الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

لماذا كانت ثورة كانون الثاني/ يناير محتمة؟

عبد الله السناوي *

◉ بدا نظام «حسنى مبارك» عند عام (2005) كأنه استنزف طاقته على البقاء.

◉ أوحت مشاهد الانتخابات الرئاسية أننا قرب النهاية، لكن عمر النظام امتد لنحو خمس سنوات أخرى بفضل اتساع هامش حريات التعبير.

كانت تلك حقيقة، فالحريات الصحفية والإعلامية رفعت سقف الآمال المعلقة على إصلاح النظام من الداخل.

عندما تبددت أية آمال بالتزوير الفاحش للانتخابات النيابية عام (2010) انفسح المجال واسعا لعاصفة كانون الثاني/ يناير (2011).

هناك من توقع «ثورة جياع»، بالنظر إلى تزايد الاحتجاجات أمام المخابز ومستودعات أنابيب الغاز، أو «انتفاضة خبز جديدة» تماثل كانون الثاني/ يناير (١٩٧٧)، أو «حريق قاهرة آخر» على النحو الذى جرى فى كانون الثاني/ يناير (١٩٥٢)، أو تغيير النظام بتدخل الجيش كما حدث فى (23) تموز/ يوليو.

◉ لم يخطر ببال أحد إطاحته بانتفاضة شعبية مدنية تدعو إلى نظام ينسخ الماضي ويلتحق بعصره. هبت عاصفة «كانون الثاني/ يناير» من خارج السياق السياسي، الذى اخترقت أحزابه وهمشت منابره.

لم يكن يعنى تدجين السياسة أن النظام فى منأى عن التغيير.

اقتحمت مسرح الحوادث أجيال شابة بروح جديدة وخيال مختلف، أصابت وأخطأت، لكن روحها تعلقت بفكرة الثورة، التي حسمت خيارها قطاعات جماهيرية واسعة نالت المظالم الاجتماعية من أبسط حقوقها فى الحياة، فيما الفساد يستشرى ببنية الحكم.

لعبت الحركات الاحتجاجية، وفى مقدمتها الحركة المصرية للتغيير «كفاية» والجمعية الوطنية للتغيير، أدوارا جوهرية فى معارضة سيناريو التوريث للابن والتمديد للأب وصنع مسار سياسي للغضب المتصاعد يتبنى التحول إلى الديمقراطية وبناء دولة مواطنة وعدالة وقانون. كانت النذر تتجمع فى الأفق المحتقن.

◉ لخّص «مشروع توريث الجمهورية» من «الأب» إلى «نجله الأصغر» أزمات النظام كلها ووضعه مباشرة أمام النهايات المحتمة.

كان ذلك المشروع تعبيرا عن سطوة رجال الأعمال المتنفذين فى صلب القرارين الاقتصادي والسياسي بزواج بين السلطة والثروة.

لم يكن ممكنا بأي حساب توريث الحكم بغير أثمانٍ باهظة واضطرابات لا قبل لأحد بها.

قيمة «يناير» فى التاريخ أنها عكست الإرادة العامة التي لا سبيل لتحديها بقدر ما طمحت إلى الانتقال لعصر جديد أكثر عدلا وحرية وكرامة إنسانية.

قبل العاصفة تبدت حالة غضب بين الأجيال الجديدة وجماعات المثقفين وكل ما له قيمة فى البلد، استقطبت المشاعر العامة حتى بدا النظام كله فى العراء السياسي.

رغم الاحتقانات السياسية والاقتصادية التي دعت الطبقة الوسطى والفئات الأكثر احتياجا إلى إعلان تذمرها، فقد كان «مشروع التوريث» هو نقطة التفجير التي استدعت كل الغضب إلى كل الميادين.

لم يكن الجيش فى وارد الصدام مع الإرادة الشعبية لتمرير «التوريث»، أو الدفاع عن نظام فقد شرعيته.

ولم يكن بوسع الأمن توفير أي ضمانات لتمرير هذه الخطوة الخطيرة دون اهتزازات عميقة قد تأخذ البلد إلى المجهول. فى لحظات النهاية بدا النظام بلا ظهير سياسي، فقد انهار حزب السلطة مع أول هتاف في ميدان «التحرير».

ما هو مصطنع يسقط فى كل اختبار.

◉ لم يكن «الحزب الوطنى الديمقراطي» حزباً حقيقياً بقدر ما كان تجمعا لأصحاب المصالح يلتصق بالسلطة، أي سلطة. كان مزيجاً من بيروقراطية الدولة ونفوذ الأمن.

توسع الدور الأمني خارج طبيعة مهامه وتدخل على نحو غير مسبوق فى الحياة العامة من البحث العلمي إلى اختراق الأحزاب إلى الاقتصاد ومشاريعه.

فى لحظة الثورة بدا الانكشاف كاملا للبنية السياسية المصطنعة.

دفع النظام ثمنا مستحقا لاختراق الأحزاب السياسية من داخلها، وتفجيرها فى بعض الحالات، ومنعها من ممارسة أي دور يتجاوز مقراتها.

بقدر ما تكون الحياة السياسية صحية وقابلة لاكتساب الثقة العامة فإن قواعد النظم تتأسس على أرض صلبة.

كان أسوأ ما حدث التعويل شبه المطلق على الولايات المتحدة فى ضمان استقرار النظام وتوريث النظام الجمهوري من الأب إلى الابن.

ظل الاعتقاد طوال الوقت جازما بأن المستقبل المصري يصنع فى البيت الأبيض حتى إن الدكتور «مصطفى الفقي» سكرتير رئيس الجمهورية الأسبق للمعلومات قال ذات مرة: «إن الرئيس القادم سوف يكون اختياراً أمريكياً بموافقة إسرائيلية».

◉ لم يطل الوقت حتى تبددت أسطورة التعويل على الإدارة الأمريكية فى ضمان مستقبل النظام، وبدت وهمًا من الأوهام فى الأيام الأولى لـ«كانون الثاني/ يناير».

الثورات ليست مؤامرات حتى لو بدا أن هناك من تآمر لاختطافها، أو حرفها عن مسارها وأهدافها.

إعادة قراءة ما جرى من تفاعلات وحسابات فى سنوات مبارك الأخيرة تساعد باليقين على إدراك الأسباب الكامنة التي أفضت إلى إجهاض أهداف «كانون الثاني/ يناير» واختطاف جوائزها من غير مستحقيها.

لا يعنى إجهاض الثورة نفي شرعيتها. شرعية يناير فى حتميتها.

◉ لم تهب عواصف التغيير مرة واحدة، ولا نشأت فجأة فى ميادين الغضب.

على مدى عشر سنوات كاملة تتالت التوقعات والنبوءات تحت الأفق المأزوم.

«مصر دخلت منطقة الزلازل السياسية».

كان ذلك توصيفا مبكرا فى (18) تشرين الثاني/ نوفمبر (2001) أطلقه المفكر اليساري الدكتور «فوزي منصور».

بروح الفنان توقع السيناريست «محفوظ عبدالرحمن» بتوقيت مقارب ما قد يحدث غداً: «النمل الأبيض يقرض كرسي السلطان».

غير أن السلطان لم يكن بوارد الالتفات إلى أن عرشه على وشك أن يهوى بفعل بنية نظامه.

بنظرة إلى المستقبل توقع المفكر الاقتصادي «سمير أمين» فى تشرين الأول/ أكتوبر (2003) أن «الإسلام السياسي هو البديل المطروح لكنه لن يخرج مصر من المأزق».

«دخلت مصر مرحلة المخاض المؤذن بميلاد جديد بإرادة الشعب، هذا ما يبدو جليا لك ذي عينين يبصر بهما».

هكذا لخص الموقف السياسي الحرج الفقيه القانوني الدكتور «هشام صادق» فى شباط/ فبراير (2005).

فى أبريل من العام التالي توقع السفير «أمين يسرى» أن «مصر على أبواب يوليو جديد».

«لا سكة السلامة ولا سكة الندامة.. نحن الآن فى سكة اللي يروح ما يرجعش».

كان ذلك توصيفا متشائماً للمخرج المسرحي «سعد أردش» فى شباط/ فبراير (2007).

«للصبر حدود وثورة الفقراء تقترب».

◉ كان ذلك استخلاصا مثيراً من قلب مجتمع الأعمال أطلقه «محمد فريد خميس» فى أيلول/ سبتمبر (2007). «مصر فى حالة مخاض والمستقبل مجهول».

هكذا تحدث الدكتور «محمد كمال» من قلب الدائرة الضيقة حول نجل الرئيس. «أتوقع اضطرابات اجتماعية».

◉ وهكذا تحدث اللواء «فؤاد علام» بخبرة المؤسسة الأمنية فى أيار/ مايو (2008). «مصر مقبلة على ما لم تشهده من قبل».

كان ذلك توقعاً مدوياً للأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى حزيران/ يونيو (2008). «حضرة النظام المستبد.. التغيير أو الانفجار».

كان ذلك إنذاراً أخيراً فى (9) كانون الثاني/ يناير كتبه الدكتور «محمد أبو الغار» قبل انفجار الحوادث بأسبوعين فى (25) كانون الثاني/ يناير (2011).

* كاتب صحفي مصري

المصدر: الشروق

التعليقات مغلقة.