، وتنشق على بعضها بفعل تبادل التعامل معها من جهة النظام بأكثر من عشرة أجهزة امنية، وكل واحدة منها تتصرف لتحقيق الهدف المشترك: تمزيق الحركة، وإثارة الفتن، وتكريد الصراع، وشهادة للتاريخ اقول: صحيح أننا كنهج نضالي مميز، تعرضنا لمخططات السلطة في الملاحقة، والاعتقال، والحرمان من الحقوق المدنية، والاختراق الأمني، وشق الحزب، ولكننا وللأسف قاسينا الأمرين من بعض بني قومنا ( أحزاباً ومجموعات، وأفراداً) من المتعاملين مع السلطات من تلك التيارات السالفة الذكر.

نعم تساقط المعارضة أمر مؤسف، ولكن بإمكان السوريين تحويل- السقطة- إلى أحد عوامل الاستنهاض، وإعادة البناء، وتنظيم الصفوف، وصياغة المشروع الوطني، وصولاً إلى إسقاط النظام.

* معارض كردي سوري

المصدر: الحوار المتمدن

التعليقات مغلقة.