الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

السنغال: هل سيتجه “بسيرو ديو ماي” إلى القطيعة مع فرنسا؟

بلال التليدي *

إبان الحملة الانتخابية، شكل نقد الهيمنة الفرنسية وتحرير السنغال منها جزءاً أساسياً من خطاب المعارضة السياسية، وبدأت باريس تستشعر خطر التحاق السنغال بجملة الدول التي حصلت بها انقلابات عسكرية ناقمة على التغول الفرنسي، ولم يستبّعد العديدون أن يكون لباريس يد ما في قرار الرئيس السنغالي السابق “ماكي سال” تأجيل الانتخابات الرئاسية.

اليوم، أسفرت الانتخابات السنغالية عن نتائجها، وبدأت وسائل الإعلام تبحث عن الخلفيات الفكرية والدينية والسياسية للرئيس المنتخب، وتبحث في مساره، وتحاول أن تقرأ تأثيراتها المحتملة على السياسة الخارجية، وهل تقطع مع الهيمنة الفرنسية، وتدشن بذلك أكبر نكسة للسياسة الخارجية الفرنسية في منطقة غرب إفريقيا بعد أن تعرضت لنكسة سابقة في منطقة الساحل جنوب الصحراء.

الرئيس السنغالي المنتخب “بسيرو ديو ماي” أدلى بتصريحات مقتضبة إلى وسائل الإعلام حول عناوين سياسته الخارجية، فظهر من خلالها الفارق الكبير بين خطاب الحملة الانتخابية وخطاب الموقع الرئاسي، فأكد أن بلاده ستحافظ على «داكار البلد الصديق والحليف الموثوق به أمام مختلف شركائه الذين يريدون الانخراط في تعاون مثمر ومحترم» وهو ما يفيد استبعاد أي سياسة قطيعة متسرعة، وفي الآن ذاته، إعادة تعريف السياسة الخارجية السنغالية، ومراجعة خطوطها في ضوء المصلحة الوطنية، وتصحيح الاختلالات التي تطبع علاقة الشركاء بعضهم ببعض، في ضوء مفهوم التوزان والمصلحة والوطنية.

البعض راح ينبش في الخلفية الدينية والحركية للرئيس الجديد، ورجح أن يكون لخلفيته الأصولية (قربه من التيار الإسلامي) تأثير على سياسته الخارجية، وأن الرجل سيندفع حتما إلى تبني سياسة قطيعة مع فرنسا وتغول مصالحها في السنغال، ليس فقط الاقتصادية منها، ولكن أيضا الثقافية واللغوية، وأن داكار ستحذو حذو مالي، وترسم بذلك شريطاً ممانعاً ومقاوماً للسياسة الفرنسية ممتداً من دول الساحل جنوب الصحراء إلى الواجهة الأطلسية، وأن باريس، تلقت بالفعل ضربة غير مسبوقة، تستدعي أن يسارع قصر الإليزيه وعلى وجه السرعة لتصحيح سياسته الخارجية، ودفعها في اتجاه الحفاظ على ما تبقى من مصالحها وحلفائها ليس فقط في دول الساحل جنوب الصحراء، بل أيضا في دول غرب إفريقيا.

في الواقع، يصعب أن نقرأ تحولات السياسة الخارجية للبلدان الإفريقية بهذه الثورية، فالسنغال التي تعرف مساراً ديمقراطياً، لا يمكن مقارنتها بالدول التي حصلت فيها انقلابات عسكرية، فرضت فيها النخب العسكرية المستولية على السلطة نوع السياسة الخارجية التي تتبناها، ففي التجارب الديمقراطية، لاسيما في سياق الدول الإفريقية، يخضع تقييم تحولات السياسة الخارجية لأربعة محددات أساسية:

يتعلق الأول بطبيعة الرؤية الدبلوماسية، التي لا تخضع بالضرورة لتحولات السلطة، فاللحظة الانتخابية، مهما كان فيها من خطاب، لا يمكن أن تقرأ منها مفردات السياسة الخارجية المستقبلية، فالرؤية الدبلوماسية لأي بلد تنطلق من اعتبارات، تخص الموقع الجيوستراتيجي، والمصالح الوطنية، والعلاقات السابقة، والالتزامات القائمة، والخيارات والهوامش الممكنة. في الحالة السينغالية، يظهر بوضوح الفارق الضخم بين خطاب التغيير (في اللحظة الانتخابية) وخطاب المحافظة (بعد الفوز في الانتخابات) ففي لحظة الحملة الانتخابية، اتجه الخطاب إلى مفهوم التحرر من التغول الفرنسي بأبعاده المختلفة، وعند تولي منصب الرئاسة، ركن الخطاب إلى منطق المحافظة على العلاقات والتحالفات القائمة، مع إشارة صغيرة إلى إمكانية المراجعة في ضوء منطق التوازن والاحترام.

المحدد الثاني، يتعلق بطبيعة السلطة في السنغال، وفي أي بلد إفريقي، فمؤسسة الرئاسة، على أهميتها، ليست إلا مُتدخلاً واحداً، ضمن متدخلين آخرين لهم تأثيرهم ووزنهم في بنية القرار لاسيما السياسة الخارجية، فحتى لو افترضنا أن الرئيس المنتخب له ميولاته الخاصة، ويحتفظ برؤية مختلفة لدور السنغال في المنطقة، فإن ذلك يقتضي منه ابتداءً أن يسعى إلى خلق توازن في بنية القرار حول هذه الرؤية، خاصة إن كانت تسعى إلى إحداث انقلاب ثوري في العلاقات الخارجية، وهو ما لا يمكن تصوره بسهولة، فتصريح الرئيس السنغالي المنتخب يبين إلى أي حد تضيق مساحات الانفراد بصياغة العلاقات الخارجية بعيداً عن بقية المتدخلين، لاسيما منهم المؤسسة العسكرية والأمنية والنخب الاقتصادية الوازنة في البلاد.

المحدد الثالث المرتبط ببرنامج الحزب الحاكم، ورؤيته الفكرية والسياسية، يطرح هو الآخر تحدياً مماثلاً، فإذا افترضنا أن الرئيس المنتخب قريب من التيار الإسلامي، فطريقة تمثل الإسلاميين للعلاقات الخارجية، وعلاقة ذلك بتأمين استقرارهم في السلطة، يبين صعوبة إحداث تغيير ثوري في السياسات الخارجية السنغالية. فاستقراء الطريقة التي أدار بها الإسلاميون السياسة الخارجية في أكثر من بلد يفيد بأنهم كانوا حريصين بشكل كبير على عدم إحداث أي تغيير يمس المصالح الاستراتيجية الكبرى للحلفاء، هذا مع أن جزءاً من خطابهم السياسي كان يستند إلى مقولة أن المصالح الوطنية تُهدر بسبب تغول المصالح الخارجية وتواطؤ النخب الاقتصادية المحلية مع الخارج.

يرتبط المحدد الرابع، بسؤال الإمكان، أي حدود إمكان صياغة سياسة خارجية في محيط جيواستراتيجي حاكم، فالسنغال محاطة بدول تنتمي إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (الإكواس) التي تحتفظ بعلاقات قوية مع فرنسا، وتربطها حدود واسعة مع مالي، التي تطرح تحديات استراتيجية وأمنية في حال التفكير في الانضمام إلى الثلاثي المتمرد على السياسة الفرنسية وعلى المجموعة الاقتصادية نفسها، وتعرف علاقاتها مع موريتانيا بالحذر الشديد وذلك منذ الحرب الموريتانية السينغالية، وتعرف علاقات تاريخية جد مميزة مع المغرب.

هذه المحددات الأربعة، تحد في الواقع من إمكانية إجراء تغيير ثوري في علاقات السنغال مع فرنسا، وتفتح إمكانية المناورة لتحقيق قدر كبير في التوازن في العلاقة معها (تصحيح العلاقات في ضوء مبدأ التوازن ومراعاة المصالح الوطنية) وذلك من خلال استثمار استمرار الخلاف الفرنسي المغربي، ومحاولة الاشتغال على توسيع العلاقات مع الرباط ومد مجالاتها إلى آفاق أكثر رحابة.

في خطاب الرئيس المنتخب ورؤيته للعلاقات الخارجية، ليس هناك وضوح كافِ لرسم صورة ما ستسير إليه السنغال، فقد تحدث عن تعزيز التعاون مع ساحل المحيط الأطلسي بما يعني تعميق العلاقات مع موريتانيا وغامبيا وغينيا بيساو، وتحدثَ بحذر شديد عن مالي، وعن متابعة التحولات الجارية بها، وتخوف من انعكاس أي اضطراب أمني بها على السنغال، وأبقى الباب مفتوحاً حول إمكانية التعاون مع موسكو عسكرياً وأمنياً، دون أن يُلمح بإمكانية أن يغير تحالفات السنغال وينخرط في محور الدول المتحالفة مع موسكو.

مراجعة هذه العناوين، بالإضافة إلى الطموح بتغيير العملة الفرنسية الموحدة، يفيد أن إمكانية إحداث تعديل ثوري في سياسة السنغال الخارجية هو أمر مستعبد، وأنها ستبقى وفية لتحالفاتها السابقة، مع قدر حذر من التعاون مع موسكو ودول الساحل جنوب الصحراء، وأن أوراق المناورة لتحقيق حُلم التحرر من النفوذ الفرنسي، سيتجه في اتجاهين، الأول استراتيجي، يتجه لتعميق العلاقة مع المغرب واستثمار الخلاف الفرنسي المغربي لجعل الرباط سنداً في التخفف من التغول الفرنسي، كما يتجه أيضاً إلى توسيع التعاون مع دول الساحل الأطلسي، والثاني تكتيكي، يتم فيه استخدام إمكانية التحول للمحور الأمني العسكري الروسي، كسلاح وهامش مناورة لتحقيق جزء من إرادة التحرر من الهيمنة الفرنسية.

* كاتب وباحث مغربي

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.