
محمد عمر كرداس
انتهت الجولة السابعة عشرة من مباحثات أستانا ( نور سلطان ) دون نتائج تذكر حالها حال ماقبلها، هذا المسار الذي اخترعه الروس ظاهريا لتفكيك (المسألة السورية) وتجزئتها ليسهل حلها، لم تسهم إلا بدعم النظام وتشرذم المعارضة وبقاء الملفات الكبرى دون أي حل وحتى دون التطرق إليها، وإذا كان الاهتمام الأساسي انصب على ابتداع مناطق خفض التصعيد التي أدت إلى تمكين النظام من مناطق كثيرة كانت خارج سيطرته عبر التهجير وشراء الذمم واللعب على الحبال بتوقيع اتفاقات لم يحترم الروس والنظام إلاّ ما يناسبهم منها، فإن التصعيد مازال سيد الموقف على المناطق التي مازالت خارج السيطرة ويستمر سلاح الجو الروسي وميليشيات النظام بقضم هذه المناطق بعد تهجير أهلها وتشريدهم في وقت تدنت فيه المساعدات الأممية إلى الحضيض عدا عن عدم الالتفات للكارثة السورية ولو بمتابعة قرارات هذا المجتمع التي أقرها لحل الأزمة السورية.
يتحفنا المبعوث الدولي بيدرسون بأن لاحل عسكري في سورية وكأنه بذلك يكتشف العربة من جديد، ولكن يجب أن يقال له أن لاحل سياسي أيضًا في الأفق طالما بقي القرار الدولي 2254 ضميرًا غائبًا في كل المحافل الدولية والإقليمية وطالما بقيت القنوات مفتوحة بين المتداخلين في الشأن السوري بعيدًا عن النظام والمعارضة الذين يحضرون هذه الفعاليات مجرد ديكور. فلا النظام له وجود حقيقي ليتم الضغط عليه وإجباره لتنفيذ التزاماته حسب القرارات الدولية، ولا المعارضة بشكلها البائس حقيقية لتمثل الشعب السوري وتقف عند مطالبه الذي ثار من أجلها ولا أدوات المجتمع الدولي استطاعت فعل شيء في كل الملفات بل هي شاهد زور يكتفي بالإحاطة والقلق من قِبَل بيدرسون.
قَبْلَ بيدرسون كان ديمستورا الذي تقدم بالكثير من المبادرات التي كانت تهدف بالنتيجة لتمييع القضية وكان هذا لصالح النظام، وقبله كان الأخضر الإبراهيمي الذي وصف القضية بأنها حرب أهلية ولم يشر إلى ثورة شعبية ذات أهداف وطابع سياسي. وهذا أيضًا ماكان يريده النظام، الوحيد الذي عمل بحق من أجل سورية وشعبها كان الأول كوفي عنان الذي خرجت كل القرارات الدولية باقتراحه ونتيجة فهمه الحقيقي للأزمة والتعبير عنها بصدق دون خوف ولكن منذ إقرار هذه القرارات يجري الالتفاف عليها وتهميشها. وهذه أستانا تختصر كل تلك القرارات باللجنة الدستورية التي لم تنجز شيئًا منذ تشكيلها.
فوق كل ذلك يستبق المندوب الروسي لاجتماعات أستانا الجولة الأخيرة بتحميل المعارضة (وجلهم أصدقاء للروس) فشل اللجنة الدستورية بطرحها مطالب غير عملية ومستفزة لتجبر وفد النظام على التشدد وعدم التوافق، وبعد الاجتماع الذي استمر ليوم واحد في أستانا خرج الجميع بتصريحات متناقضة، فوفد المعارضة يقول إن الجولة القادمة التي ستعقد بعد ستة أشهر ستكون الأخيرة إذا لم يحدث اختراق وأنهم اتفقوا على بحث ملف المعتقلين (الذي تصر روسيا على تسميته ملف الأسرى) لتعطي انطباع أن ما سيجري هو تبادل أسرى أي مقاتلين من الجانبين في إنكار واضح إلى وجود مخطوفين ومعتقلين سياسيين أصحاب رأي وبعشرات الالآف عند النظام لا يغرف مصيرهم حتى الآن. إنها جريمة بحق الشعب السوري إذًا قبل من يسمون أنفسهم معارضة اختصار ملف المعتقلين والمخطوفين والمغيبين قسريًا لملف أسرى ويساهمون في جريمة أخرى وهي اختصار القرارات الدولية باللجنة الدستورية. لقد آن الأوان لإغلاق هذا المسار وللعمل على مسار حقيقي يضمن للشعب السوري تحقيق طموحاته الذي خرجت ملايينه من أجلها بعد كل هذه السنوات وكل هذا الذي تحمله ويتحمله في سبيل ذلك.
قضيتنا أصبحت كرة في ملعب الكبار يتقاذفونها بكل اتجاه، لقد فشل مشروع الملك عبد الله بن الحسين ومن وراءه مصر والعراق والإمارات ومن لف لفهم، فقد شجعتهم الإدارة الأميركية الحالية على ذلك بضبابيتها وفرديتها وتجاهلها لمآسي الشعب السوري، فطرحوا الحل على مبدأ خطوة بخطوة وهم إما أغبياء أو يتغابون فالنظام وظهره إلى الحائط لن يخطوا باتجاههم أي خطوة وأميركا تنتظر أن يبتلع المستنقع السوري الإنجازات الروسية وكأنهم لايعرفون الروس فهم هواة المستنقعات ولا يزدهرون إلا بها. لذلك لابد من إغلاق مسار أستانا وكل المسارات التي تحاول إيهام السوريين أن قضيتهم مازالت قيد التداول ولابد للسوريين من إمساك قضيتهم بأنفسهم وهذا مسار طويل تتعدد على طريقه المحطات.

المصدر: اشراق
التعليقات مغلقة.