الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب «في الفكر السياسي»؛ (الجزء الأول).. الحلقة التاسعة والثلاثون

 (الحرية أولاً) ينشر حصرياً الكتاب المفقود «في الفكر السياسي» بجزئيه، للمفكرين “الأربعة الكبار”، وهذه الحلقة التاسعة والثلاثون من الجزء الأول- ثانياً(3)- حرية بلا مضمون اجتماعی؛ بقلم الأستاذ “ياسين الحافظ”

ثانياً(3)- حرية بلا مضمون اجتماعی

    الحرية هي إحدى شعارات الحزب الثلاثة. وقد أطلقها الحزب كشعار عام عريض دون أي محاولة لتوضيح مفهومها وبيان حدودها، كما أنها لم تُربط ربطاً ملموساً بالواقع العربي الملموس. وهكذا، وإذ بقي هذا الشعار مفهوماً مجرداً يسبح في الفضاء, فقد فهمه كل عضو حسب طريقته الخاصة وحسب اهتماماته وحسب الطبقة والفئة التي ينتمي إليها.

    ولقد أُطلِق هذا الشعار، في البداية، في وجه شيوعيي هذا البلد، الذين روّجوا للدكتاتورية الستالينية وبرروها. ولكن بدلاً من أن يُمسك الحزب بالواقع العربي بكل تفاصيله وتناقضاته وجوانبه، ليملأ هذا الشعار- الذي بدا مجرد رد فعل- بمضمون عملي واقعي، فقد اكتفي بذلك المفهوم المجرد العريض، وأراح نفسه من عناء البحث والتفكير.

    لم تكن الحرية يوماً مفهوماً مجرداً مطلقاً، حتى الحرية بمفهومها البورجوازي لم تكن كذلك، بل هي دائماً حرية ملموسة، مُنحت للبعض ومنعت عن الاخر. عندما قامت البورجوازية بثورتها ضد الإقطاع، كانت تُبيح الحرية المثالية المطلقة باسم الشعب كله، ولكن عندما وصلت إلى السلطة انقلبت الحرية عندها إلى مصلحة محددة، ولم تتردد البورجوازية بالدوس على مثاليتها لاستغلال الدولة الديمقراطية ولتضرب الطبقة العاملة. عندما يتم النصر للبورجوازية، وعندما تتهدد مصالحها للخطر، تستعمل البورجوازية القوة لقلب الحرية المطلقة أو ما يسمى بحقوق الإنسان إلى مصلحة طبقة اجتماعية معينة. وإلى الذين يتساءلون عن الشكل الراهن للديمقراطية في العالم الغربي نقول: إن الديمقراطية لم تكن منحة البورجوازية للشعب، بل هي ثمرة نضال جماهيري طويلٌ عنيد.

    كان واجباً على حزب البعث العربي الاشتراكي، باعتباره حزباً شعبياً وثورياً واشتراكياً، أن يفهم الحرية على هذا الأساس، أي أن يكرس الحرية للجماهير الشعبية وللثورة الاشتراكية. كان يجب أن تُفهم هذه الحرية على ضوء ظروف الشعب العربي وواقعه. (باعتبار وطننا بلداً متخلفاً لا يشبه العالم الغربي الرأسمالي).

    إن الإيمان بالثورة والاشتراكية يقتضي التأكيد على وضع جميع القوى المعادية للثورة والاشتراكية في «المستودع».

    وأن الإيمان بالجماهير الشعبية يوجب التأكيد على شل جميع القوى المعادية للجماهير وطرحها خارج الميدان السياسي.

    يجب أن يكون فهمنا للحرية منبثقاُ من المرحلة الاستثنائية الثورية التي يمر بها الشعب العربي، أي ينبغي أن يكفل مضمون وإطار هذه الحرية حرية واسعة عميقة للجماهير الشعبية وحدها، لكي تستطيع أن تخوض نضالاً حاسماً وجذرياً ضد الاستعمار والرجعية، كما يتيح هذا الإطار خوض معركة التنمية والتصنيع بسرعه وجديه أي إيجاد شكل من السلطة الشعبية القوية، لكي تستطيع أن تُخطط وتعبئ وتجند الشعب تعبئة شاملة لتحريك جميع الطاقات البشرية والمادية في الوطن.

   إلا أن غموض مفهوم الحزب للحرية والديمقراطية، وفشل تجربة الحكم الفردي في عهد الوحدة، دفع بقسم من أعضاء الحزب إلى تبني الفكرة الرائجة في الأوساط البورجوازية المثقفة التي تؤكد جدوى الشكل الكلاسيكي الغربي للديمقراطية والحرية، وهكذا استطاع بعض الانتهازيين والمثقفين البورجوازيين في الحزب جر قسم من أعضائه إلى مواقف ملائمة لمصالح البورجوازية والرجعية. وبدلاً من مواجهة تجربة الحكم في عهد الوحدة بنقد رصين يساري وثوري، جوبهت من قبل هؤلاء بهيجانات يمينية وبورجوازية ليبيرالية.

    حقاً إن تجربة الوحدة قد اثبتت عجز الحكم الفردي عن تعبئة الشعب تعبئة ثورية صحيحة وكاملة ، إلا أن الشكل الكلاسيكي الغربي للحرية والديمقراطية قد فشل وسقط منذ اليوم الأول لقيامه، وفي جميع البلاد العربية، وكانت الديمقراطية العرجاء والحرية المُزعّزَعة المبتورة (التي عرفتها بلادنا أحياناً، لأن الرجعية تحكم غالباً بشكل مباشر وسافر) لعبة الرجعية والاستعمار لتضليل الجماهير، لذا فإن سقوط هذا الشكل من الحرية وفشله في البلدان العربية خصوصاً، وفي البلدان المتخلفة بشكلٍ عام، ليس حدثاً عارضاً أو مؤقتاً أو محدوداُ، بل أصبح حقيقة عامة لها قيمة القانون الموضوعي.

    «وإن ابتعاد البلدان المتخلفة عن نظم البلدان الغربية المتطورة الرأسمالية ليس بدعة يفرضها أناس لهم میول دكتاتوريه بل يفرضها الواقع الموضوعي الملموس ومعطيات تطور النضال الاجتماعي والسياسي في هذه البلدان».

    حقاً إن ما يسمى بـ«الديمقراطية الموجهة» أو «الديمقراطية الثورية»، تحمل دوماً مخاطر تحولها إلى دكتاتورية البيروقراطية أو دكتاتورية الفرد (كما جرى في روسيا الستالينية)، إلا أن الإلحاح على اعتبار الشكل الثوري للديمقراطية هو أوسع وأعمق شكل لديمقراطية الجماهير الشعبية، وإتاحة المجال لدور طليعي فعال للطبقة العاملة هو الذي يمنع تحولها إلى دكتاتورية البيروقراطية أو الفرد.

    إن فشل الحكم بعهد الوحدة بإيجاد بديل جدي ناجح للديمقراطية الكلاسيكية، ليس تبرئة لهذه الديمقراطية، كما أنه ليس دليلاً على جدواها، وبكلمة أنه ليس إعادة لاعتبارها. قد يكون الأمر كذلك بالنسبة للبورجوازية والرجعية، أما بالنسبة للطليعة الثورية وبالنسبة للجماهير، فإن فشل تجربة الحكم الفردي ستكون مهمازاً لإصرار عنيد على أن حكم الفرد، وإن استشرف آفاقاً تقدمية وثورية، عاجز فعلاً عن تعبئة طاقات الجماهير تعبئة ثورية كاملة، كما أنه يعوق انطلاقة الجماهير من أن تمضي بكل عنفوانها وزخمها نحو أهدافها القصوى البعيدة، وهو أخيراً الذي يحول عملية الثورة من زحف شعبي منظم مرصوص إلى غارة تحمل طابع المغامرة المهددة دوماً بالتطويق والإبادة فالتنظيم الشعبي الثوري هو وحده الذي يحمي ظهر الثورة، ويمنح الحكم الثوري النسغ الشعبي ويجدد كل يوم اندفاعات الثورة ويعزز مكاسب الجماهير ويوسعها ويصونها.

    الحرية نعم… ولكن حرية الجماهير الشعبية المنظمة.

    الديمقراطية نعم… ولكن الديمقراطية الثورية الاشتراكية… لا الديمقراطية المنفلتة الفضفاضة… ديمقراطية الخيانة والصراخ… ديمقراطية الرجعية والبورجوازية.

    ينبغي التمييز بين الديمقراطية الثورية الاشتراكية وبين الديمقراطية البورجوازية، إن هذه الديمقراطية (إذا عاشت بشكل جدي وواسع وعميق) قد تكون، من حيث المبدأ، مناخاً ملائماً لنمو التحرك الجماهيري وتعميق جذوره، إلا أنها تبقى مجرد وسيلة على كل حال. ومع ذلك فان موقف الحزب (والعناصر الانتهازية المرتدة بخاصة) من قضية الديمقراطية البورجوازية يعوزه الوضوح و الثبات معاً. لقد مر الحزب في تقلبات متكررة خالية من أي روح مبدئية فهو قد تعاون مع الدكتاتورية العسكرية في أحيان عديدة، كما لعب لعبة الديمقراطية البورجوازية في أحيان أخرى. وفي كلا الحالين كانت هذه المواقف خالية من الروح المبدئية والثورية معاً، فلا الديمقراطية الثورية مرماه ولا الديمقراطية البرلمانية  اسلوبه، وإنما الذي يملي مواقفه هو المنفعة المباشرة القريبة للحزب.

    تخبط عشوائي تحركه الروح الانتهازية… ذلك هو موقف الحزب من هذه المشكلة.

    بقيت كلمة أخيرة: إن القاعدة الجماهيرية لحزب البعث العربي الاشتراكي لا تزال بخير، إن تطلعاتها الثورية لم تَخْبُ بعد. وأن إيديولوجية واضحة علمية وثورية هي وحدها التي تتيح صهر هذه «البًعثرة» والقضاء على كل المظاهر السلبية والانتهازية، كما أن هذه الأيدولوجية هي التي ستصفي آثار الانغلاق الميتافيزيكي عن الواقع، وهي التي ستمكن- بالتالي- من القضاء عل آثار العقل البورجوازي الصغير والاقطاعية الصغيرة واقتلاعها من الجذور وإلى الأبد.

                                                      ***

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع.. الحلقة الأربعون والأخيرة في هذا الجزء بعنوان: قنابل في الفجر؛ بقلم الأستاذ “عبد الكريم زهور”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.