الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الحاجة لإدوارد سعيد محلي

إيلي عبدو *

يسهل علينا، فيما لو نحينا الانحيازات الأيديولوجية والسياسية والمعرفية المسبقة جانباً، أن ندرك أن أحوال المنطقة، لاسيما المشرق وصراعاتها الأهلية، تكشف كم أن منظومة نقد الاستشراق، التي تحكمت بحياتنا الثقافية وما زالت بشكل أقل، لم تقصر فقط بتقديم أجوبة عن أوضاعنا، بل كانت، تغيب الكثير منها. فالهويات الطائفية، التي انفجرت حروبا أهلية، لم يتم تحليلها سوى من منظور إنكارها وإحالتها للخارج، الذي أنفق إدوارد سعيد جهداً في جعل أي تفكير له في أحوالنا جزءاً من مخطط لـ«تمثيل الآخر» واستغلال ذلك، من قبل الأنظمة السياسية في الغرب. بمعنى أن تفكير الآخر بنا لناحية تركيباتنا الأهلية، خرج مما هو معرفي، وجرت إحالته لمخطط غربي- سياسي، يسعى لتخريب صورتنا لتحقيق مصالح.

صحيح أن نقد الاستشراق ليس وحده المسؤول عن حجب التفكير بالطائفية وغيرها من مشاكل مجتمعنا، بل هناك منظومات إيديولوجية أخرى، لكن مراجعة هذا النقد واستخدام الاستشراق بأدوات محلية، قد تكون مفيدة لفهم ظواهر مثل الطائفية، أكثر بكثير ما يفعل نقاد الاستشراق، والماركسيون والإسلاميون والقوميون وغيرهم. فهؤلاء غالباً ما يحجبون الظاهرة أو يحيلونها لسبب فوق مجتمعي، بدل فهمها ومعرفة مدى تمكنها.

لكن، لو فرضنا أننا تخلصنا من هوس أن الغرب يريد تصويرنا كما يشتهي ويريد، كيف يمكن استخدام الاستشراق محلياً؟ الكثير من المستشرقين، كتبوا عن الطوائف والجماعات في منطقتنا، ووصفوا أحوالها وثقافاتها وطرق عيشها وأنماط تفكيرها، والكتابات هذه تستحق التوقف عندها، وربما الانطلاق منها، لفهم الجماعات عندنا، وتشكيل معرفة حيالها.

والحاجة لهؤلاء، تأتي لسببين، الأول، أن هناك من ينظر إلينا من الخارج انطلاقاً من فضول معرفي، لا يحجب الواقع، والثاني عدم وجود كتابات عربية يُعتد بها تصف الطوائف وتاريخها، بفعل سطوة الإنكار المتراكمة إيديولوجيا. هذه السطوة، جعلت أي محاولة للكتابة عن الطوائف، محكومة بـ«استشراق» حقيقي هذه المرة، هو نتيجة التجهيل الإيديولوجي. «استشراق» بين الطوائف نفسها، التي لا تمتلك معرفة تجاه بعضها البعض، وتتجنب الاستعانة بأي معرفة غربية، خشية تهمة الاستشراق.

يمكننا أن نقرأ في روايات كاتب سوري خصص «مشروعه» لـ«فضح النظام، وكشف أكاذيبه بما يخص الأقليات» كيف يتم تصوير القرية العلوية وسكانها، في إحدى الروايات، وكذلك مسيحيي دمشق في رواية أخرى، بشكل نمطي، وعبر معلومات عامة تحملها كل طائفة لأخرى، وبديهي أن مسيحي أو علوي أو درزي سيكتب عن سنة دير الزور سيقع في المطب نفسه. والتنميط المتبادل بين الطوائف، وقوامه غالباً معرفة شفوية، تتجاوز الاستخدام الروائي، المسبق الذكر، ويصبح عنصراً أساسياً لتفاعل المجتمع مع بعضه. تفاعل سلبي، تكشف تأثيره مع الصراع الأهلي الذي تلا الثورة، حيث لم تكن معرفة الطوائف لبعضها مفصولة عن الحروب العسكرية.

وبالنتيجة، رفض الاستشراق ونقده واتهامه والتشنيع على من يجد فيه إيجابيات، أنتج «استشراقاً محلياً» لا ينبع من مخطط مسبق لدى الطوائف لاختراع صور متخيلة، حيال بعضها البعض، بل ينبع تحديداً من هذا الاتهام الذي وجه للاستشراق الغربي، فعبر هذا الاتهام، جرت أبلسة المعرفة التي صاغها بعض المستشرقين، حول الطوائف، ومنع استخدامها، لتكون بداية للتخلص من «الاستشراق» المحلي، وبناء معرفة حيال الطوائف، ولو كانت شرارتها الآخر.

ثمة حاجة لإدوار سعيد محلي، يطوي صفحة إدوار سعيد العالمي، فبدل نقد الاستشراق، يمكن الاعتماد على بعض كتابات المستشرقين، كبداية، لمعرفة الطوائف بشكل موضوعي، خارج التنميطات المتبادلة، ما يفتح الباب لنقد «الاستشراق المحلي» فتصبح معرفتنا لبعضنا أولوية على اتهام الآخر باختراع صورة لنا، نتيجة قوته، في حين أننا في الواقع لم نكن نملك أدوات لمعرفة بعضنا البعض، بفعل تراكم المنظومات الإيديولوجية، التي تفترض المعرفة، ولا تبحث عنها.

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي

التعليقات مغلقة.