
إيلي عبدو *
كشفت خطوة انتخاب مفتٍ لسوريا من قبل مجلس إسلامي معارض للنظام، عن مثقفين، دعموا الخطوة، ووجدوا فيها، فرصة لإفتاء متوازن بعيداً عن السلطة وإكراهاتها. وهؤلاء ومعظمهم، يعمل في الكتابة والإعلام، عبّروا عن مزاج ثقافي جديد، كان بحكم المقموع قبل الثورة.. مزاج ثقافي محافظ قيميا، يهتم بالقراءة والكتابة والنشر ويساجل فكرياً، وأحيانا فقهياً، ويدافع عن توجهات اجتماعية وسياسية وقانونية، انطلاقا من قناعاته المحافظة.
هذا المزاج، كان مغيباً، في سوريا قبل الثورة، لأسباب لها علاقة بطبيعة النظام، لاسيما في الثمانينيات وما نتج عنها، وأخرى لها علاقة بمفهوم نمطي للثقافة، يعرّف العاملين فيها، كـ”علمانيين” و”تقدميين” و”يساريين”، ويحيل كل ما هو محافظ ومتدين إلى “الرجعية” و”التخلف”، وبالتالي، إلى خارج الثقافة.
هذا التسييس للثقافة، باعتبارها التصاقا بالعقائد والأفكار السياسية “التغيرية”، لم يترك هامشا للمثقف المتدين والمحافظ، ليعبر عن نفسه، ويحتك بالأفكار مع العلمانيين ويساجلهم ويتقاطع، ويختلف معهم. المناخ السياسي السلطوي، لعب دوراً حاسما في تسميم العلاقات بين المثقفين العلمانيين والمثقفين المتدينين، لكن سموما أخرى، كانت لها مساهمتها أيضاً، فنتيجة انهيار أيديولوجيات المثقف العلماني، والحرب الأهلية المصغرة في الثمانينيات، حصل التباس، عند تحديد المثقف “العلماني”، وتداخلت الانتماءات والهواجس الطائفية، لدى بعض أتباع الأقليات من المثقفين، مع قناعاتهم الأيديولوجية، التي أصبحت مجرد غطاء للتعبير عن ما يناقضها، أي الطائفة والمذهب. وتضخم الكلام عن “العلمانية” و”اليسار” و”التقدم”، كخطاب ثقافي مهيمن، أحسنت السلطة لاحقا استخدامه في الدعاية لنفسها، فيما الخطاب المحافظ، انحسر إلى الديني المحض. بمعنى آخر، لم يتبلور خطاب سياسي محافظ للسجال والاختلاف معه، في حين، وُظفت العلمانية أحيانا، للتعبير عن هواجس بعض الأقلويين، ولتنتهي بشكل نهائي، في خدمة السلطة. ولم ينجُ من هذه الثنائية، سوى مثقفين أكراد وأشوريين، فهؤلاء، رغم التفاوت بالنظر لطبيعة كل قضية، بلوروا أفكارا وقناعات تتعلق بقضاياهم، من دون أي التباسات وتستر بعقائد سياسية وطروحات كبرى. الأيديولوجيات على تنوعها، وظفت من أجل قضاياهم، لا من أجل إخفائها والتحايل عليها. عدم الوضوح عند الأقليات الأخرى، يتعلق، على الأرجح، بعدم صياغة قضية، لا توجد قضية علوية أو مسيحية أو درزية في سوريا، هواجس هذه الجماعات، غالبا ما تم تمريرها، عبر عقائد سياسية. بالطبع، ليس، حل هذه الإشكالية، في أن تكون لكل طائفة قضية، ولكل قضية مثقفون، لكن في الوقت عينه، لا يبدو، استنادا على تجربتنا في سوريا، أن استخدام الأيديولوجيات لتمرير هواجس الطوائف، أمر إيجابي، إذ إن الأنصار الحقيقيين للعلمانية، يدفعون الثمن، لأن هناك من الطائفيين من يسرقها منها، ويستخدمها كدعوة لهدف سياسي. كذلك، فإن الطائفيين يخسرون لأنهم يفوتون إمكانية بلورة أفكار تتعلق بهواجس انتماءاتهم، وطرح مقاربات لمعالجة هذه الهواجس.
والمثقف المحافظ، ليس بعيداً عن هذا المأزق، إذ إن استبعاده، ساهم في تصليب قناعاته، التي باتت تتغذى على المظلومية، فهو يشك ويرتاب من أي طرح “علماني”، مشتبهاً بأقلوية ما في مثل هذا الطرح، عدا عن أن إخراجه من السياسة وترك المجال الديني له، جعله، أقل اهتماما بتلوين قناعاته ببعض الأفكار المدنية، ما يفسر دفاع كثيرين عن المفتي الجديد، على الرغم من آرائه السلبية التي كشف عنها سابقا بخصوص المنظمات النسوية التي تعمل في الشمال السوري.
بالنتيجة، سيزداد المثقف المحافظ، محافظة، معوضاً هزائمه المتتالية في السياسة، بتأييد مفتٍ جديد، فيما المثقف العلماني، الجاري البحث عنه، عليه أن يواجه، تحديات، بينها تخليص العلمانية من الطائفيين، ومن السلطة، أي تطوير علمانيته، ضمن أرضية، للتفاعل من المثقف المحافظ، رغم انشغال الأخير، بالانتقام المجاني في هذه المرحلة على الأقل.
* كاتب سوري
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.