
رياض معسعس *
في الوقت الذي كان فيه العالم بأكمله يحتفل برأس السنة الجديدة، قدم الاحتلال الروسي رسالة تهنئة بالعام الجديد، إذ قام في الدقائق الأولى بعد منتصف ليل رأس السنة بعدة غارات جوية، استهدفت مخيمات نازحين في منطقة النهر الأبيض قرب مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي.
الغارات أدت إلى مقتل امرأة وطفلين وإصابة عشرة آخرين، كما تم قصف محطة تزويد المدينة بالمياه. وهذه أولى الجرائم الروسية بحق الشعب السوري للعام 2022. هذه الجريمة تضاف إلى حصيلة الجرائم التي ارتكبها المحتل الروسي، وجيش النظام وميليشياته خلال العام 2021 التي قدرت بـ 1271 شخصا منهم 299 امرأة، و299 طفلا، و104 أشخاص ضحايا التعذيب حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
معاناة الشعب السوري:
معاناة الشعب السوري لم تقتصر على عمليات القتل الممنهج في أكثر من منطقة، لكنها شملت كل المناطق في سوريا حيث عانى الشعب السوري، ولايزال، من تدهور القوة الشرائية بارتفاع نسبة التضخم لمستويات غير مسبوقة، وانخفاض سعر الليرة السورية (الدولار يساوي حوالي 3500 ليرة) وبات أكثر من 80 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، إذ لا يتعدى دخل الفرد عن 25 دولارا في الشهر، ويقضي معظم وقته في الوقوف في طوابير الخبز والغاز والبنزين.
وزاد وباء كورونا الطين بلة بانتشاره السريع مع تردي الخدمات الصحية بعد أن قام النظام سابقا بقصف الكثير من المستشفيات والمستوصفات الطبية، وقتل الكوادر الطبية.
هذا الوضع دفع ملايين إلى الهجرة واللجوء في أكثر من دولة حول العالم، وقضى كثير منهم غرقا في البحر المتوسط. في الوقت الذي تفيد مصادر إعلامية إلى أن بشار الأسد يملك ثروة طائلة تضعه في تصنيفات الرؤساء الأكثر ثراء في العالم.
لجنة المفاوضات: مكانك راوح
على صعيد العملية السياسية بين النظام والمعارضة يعمل المحتل الروسي على التدخل المباشر في السياسة السورية بوضع شروطه. إذ أكد المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف بعد الجولة الأخيرة من صياغة الدستور:” أن صياغة دستور جديد لسوريا، يجب ألا يتضمن تغيير السلطة في البلاد، خاصة أن حكومة النظام راضية عن الدستور الحالي، وفي رأيها لا داعي لتعديلات، وإذا رأت المعارضة ضرورة إجراء تغييرات، فيجب عليها النظر في القضايا التي تهمها وطرحها على التصويت، في استفتاء أو للموافقة عليها بطريقة أخرى، وإذا سعى شخص ما إلى وضع دستور جديد من أجل تغيير صلاحيات الرئيس، وبالتالي محاولة تغيير السلطة في دمشق، فإن هذا الطريق لا يؤدي إلى شيء” هذا الموقف الروسي الجديد يعارض المبادئ الأساسية للقرار الأممي” 2254″، ويضع سقفا لهذه المفاوضات يجب على المعارضة ألا تتجاوزه، فالسعي لتغيير السلطة في سوريا خط أحمر. وفي آخر جلسة مفاوضات بين وفد المعارضة ووفد النظام حول صياغة دستور جديد للبلاد، وصف مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا غير بيدرسون أنه “لم يتم التوصل إلى توافق في الآراء بشأن كيفية المضي قدما. وذكر أن عملية صياغة دستور جديد لسوريا كانت خيبة أمل كبيرة”. وقد مضى ما يقرب من عامين على الاجتماع الأول للجنة الدستورية السورية بكامل هيئتها. ويتعمد النظام تسويف عملية الصياغة الدستورية باعتراضه على مطالب المعارضة في الإصلاح ويعتمد على حليفه الروسي في نسف مطالب المعارضة بالإصلاح. ومع تصريحات المبعوث الروسي لم يعد هناك أي إمكانية في التوصل إلى حل سياسي يوقف العمليات العسكرية المستمرة وتدمير البنية التحتية، وقتل المدنيين، والتخلص من نظام جعل من سوريا أفقر دولة في العالم.
متاهات سوتشي:
سنوات أربع مرت على مسار مباحثات سوتشي الخاصة بسوريا جرى خلالها ست عشرة جولة كان آخرها الجولة التي عقدت في السابع من تموز/ يوليو 2021 في العاصمة الكازاخية نور سلطان.
سنوات أربع لم تقدم شيئا يذكر للشعب السوري المتطلع إلى حل سياسي ينهي حقبة نظام الأسد السوداء، وعودة الاستقرار إلى ربوع سوريا تحت رعاية أممية بتطبيق القرار الأممي 2254 الذي تم التصويت عليه في 30 حزيران/يونيو من العام 2015 والذي تضمن أن الشعب السوري هو من سيحدد مستقبل سوريا، وإجراء مفاوضات لانتقال سياسي ذي مصداقية بين النظام والمعارضة.
المحتل الروسي عمل منذ بداية تدخله في العام 2015 على نسف مقررات جنيف واستحداث مسار آستانا، ليس لصياغة حل تكون فيه الكلمة للشعب السوري برسم مستقبله السياسي والاقتصادي، لكن لإدخال المعارضة في عملية تسويفية ومتاهة تدور فيها ولا تخرج منها لكسب الوقت بانتظار أن يسترد النظام كل المناطق المحررة من المعارضة وفرض سيادته عليها بدعم من روسيا وإيران.
الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا) ومنذ الجولة الأولى توافقت على إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار. لكن النار لم يتوقف يوما واحدا منذ ذاك التاريخ، وفي كل جولة يعاد رسم خرائط المناطق المحررة حسب آخر كر وفر على أرض الميدان، مع إصدار بيان مكرر: «الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها ووحدة وسلامة أراضيها» مع التشديد على ضرورة احترام هذه المبادئ من كل الأطراف.
وعلى أرض الواقع هذه المبادئ غير محترمة بل يقوم المحتل الروسي، والإيراني على ترسيخ الأزمة السياسية وتفاقمها فسوريا غير مستقلة، ومجزأة. والعمليات العسكرية مستمرة في أكثر من منطقة ومعظم هذه العمليات تقام تحت مسمى محاربة الإرهاب (عمليات عسكرية في منطقة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة، وفي المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية الكردية، تواجهها عمليات عسكرية تركية للحد من نفوذها على الحدود التركية، وفلول داعش التي مازالت تنشط في البادية السورية، وعمليات عسكرية أمريكية تستهدف فيها قيادات داعشية يذهب ضحيتها مدنيون أيضا). ورغم ذلك وفي آخر جولة تم الاتفاق على متابعة مسيرة الماراثون بجولة جديدة. وكأخواتها السابقات تابعت فن المسير «مكانك راوح» وفي بيانها الختامي جاء «اتفقنا على مواصلة التعاون من أجل القضاء النهائي على داعش، وهيئة تحرير الشام، وجميع الأفراد، والجماعات والمؤسسات والمنظمات الأخرى المرتبطة بالقاعدة، أو داعش.. والجماعات الإرهابية الأخرى المعترف بها على هذا النحو من قبل مجلس الأمن الدولي» وتبقى مطالب الشعب السوري الذي بات ثلثه لاجئا، وثلثه نازحا، وثلث يرزح تحت جائحة النظام.
المعارضة السورية:
المعارضة السورية التي كانت تشارك في هذه الجولات لم يكن يسمح لها سوى لعب دور «إثبات الحضور» والتذكير بثوابت الثورة السورية، وتخرج وفود المعارضة السورية، التي تختلف تشكيلاتها في كل مرة حسب نتائج آخر صراع فيما بينها، خاوية الوفاض ولم تتمكن من فرض وجودها كطرف يحسب له كل حساب. وبالتالي لم تحقق أي مطلب من مطالبها. (وقف إطلاق النار، تخفيف معاناة السوريين تحت الحصار، الإفراج عن المعتقلين، انتقال سياسي ينهي سيطرة النظام استنادا إلى القرارات الأممية) فالدول الضامنة لا تتعامل معها كممثلة للشعب السوري، أو الثورة السورية، خاصة وأن البدايات كان التمثيل يضم وجوه المعارضة المسلحة كجيش الإسلام، والجيش الحر وسواهما، ثم اختفت معظم هذه الوجوه، لتحل محلها وجوه أخرى وبعض أعضاء الائتلاف الوطني الذي لا يحظى بتأييد دولي أو شعبي. خاصة بعد أن قامت أكثر من دولة كانت داعمة للثورة السورية في بدايتها بتغيير سياستها 180 درجة هذا العام كالإمارات والبحرين وعمان والأردن التي طبعت علاقاتها مع النظام السوري، وتطالب مع دول أخرى عودته إلى الجامعة العربية، وهذا ما يريح النظام والروس والإيرانيين.
* كاتب سوري
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.