الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

بين الإبادة الجماعية والمقاومة الوطنية

محمد عبدالشفيع عيسى *

يقولون «حرب الإبادة البشرية» Genocide ولا يقولون شيئاً عن مقاومة الإبادة بصناعة الموت «المقدس» الذي لا يبقي ولا يذر.

ويتحدثون عن الاستعمار ولا يذكرون حركة التحرر الوطنى، وعن الاستعمار الاستيطاني يتكلمون، ولكن لا يتكلمون عن «نزع الاستيطان» بقوة السلاح الشعبي أو (البدائي) إن شئت، بغير مواربة.

وعن العنصرية يرفعون العقيرة، ولا نسمع عن ضرب العنصرية بالوطنية الخالصة المسلحة، أما عن «التهجير القسري» فحدِّث ولا حرج، ولكن لا حديث عن مقاومة التهجير باستنبات الأصالة- فلماذا؟

وإن لنا تصوراً معيناً في رؤية الظاهرة الاجتماعية في بُعدها الفلسفي المكين؛ حيث كل ظاهرة اجتماعية لها وجهان متناقضان ولكن متكاملان، أو هما ضدان يجتمعان، وكل منهما يكمل الآخر في وحدة (جدلية) أو (ديالكتيكية): التناقض في داخل الوحدة، أو الوحدة التناقضية العتيدة.

قل مثل ذلك تماماً عن حرب (قطعان الهمج الصهاينة) هذه الأيام ضد أهل (غزة) الفلسطينية، وكتائبها المقاتلة، المُعمّدة بالدم.

فالعنف الصهيوني الجاري، الاعتباطي ربما بغير نسَق مرسوم، يقابله عنف (ثوري) لا يخشى شيئاً، ولا يصبر على ضيمْ. عنف يقابل العنف، ودم يسيل على جنبات الدم، وعنصرية فائضة تقابلها على الضفة المقابلة، نزعة «للتمركز حول الذات» الوطنية دون وجل أو خجل.

هذا، وإن وجهي الظاهرة التناقضية، لا يختلفان من حيث «التميز» Distinction، بحيث إن كلاً منهما لا نجد له شبيهاً كاملاً، وإن وجدنا نظيراً إلى حد معين هنا أو هناك.

كل منهما، العدو والنقيض، الظالم والمظلوم، أي الدم والدم، نبتة لا نعرف كيف نشأت وتنامت، عبر الزمن.

بالتطبيق على ظاهرة (غزة) الراهنة فإن الوجه التناقضي القائم على العدوان، والعنصرية والتهجير، والتعميد بالدم القاني الخالص، يقابله وجه تناقضي يسعى إلى (اقتلاع) و(نفي) العدَو الذي سبق بممارسة (رقصة الموت) كل آن.

كل من العدوين «اللدودين» له شخصيته المستقلة حقاً دون اختلاط، بملامح لم يسبقها إليها أحد، كأنه كائن فريد، أو كأنه «إنسان» مثلاً، ولكل إنسان «بنان» مختلف تماماً عما سواه، كما نص القرآن.

الطرف الصهيوني يمارس العنف الاعتباطي ضد الشعب الفلسطيني الآن؛ وربما لم يسبقه أحد بهذه السمات طوال التاريخ، برغم أوجه الشبه الكثيرة أو الاختلاف.

قام الأوروبيون في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر بالتسلل والتلصص على ثغور إفريقيا، وقاموا باصطياد البشر وساقوهم (زرافاتٍ ووحدانا) على سفن الموت، شحناً إلى، قارة أمريكا الشمالية بالذات، والوسطى والجنوبية، فمات منهم أثناء عملية الشحن والنقل ملايين؛ ثم تحولوا إلى عبيد لممارسة العمل بالسخرة في مزارع القمح وغيره، لدى البيض المهاجرين من أوروبا.

ولم يكتف المهاجرون بذلك بل مارسوا الإبادة البشرية، العنيدة عن طريق نصب المَقاتل للسكان (الأصليين) الذين أطلقوا عليهم مسمَى (الهنود الحمر)، فانتزعوا أرضهم وما يملكون، وسلبوا حضارتهم وما يرثون، سعياً إلى مسح ذكراهم من سيرة التاريخ. حتى ليُقال (الهنود الحمر) ولا يُقال عن هؤلاء ما يشير إلى هوية كانت يوماً ما أو ستكون.

هنا وجه شبه مع الغزو الصهيوني العنصري الجاري، الذي يسعى إلى تهجير أهل البلد، بل ومحوهم من خارطة التكوين التاريخي- الجغرافي، كأنهم لم يكونوا يوماً ما. وما القتل الجماعي في غزة اليوم بالقاذفات المقاتلة وبالمدفعية الثقيلة سوى نوع من التكرار لإبادة من أسموهم (الهنود الحمر) يوماً ما.

ولما دخل التتار بغداد وأسقطوها كعاصمة للدولة الإسلامية (العباسية) عام 1258م، فإن ذلك يشبه ما فَعل ويفعل (قطعان الهمج الصهاينة) اليوم في مدينة غزة وجباليا وخان يونس وغيرها كثير.

أما نزح موارد البلدان المتوسطية من قِبَل روما القديمة، خاصة القمح، فذلك ما يشبه نزح موارد فلسطين، ثغراً وحجراً، وماءً ونهراً، وزرعاً وضرعاً، وتحويلها إلى قطعان (المستوطنين) القادمين من بعيد.

أما ما فعله «النازي» في الثلاثينيات من القرن العشرين فهو يشبه ما فعله ويفعله الصهاينة بشكل أو آخر. كما أن ما فعله (الفاشيون) الطليان عند غزو واستعمار ليبيا منذ 1911، ومن ثم ممارسة «لإبادة» بمعنى معين ضد الليبيين بالنفي والتهجير والاستغلال الاقتصادي والقتل، فذلك أيضاً مما لا يختلف عن بعض ما يقوم به (قطعان الهمج الصهاينة) حالياً، على نحو ما أوضح “د. على عبداللطيف أحميدة” في كتابه عن «الإبادة البشرية في ليبيا».

وكذلك ما فعله الاستعمار الياباني في منشوريا أو غيرها بين الحربين، يشبه ما يقوم به (القطعان) في بعض الأوجه أيضاً.

ولكن كل أوجه الشبه هذه، لا تجعل من ممارسة العنف الصهيوني (نسخة) مما جرى هنا أو هناك. فما يجري في غزة ليس بالضبط كما جرى في أمريكا الشمالية أو منشوريا وليبيا وغيرها.

هذا، واذهب إلى الوجه الآخر للظاهرة الاجتماعية الفلسطينية و«الغزاوية» لترى أن المقاومة الوطنية (الحمساوية مثلاً) متميزة وليس لها شبيه تام، وإن كان لها نوع أو آخر من النظير.

هناك شيء عن التشابه والتناظر مثلاً مع ممارسة (حرب العصابات) «شرق الآسيوية» بين الحربين العالميتين في القرن العشرين، ضد اليابانيين ثم الفرنسيين. ولكن «حرب عصابات» (حماس) تختلف.!

وأعمال البطولة الفلسطينية و(الحمساوية)- إن صح التعبير- ضد الصهاينة الساعين إلى الحلول محل أهل البلاد، والاستيطان والسكني بدلاً منهم، هذه أيضاً ليس لها شبيه تام، برغم إمكان وجود نظير.

الخلاصة أن العدوان الصهيوني الآن، والعنف الممارس، له سماته الخاصة به تماماً، وكذلك المقاومة الوطنية الفلسطينية المقابلة. وتتلاحم عنصرية وعنف الهمج الصهاينة، مع مقاومة الفلسطيني البطل، ليكون من امتزاجهما الملحمي تكوين فريد لظاهرة لم يسبق لها مثيل.

تلك إذن هي (فينو مينولوجيا)- أو «ظاهرية» العدوان والمقاومة؛ وبتعبير أدق هو (ديالكتيك) العنف والدم على جانبيْ صفحات الملحمة، حيث تنطبق قوانين «الديالكتيك» العتيدة؛ من الترابط المتبادل والتغير المستمر، و«التناقض في داخل الوحدة».

* أستاذ مصري باحث في اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية

المصدر: الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.